كشفت دراسة جديدة، قادها باحثون من معهد علوم الجغرافيا وبحوث الموارد الطبيعية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، عن حجم الخسائر التي تلحق بالأراضي الزراعية جراء النزاعات المسلحة، وتأثيراتها طويلة الأمد في إنتاج الغذاء.
دراسة ترصد آثار النزاعات على الأراضي الزراعية
لطالما ارتبطت الحروب بالجوع، إذ تؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وإجبار السكان على مغادرة أراضيهم، وإضعاف المؤسسات التي تضمن استمرار الأنظمة الغذائية. لكن قياس تأثير النزاعات في الأراضي الزراعية نفسها على مستوى العالم ظل أمراً صعباً.
ولمعالجة هذه الفجوة، جمع الباحثون خرائط سنوية للأراضي الزراعية مستمدة من صور الأقمار الاصطناعية، بدقة تصل إلى 30 متراً، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2020. كما حللوا أكثر من 460 ألف واقعة نزاع مسلح موثقة جغرافياً في 155 دولة.
ودرس العلماء التغيرات التي طرأت على الأراضي الزراعية ضمن نطاق 5 كيلومترات من مواقع النزاعات، واستخدموا أساليب إحصائية للتمييز بين الخسائر الناجمة عن الحروب والتغيرات الأخرى التي تؤثر في الأراضي الزراعية.
خسائر زراعية تفوق المناطق المستقرة
وأظهرت النتائج أن مناطق النزاعات لا تتجاوز نحو 3% من مساحة اليابسة في العالم، لكنها كانت تضم أكثر من 6% من الأراضي الزراعية العالمية في عام 2020.
ورغم التوسع الإجمالي في الأراضي الزراعية عالمياً بين عامي 2000 و2020، اتخذت المناطق المتأثرة بالنزاعات مساراً معاكساً.
وارتبطت النزاعات المسلحة بانخفاض متوسط مساحة الأراضي الزراعية بنحو 3%، بما يعادل خسارة تقارب 14.5 هكتاراً سنوياً في كل منطقة متأثرة جرى تحديدها ضمن نطاق الدراسة.
وسجلت مناطق النزاعات خسائر في الأراضي الزراعية تفوق المناطق المماثلة التي لم تشهد حروباً بنسبة 23.7%. وكانت غرب إفريقيا وشرقها وجنوب شرق آسيا من أكثر المناطق تضرراً.
وبلغ إجمالي الأراضي الزراعية التي فُقدت في المناطق المتأثرة بالنزاعات نحو 249,667 كيلومتراً مربعاً خلال العقدين اللذين شملتهما الدراسة.
وتشير تقديرات الباحثين إلى أن المحاصيل التي كان من الممكن إنتاجها في الأراضي المفقودة كانت ستوفر طاقة غذائية تكفي لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات السنوية لنحو 255 مليون شخص.
الحروب الأطول والأشد تدميراً تخلّف خسائر أكبر
ولا تتساوى النزاعات في حجم الأضرار التي تلحقها بالأراضي الزراعية، إذ تؤدي شدة القتال ومدته دوراً أساسياً في تحديد حجم الخسائر.
ووفق الدراسة، فقدت المناطق التي شهدت النزاعات بصورة متكررة نحو ثلث أراضيها الزراعية. كما تسببت الحروب الأطول والأشد كثافة في أضرار أكبر بكثير من تلك المرتبطة بالنزاعات الأقصر أو الأقل حدة.
في المقابل، رصد الباحثون مؤشراً إيجابياً في المناطق التي انتقلت من النزاع إلى مرحلة السلام، إذ لم تظهر فيها أدلة واضحة على استمرار تراجع الأراضي الزراعية بعد توقف القتال.
وتشير هذه النتيجة إلى أن التعافي ممكن عند انتهاء العنف، لكنه لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى جهود تسمح بإعادة الأراضي إلى الإنتاج.
المؤسسات القوية تحد من الأضرار
كشفت الدراسة أيضاً عن اختلاف حجم الخسائر الزراعية بين الدول المتأثرة بالنزاعات، تبعاً لظروفها الاجتماعية والمؤسسية.
فقد ارتبط ارتفاع مستويات النزوح بفقدان أكبر للأراضي الزراعية، إذ يؤدي فرار السكان إلى ترك الحقول من دون زراعة أو رعاية. وظهرت أنماط مشابهة في الدول التي تعاني مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
في المقابل، سجلت الدول التي تتمتع بحكومات أكثر فاعلية وأنظمة تنظيمية أقوى وسيادة أفضل للقانون خسائر أقل في الأراضي الزراعية.
(ترجمات)
