في فجر الـ7 من أكتوبر 2023، تغيّر وجهُ قطاع غزة إلى الأبد، لم يكن ذلك اليوم مجرد حدث أمني عابر، بل كان شرارةَ حرب ضاربة حوّلت القطاعَ إلى ساحة من الركام والدمع، وتركت خلفها خسائرَ بشريةً وماديةً هائلةً في كل مفاصل الحياة، بيوتٌ هُدمت على ساكنيها، ومستشفياتٌ فقدت قدرتَها على العلاج، ومدارسُ تحولت إلى ملاجئ أو أنقاض، ومئاتُ الآلاف يبحثون عن مكانٍ آمنٍ لا وجودَ له.
بعد الهجوم الذي شنته "حماس" على إسرائيل، جاءت الحربُ الإسرائيليةُ لتضربَ غزةَ بكل ثقلها، فدفع المدنيون فاتورةً قاسيةً لا ذنبَ لهم فيها، خلف الأرقام، هناك أسماء، وخلف الركام، هناك عائلات، وبين كل هذا وذاك أطفالٌ لم يعرفوا من الحرب سوى الخوف، ونساء فقدن بيوتهنّ، وشيوخ لم يجدوا دواءً ولا مأوى، والمعاناةُ لم تتوقفْ عند لحظة انتهاء القصف، بل ما زالت قائمة، تنخرُ في جسد القطاع وتتركُ جرحاً مفتوحاً يصعب أن يندمل.
وفي قلب هذا الدمار، يبقى السؤال قائماً كندبة لا تزول، هل كان لا بد أن يدفع الفلسطينيون في قطاع غزة هذا الثمن الغالي من أعمارهم وأرواحهم؟ سؤال لا يبحث عن تبرير، بل عن إنصاف الضحايا، وعن إنسانٍ محاصرٍ بين قراراتٍ لم يصنعها وحربٍ لم يخترها، فوراء كلِّ رقمٍ عائلةٌ كاملة، ومن وراء كلِّ صورةٍ طفلٌ يبحث عن أبيه أو أمه، ومن تحت الأنقاض حكايةٌ لم تكتمل، تبقى حقيقةٌ واحدة، المدني في غزة يدفع الثمنَ مرتين، واحدةً بالحياة التي تنتزعُ منه رويداً رويداً، وأخرى بالفقد الذي لا يعوض.
عائلاتُ غزةَ تدفعُ الثمن
في غزة، لم تنتهِ الحربُ مع آخر قصف، ولا مع آخرِ خبرٍ عاجل، المعاناةُ ما زالت هناك، في خيمةٍ تهتزُّ من البرد، وتحت ركامِ بيتٍ كان عامراً، في طفل يبحثُ عن طعامٍ ودواء، وأم تدفن ابنَها ثم تعود لتبحث عن طعام لأبنائها الأحياء، بعد 7 أكتوبر، دفعت غزة ثمناً باهظاً في كل شيء، الأرواح، والبيوت، والمستشفيات، والمدارس، والمستقبل.
الأرقام في غزة ليست إحصاءً، بل سجل مفتوح على الخسائر والوجع، وهذا ما أفاد به تحديث نشره المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بمناسبة مرور 3 أعوام على الحرب، أكد بأن أعداد الضحايا بلغت 74,250 و 175,278 مصاباً، بينما لا يزال 9500 شخص مفقودين، بينهم ضحايا تحت الأنقاض وآخرون مجهولو المصير.
وكشف المركز عن خسائر بشرية ومادية متراكمة في مختلف القطاعات، تصل قيمتها الأولية المباشرة بأكثر من 80 مليار دولار. وقدّر المكتب عدد الوحدات السكنية المتضررة بنحو 510 آلاف وحدة، وحاجة أكثر من 350 ألف أسرة إلى الإيواء، وإلى تهالك أكثر من 162 ألف خيمة وعدم صلاحيتها للإقامة، من أصل 270 ألف خيمة، في حين إن أكثر من مليوني مدني تعرضوا للنزوح، فيما تجاوزت كمية المتفجرات التي أُلقيت على القطاع 230 ألف طن، وامتد الدمار إلى 97% من مدارس القطاع، وتعرضت 87% من الأراضي الزراعية للتدمير، في حين ظلت 19 مستشفى فقط من أصل 38 تعمل بقدرات محدودة.
من قلب الميدان، حيث صوتُ الناس وهمومُهم، التقت منصةُ "المشهد" بإحدى عوائل قطاع غزة المكلومة، من على أطلال بيته المهدوم في حي الشجاعية، بنبرة حزينة يقول أبو خالد ضاهر لمنصة "المشهد": "بيتي وتعب العمر تحول إلى كومة من الركام، كل الذكريات والأحلام انتزعتها فصول الحرب الإسرائيلية، حيث فقدت زوجتي وأحد أبنائي في خضمها، لم ولن أؤيد هجوم 7 أكتوبر في يوم من الأيام، لأننا نحن من دفعنا الثمنَ وحدَنا، من قرر الهجومَ ومن دفعَ الفاتورة، لا نريد جنازاتٍ وفقدانًا وموتى.. نريد حياة ومستقبلًا للجميع".
