"نموت ولا نتجند".. صراع الحريديم ورقة نتانياهو الخاسرة

شاركنا:
الحريديم وضعوا الحكومة الإسرائيلية أمام اختبار صعب (رويترز)
هايلايت
  • الحاخام تسفي ليفوفيتش: نؤمن أن جيش إسرائيل الحقيقي هو جيش التوراة.
  • الحاخام إلياهو برودي: الجيش الإسرائيلي مؤسسة علمانية بامتياز.
  • أمير مخَول: أبرز أسباب نفور الحريديم من التجنيد ونمط حياتهم المتدين وتعارضه مع الأعراف العسكرية.

في أزقة القدس المكتظة وشوارع بني براك قرب تل أبيب المزدحمة ومستوطنات الضفة الغربية "بيتار عيليت" و"موديعين عيليت"، يتحرك رجال بمعاطف سوداء طويلة، لا تتغير مع تعاقب الفصول، توارثوها عن أسلافهم في أوروبا الشرقية، ويرتدون قبعات من فرو أو سوداء بسيطة، وقصات شعرهم جانبية مجدولة.

تلتزم نساؤهم بأزياء محافظة تغطي أجسادهن ويتجنبن الزينة الظاهرة، تعبيراً عن مفهوم الحياء الأساس في نظرتهم للحياة، إنهم طائفة "الحريديم" المتدينين "خشاة الله" في إسرائيل، يبنون جداراً عازلاً مع العالم الحديث، ويرون في الدولة مجرد كيان سياسي عابر ينتظرون زواله مع ظهور المسيح.

الموت ولا التجنيد

وراء مظهرهم الخارجي وعالمهم الفكري المغلق، يركز "حريديم" إسرائيل على دراسة التوراة والتلمود كقيمة عليا، ويعتبرون الحفاظ على التقاليد اليهودية الأرثوذكسية في أرض الأجداد مهمة وجودية تفوق كل التزامات الدولة الحديثة، التي يعتبرونها "تمرداً على الإرادة الإلهية" التي ستُعيد اليهود إلى أرض الميعاد فقط بقدوم المسيح، لذلك يرفضون الخدمة في الجيش الإسرائيلي ليس كخيار سياسي فحسب، بل كقناعة دينية جوهرية.

يرفعون شعار "نفضل الموت على أن نُجند" لحماية هويتهم، فهم يرون أن التجنيد هو باب لاختلاط الشباب بعالم علماني، يُهدد إيمانهم ونقاء مجتمعاتهم، ويُلهيهم عن دراسة التوراة التي يعتبرونها حماية روحية حقيقية لإسرائيل أكثر من القوة العسكرية، هذا الموقف "الحريدي" يغذي صراعاً مستمراً مع الدولة والمجتمع الإسرائيلي العلماني، الذين يعتبرون "متطفلين" على أكتاف الدافعين للضرائب والمجندين، لكنهم يرون أنفسهم حراس الشعلة اليهودية الحقيقية في زمن يتهددها الانحلال، صراع الهوية هذا، بين الانتماء الديني والوطني، يظل أحد أعمق الانقسامات في نسيج إسرائيل.

اختيار الحريديم

"الحريديم" لا يعتبرون رفضهم للتجنيد خياراً سياسياً هامشياً، بل يرتقون به إلى مستوى الواجب الديني القطعي، لأنهم يعتقدون أن دراسة التوراة والتلمود طوال اليوم في المدارس الدينية، هي أهم واجب لليهودي، وتحفظ وجود الدولة وتحميها روحياً أكثر من أي جيش على الأرض.

لاستجلاء خلفيات هذه القضية، يوضح الحاخام تسفي ليفوفيتش أحد المعلمين في مدرسة حريدية دينية في مدينة القدس، لمنصة "المشهد"، "دورنا في هذه الأمة أن نكون القلب النابض، العقل المفكر المتجه إلى الله، الجنود يحمون الجسد، ونحن نحافظ على الروح، التجنيد هو باب مفتوح على الزندقة والانحلال، على اختلاط أولادنا بالبنات وبالعلمانيين الذين لا يخشون الله، نفضل الموت على أن نُجند، لأن الموت الجسدي أهون من موت الروح والإيمان"، ويضيف قائلاً، "دورنا في أرض إسرائيل، هو إعادة بناء الهيكل الروحي، المتمثل في دراسة الشريعة، وليس حمل السلاح، نحن نؤمن أن جيش إسرائيل الحقيقي هو جيش التوراة".

