تعديلات إردوغان الوزارية.. ضبط المعادلة السياسية وانتخابات مبكرة محتملة

شاركنا:
تغييرات إردوغان الوزارية تؤشر إلى احتمال حدوث انتخابات رئاسية مبكرة (رويترز)
هايلايت
  • إردوغان يعيد تشكيل الوزارات السيادية تمهيدًا لمسار دستوري محتمل.
  • مراقبون: هناك مؤشرات على وجود تشدد أمني وسياسي لإبقاء إردوغان الأقوى.
  • الفترة المقبلة تبدو منفتحة على احتمالات سياسية متفاوتة.

في خطوة بعثت بتساؤلات عديدة حول احتمالات حدوث انتخابات رئاسية مبكرة في تركيا، أصدر الرئيس رجب طيب إردوغان، أمس، مرسومًا بتعيين أكين غورليك، المدعي العام السابق في إسطنبول، وزيرًا للعدل، ومصطفى جفتجي، محافظ أرضروم السابق، وزيرًا للداخلية، في تعديل وزاري شمل وزارات سيادية لها "تأثيرات مباشرة على أمن ومسار ومآلات العملية الانتخابية"، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".

انتخابات مبكرة في تركيا؟

في حين يُنظر إلى تعيين غورليك كـ"شخصية صدامية" مع المعارضة، خصوصًا بعد إشرافه على ملفات حساسة تتعلق بعمدة إسطنبول المعزول أكرم إمام أوغلو والمسجون منذ قرابة 6 أشهر، وكذلك حزب الشعب الجمهوري، وفق المصادر ذاتها، بما يعكس رغبة في إحكام القبضة القانونية والقضائية.

أما استبدال علي يرلي كايا بمحافظ أرضروم، فيشير إلى توجه نحو "سياسات أمنية" أكثر تشددًا وتقارب محتمل مع الجناح القومي المتشدد. ورغم أن التعديلات لا تعني بالضرورة انتخابات مبكرة في 2026، إلا أنها تؤشر إلى تحضيرات تتصل بمسارات دستورية محتملة قد تمهد لانتخابات مبكرة العام المقبل، مع بقاء إردوغان الشخصية الأبرز والأقوى في الساحة السياسية التركية، وسط ترقب لمواقف الوزارة الجديدة في إدارة الحملات الأمنية والتأثير على الإطار الدستوري المستقبلي.

وبحسب صحيفة "حرييت" التركية، فقد رجحت الاستعداد لانتخابات رئاسية مبكرة في ظل مواصلة الرئيس التركي "إعادة هيكلة" حكومته. وقد أشارت إلى أنه "مع اقتراب عام 2028، قد تطرأ تعديلات إضافية على تشكيلة الحكومة"، وقالت إن إردوغان، الذي يتولى السلطة التنفيذية منذ قرابة ربع قرن، يميل عادة إلى توزيع التغييرات الوزارية على فترات متباعدة.

احتمالات سياسية

وفي ما يبدو أن التغيير الوزاري الذي قام به الرئيس التركي، يتخطى كونه مجرد إجراء محدود أو مؤقت، إنما يقع ضمن إستراتيجية التغيير التدريجي الذي قد يطال أمور أخرى تتحقق في الفترة المقبلة التي تبدو منفتحة على احتمالات سياسية متفاوتة، وفق الصحيفة التركية التي صاغت الوضع في عبارة موجزة لها دلالتها وحمولتها الواضحة بأن "الشوط الأول انتهى"، وأن "المدير الفني تدخّل في تشكيلة الفريق"، مرجحة أم "يكون الشوط الثاني أكثر انضباطا وتناسقًا".

كما عدّت الصحيفة التركية التطورات الجارية في أنقرة بمثابة "مؤشر على بدء مرحلة أوسع من إعادة التشكيل السياسي".

مسألة الانتخابات الرئاسية في تركيا تقع ضمن دائرة الاستقطاب بينما تبرز وكأنها تراوح مكانها. ففي حين استبعد زعيم الحركة القومية التركية دولت بهجلي وحليف الرئيس التركي إردوغان حدوث انتخابات مبكرة خصوصًا مع الوضع الإقليمي الراهن والمأزوم، فإن دوائر إعلامية قريبة من حزب العدالة والتنمية تشير إلى تحضيرات يقوم بها الأخير لجهة الإعلان عن دستور جديد يتضمن مادة تتيح لإردوغان الترشح مرة أخرى بعد أن استنفذ مرات ترشحه بناء على الدستور الحالي.

