في وقت يقترب فيه النزاع السوداني من دخول عامه الـ3 منذ اندلاعه في أبريل 2023، ثمة معطيات جديدة تتكشف وتضيف بُعدًا خطيرًا إلى مشهد الحرب، في ظل أزمة إنسانية توصف بأنها من الأسوأ في المنطقة، بحسب " اندبندنت أون لاين"، إذ إنّ تحقيقًا صحفيًا حديثًا قد سلّط الضوء مؤخرًا على عملية استيراد ونقل شحنات من غاز الكلور إلى السودان خلال عام 2024، وسط اتهامات باستخدامه لاحقًا في عمليات عسكرية.
غاز الكلور
وفقًا للتحقيق، جرى استيراد 17 أسطوانة كبيرة من غاز الكلور في صيف 2024، عبر شركة تحمل اسم "شركة الموانئ الهندسية"، قُدمت باعتبارها جهة متخصصة في معالجة المياه.
وأشار التحقيق إلى أنّ مدير الشركة ضابط في الخدمة الفعلية بالقوات المسلحة، في مخالفة للقوانين التي تحظر على العسكريين ممارسة أنشطة تجارية خلال فترة خدمتهم.
بحسب التحقيق، فإنّ الشحنة انطلقت من الهند إلى ميناء جدة، حيث مكثت قرابة 18 يومًا قبل إعادة تصديرها إلى السودان على متن سفينة تُدعى "الأحمد"، ووصلت إلى ميناء بورتسودان في 9 أغسطس 2024.
وتحدث التحقيق عن استغلال تسهيلات العبور المتاحة للبضائع السودانية لتمرير الشحنة من دون تدقيق موسع في طبيعة محتواها.
كما أشار إلى أنّ منظومة الصناعات الدفاعية تولت الجوانب اللوجستية للعملية، وأنّ رئيسها خضع لعقوبات أميركية في أكتوبر 2024، بتهم تتعلق بشراء أسلحة وتوسيع نطاق الحرب.
بعد أقل من شهر على وصول الشحنة، رُصدت بحسب التحقيق حالات اختناق في مناطق اشتباك، إلى جانب توثيق أسطوانات صفراء في مواقع ميدانية. وتقاطعت هذه المعلومات مع تحقيق نشره فريق "المراقبون" في قناة "فرانس 24"، أفاد باستخدام غاز الكلور قرب مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024، خلال معارك بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وذكر التحقيق أنّ براميل تحتوي على الكلور أُلقيت من الجو، مشيرًا إلى أنّ الجيش هو الطرف الوحيد في النزاع الذي يمتلك طائرات قادرة على تنفيذ هذا النوع من العمليات. في المقابل، قيل إنّ الشركة الهندية المصدّرة أكدت أنّ المادة بيعت لأغراض معالجة مياه الشرب فقط.
جرائم حرب
منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش، حذّرت من المخاطر الصحية للتعرض للكلور، التي قد تصل إلى الاختناق الحاد والوفاة. واعتبرت أنّ استخدام الكلور كسلاح، إذا ثبت، يشكل انتهاكًا لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وجريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
كما دعت المنظمة إلى إجراء تحقيق شفاف عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما في ذلك استخدام آلية "التفتيش المفاجئ"، مؤكدة أنّ استخدام مادة صناعية شائعة كسلاح يهدد الأعراف الدولية الراسخة.
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أميركيين، أنّ المعرفة بأيّ برنامج كيميائي سوداني، كانت محصورة في نطاق ضيق داخل المؤسسة العسكرية، وأنّ رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان سمح باستخدامه. وفي مايو 2025، أعلنت الولايات المتحدة أنها توصلت إلى أنّ الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية مرتين على الأقل خلال عام 2024، وفرضت عقوبات على السودان بناءً على ذلك.
تأتي هذه الاتهامات في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لوقف الحرب، وسط تحذيرات من تفكك مؤسسات الدولة وتفاقم المعاناة الإنسانية. وإذا ما ثبتت صحة هذه المزاعم، فإنها تمثل تطورًا بالغ الخطورة في طبيعة الصراع، وتنذر بتداعيات سياسية وقانونية قد تتجاوز حدود السودان إلى الإطارين الإقليمي والدولي.
(ترجمات)