وعلاوة على ما سبق، أشار الحاخام إلياهو برودي، أحد أبرز المعارضين لأي تسوية في قضية التجنيد، لمنصة "المشهد"، بأن "الجيش الإسرائيلي اليوم هو مؤسسة علمانية بامتياز، تخلط بين الرجال والنساء، وتسمح بالممارسات المنافية للشريعة، لن نرسل أبناءنا إلى هذا الجحيم الأخلاقي، أولئك الذين يتحدثون عن المساواة في تحمل الأعباء، نحن نرفض أفكارهم وتصرفاتهم، نحن لسنا ضد أمن الدولة، لكننا نعتقد أن أمنها الحقيقي يكمن في التمسك بالوصايا، وليس في عدد الدبابات، سيأتي يوم تدرك فيه الدولة أننا كنا حماتها الحقيقيين".

هذه الآراء لا تبقى حبيسة الجدران الدينية، بل تتحول إلى توجيهات عملية، فشبكة "لجنة الإنقاذ الحريدية"، التي تقدم الدعم القانوني والمادي للممتنعين عن التجنيد، تستمد شرعيتها مباشرة من الفتاوى الدينية، بينما تنظم احتجاجات أسبوعية، تضم آلاف الشبان الحريديم الذين يهتفون، "نفضل السجن على الخيانة".

أصوات من الداخل

ولتوضيح فكرة خلفيات رفض "الحريديم" للتجنيد، تحدثت منصة "المشهد" مع إيتان ليفي (24) عاماً يسكن مدينة القدس، وهو شاب حريدي يمضى أكثر من ستة عشر ساعة يومياً في دراسة التلمود، منذ أن كان في الـ13 من عمره، يول "أنا لا أعترف بإسرائيل كدولة بالمعنى الحديث، لأني يهودي أعيش في أرض إسرائيل، حكومتهم وقوانينهم وقضاؤهم لا يمثلونني، جيشهم يدافع عن مشروع سياسي، بينما نحن ندافع عن اليهودية نفسها من الانقراض، لو حاولوا جرّي بالقوة للتجنيد، سأذهب إلى السجن، لأنه شرف في سبيل الله".

وعن شعوره بالذنب حيال عدم المشاركة في أعباء الدفاع عن المجتمع الذي يعيش فيه، ويستفيد من خدمات البنية التحتية، والصحية، يجيب ليفي "للمشهد"، "نحن ندفع الثمن غالياً، نعيش في فقر مدقع، ثمانية أو عشرة أفراد على الأقل في شقة صغيرة، لأن الأولوية تعليم الأبناء على أصول الدين، بينما يعيش المجتمع العلماني في رفاهية ويمول جيشه، ونحن نعيش لله".

وفيما تتصاعد نبرة الرفض الديني في أحياء الحريديم، يتردد صداها غضباً صارخاً في الشارع الإسرائيلي العلماني، الذي يرى في الإعفاء الجماعي للشبان الحريديم من الخدمة العسكرية " ظلماً تاريخياً " و"استغلالاً للنظام"، خاصة في ظل تكاليف حروب إسرائيل الباهظة، وأعداد القتلى المرتفعة في صفوف الجنود الإسرائيليين.

على النقيض من ذلك الرأي، تعبر تمار بيرتس (33) عاماً عن غضبها العارم خلال حديثها لـ"المشهد"، بالقول، "هذا استغلال كبير من قبل الحريديم ولا يطاق، نحن نعمل وندفع الضرائب الباهظة، ونخاطر بحياتنا وأخوتنا وأقاربنا في الجيش، بينما هم يتكاثرون بكثرة، ويرفضون أي مسؤولية، كما وأنهم يطالبون بالمزيد من الدعم الحكومي لمدارسهم ومستشفياتهم المنفصلة عن البقية، إما أن يكونوا مواطنين كاملي المواطنة، أو يتركوا لنا قراراتنا".

دوافع وفتاوى

أمام هذا المشهد المعقد، يبرز سؤال جوهري: ما هي أسباب نفور "الحريديم" من التجنيد العسكري في إسرائيل؟

ويعزو المختص في الشؤون الإسرائيلية أمير مخَول خلال حديثه لمنصة "المشهد" للأسباب التالية:

  • أولاً، أولوية دراسة التوراة، يعتقد الحريديم أن دراسة التلمود والتوراة هي الواجب الديني الأعلى لليهودي، وحماية روحية لإسرائيل تفوق الحماية العسكرية.
  • ثانياً، رفض الصهيونية الدينية، كثير من الحريديم لا يعترفون بدولة إسرائيل ككيان شرعي، بل يعتبرونها تمرداً على الإرادة الإلهية، لأن المسيح لم يعد بعد، لذلك يرون التجنيد خدمة لكيان غير شرعي.
  • ثالثاً، الخوف من الانحلال الأخلاقي.
  • رابعاً، فتاوى الحاخامات، تحرم القيادات الدينية الحريدية التجنيد، وتعتبر مقاومته وصية دينية.

(المشهد)