وثمة تغييرات أخرى محتملة تخضع للنقاش داخل الحزب الحاكم تتعلق بقاعدة الفوز في الرئاسة التركية، وهي حصول المرشح الفائز على "50 %+1" من الأصوات، بناء على الدستور الحالي، الأمر الذي يبدو عائقًا أمام الرئيس إردوغان في ظل نتائج قياس اتجاهات الرأي العام المتكررة التي تكشف عن عدم امتلاكه القدرة لتحقيق النسبة في الانتخابات المفترض أن يكون موعدها في يونيو 2028.

كما يلح زعيم حزب "الشعب الجمهوري" (أكبر أحزاب المعارضة) أوزغور أوزل على ضرورة إجراء انتخابات مبكرة.

سياسات أمنية أكثر تشدداً

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، يقول الباحث والمحلل السياسي التركي إسلام أوزكان إنه بالفعل، في 11 فبراير الجاري، أصدر الرئيس إردوغان مرسومًا بتعيين وجهين بارزين في حقائب سيادية، وهما أكين غورليك (المدعي العام السابق في إسطنبول) وزيرًا للعدل، ومصطفى جفتجي (محافظ أرضروم السابق) وزيرًا للداخلية، الأمر الذي يعكس دلالات واضحة حيث إن "أكين غورلك يُنظر له كشخصية صدامية مع المعارضة، خصوصًا أنه أشرف على ملفات حسّاسة تخصّ رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو وحزب الشعب الجمهوري. تعيينه، إذًا، يشير إلى رغبة في إحكام القبضة القانونية والقضائية في المرحلة المقبلة".

أما بالنسبة الى استبدال علي يرلي كايا بمحافظ أرضروم، فقد يعكس عودة إلى "سياسات أمنية" أكثر تشدداً أو تقارباً أكبر مع الجناح القومي المتشدد، وفق أوزكان. ويردف: "رغم أن التعديلات الوزارية في وزارتي الداخلية والعدل (المسؤولتين عن أمن ونزاهة العملية الانتخابية) تعزز فرضية التحضير لاستحقاق ما، إلا أن الموقف الرسمي حتى الآن غير موافق على الانتخابات المبكرة؛ لأن الظروف الاقتصادية غير ملائمة بسبب الظروف الاقتصادية الهشّة".

كما أكد الرئيس إردوغان في تصريحاته (آخرها في 11 فبراير أمام كتلة حزبه) أن الانتخابات ستجري في موعدها عام 2028. كما أن إردوغان قد يلجأ لخيار الانتخابات المبكرة في أواخر عام 2027 لضمان حقه الدستوري في الترشح لولاية ثالثة (حيث يعتبر الدستور ولايته الحالية "غير مكتملة" في حال تم التوجه لانتخابات مبكرة بقرار من البرلمان)، بحسب الباحث والمحلل السياسي التركي أوزكان، موضحًا أن هناك نقاشًا جاريًا حول حزمة تعديلات دستورية، وتعيين غورليك في وزارة العدل قد يكون هدفه التمهيد القانوني لهذا المسار.

ويختتم حديثه قائلًا إن التعديلات الأخيرة لا تعني بالضرورة انتخابات "وشيكة" في 2026، لكنها تضع "طاقم حرب" في الوزارات السيادية المعنية بالداخل والقضاء، مما يفتح الباب أمام بعض السيناريوهات مثل تشدد الحزب الحاكم تجاه المعارضة مع إبقاء خيار الانتخابات المبكرة في 2027 باعتباره "بطاقة أخيرة" في حال نضوج واكتمال الظروف أو بالأحرى الشروط الاقتصادية والسياسية.

مرحلة دقيقة

من جهته، يرى الباحث المتخص في الشؤون السياسية والإقليمية محمد ربيع، أن التعديلات الوزارية الأخيرة التي أجراها إردوغان أثارت جدلًا واسعًا حول مستقبل المشهد السياسي التركي، واحتمال إجراء انتخابات رئاسية مبكرة تمكّنه من الترشح لولاية جديدة، مرجحًا في حديثه لـ"المشهد" أن هناك "مرحلة دقيقة تتشكل في الأفق بينما تتضمن تعديلات دستورية تهدف إلى تمهيد الطريق أمام إردوغان للترشح في الانتخابات المقررة عام 2028، خصوصًا في ظل تكليف وزير العدل الجديد بمتابعة الإطار الدستوري والمسؤوليات المتعلقة بالدستور الجديد".

وفي الوقت نفسه، تتركز الأنظار على وزير الداخلية الجديد ودوره في الحملات الأمنية ضد البلديات، ما يعكس توجهاً نحو تعزيز السيطرة الأمنية والسياسية، وفق ربيع، وبذلك يظل إردوغان "الشخصية الأبرز والأقوى على الساحة السياسية التركية، مع احتمال اللجوء إلى تعديل دستوري ضروري يمكّنه من الترشح لولاية رئاسية ثالثة".

(المشهد)