ظروفُ عائلة أم بلال الآغا تتشابه كثيراً مع العائلة السابقة وكحال البقية يتشاركون ذاتَ المعاناة والأوجاع والفقد، تحت سقف من قماش تعيش أم بلال وما تبقى من عائلها في خيمة بمواصي خانيونس، في ظروف وصفتها لمنصة "المشهد" بالقاسية والعصيبة، لا يحميها سقفٌ ولا يخفف عنها بردٌ أو حر، وتضيف بالقول، "الحرب سلبتنا البيت والأمان، وجعلتنا نواجه أسوأَ الظروف منذ 3 سنوات، هذا ظلم وكرب حل بنا لم نكن نريده أن يحدث بالأساس، لأن الثمن كان غالياً من أرواحنا وممتلكاتنا، نزحنا أكثر من 5 مرات، نكافح للبقاء".
مغامرة غير محسوبة
وفي هذا الإطار، يعتبر الخبير والمحلل السياسي نعمان توفيق العابد، خلال حديثه لمنصة "المشهد"، أن هجوم الـ7 من أكتوبر جاء بقرار غير محسوب، وأن غزة دفعت ثمناً لم تعد قادرةً على احتماله، مضيفاً، "توقيت 7 أكتوبر كان خطأ فظيعاً، ومآلاته تجسدت بالحرب والإبادة وفي الموقف الدولي الذي ساند إسرائيل في البداية، صحيح أن إسرائيل تتحمل مسؤولية حالة عدم الاستقرار واستمرار إراقة الدماء والعنف والإبادة والقتل والحصار وأفكار التهجير والتجويع، وهذه المسؤولية قائمة سواء وقع السابع من أكتوبر أم لم يقع، إلا أن مآلات الـ7 من أكتوبر على الشعب الفلسطيني خصوصا في قطاع غزه كانت أكبر بكثير من الفوائد التي كان يتوقعها من قاموا بالحدث، قرار وتوقيت وظروف الحدث لا تؤدي إلى القيام به لو تمت دراستها جيداً بعيداً عن الحزبية والتبعية، لذلك فإن عدم دراسة التاريخ والحالة السياسية الداخلية الفلسطينية، والوضع داخل إسرائيل، والواقعين الإقليمي والدولي قبل اتخاذ القرار، وأبرز مآلاته تجسدت في ما تلا الحدث من حرب وإبادة، وفي الموقف الدولي الذي شهد، في بدايات الحدث، مساندة غربية وربما إقليمية لما وصفته إسرائيل بأنه رد على الهجوم، وهنا لا أعتقد أن هجوم الـ7 من أكتوبر حقق أهدافه ولا جزءا بسيطا منها، إذا ما قارنا نتائج الحدث على القضية والشعب والأرض الفلسطينية وإعطاءه المجال لحكومة نتانياهو لتنفيذ مخططات محاولات تصفية الوجود الفلسطيني والقضية الفلسطينية".
وفي هذا السياق، أشار المحلل السياسي العابد لـ"المشهد"، أنه بعد مضي 3 سنوات على هجوم 7 أكتوبر، لم تجنِ القضية الفلسطينية سوى مزيد من الخسائر، "الهجوم جلب تكلفة باهظة دفعها المدنيون وحدَهم، فغزة تحولت إلى أرض محروقة، ودمرت مئات آلاف المباني، وارتقى عشرات الآلاف، غالبيتهم من الأطفال والنساء، وفي المقابل، لم يتحقق أي مكسب سياسي ملموس، لا انسحاب، ولا نزع سلاح، ولا مفاوضات تقدمت، وهكذا تحولت القضية من قضية تحرر وطني إلى ملف إغاثي وإنساني".
دوافع وخلفيات الهجوم
بعد الـ7 من أكتوبر، دفع الفلسطينيون في غزة ثمناً غالياً من جراء الحرب والخسائر الواسعة، وفي هذا السياق يوضح المحلل السياسي وسام عفيفية لمنصة "المشهد" ضرورة هذا الثمن وأبعاده السياسية والإنسانية، مؤكداً بالقول: "لم يكن ينبغي للفلسطينيين أن يدفعوا هذا الثمن، لا بعد الـ7 من أكتوبر ولا قبله، ومن غير المقبول أن تصبح حياة الناس كلفة بديهية في أي حساب سياسي أو عسكري، لكن السؤال يصبح ناقصاً حين يبدأ تاريخ الفلسطينيين في صباح ذلك اليوم، ويتجاهل عقوداً من الاقتلاع والاحتلال والحصار والحروب، الفلسطيني لم يبدأ فقدان بيته وأبنائه في أكتوبر 2023، ولم تكن غزة قبل الهجوم تعيش حياة طبيعية آمنة، 7 أكتوبر خرج من سياق هذا الصراع، لم ينشئه، واستحضار هذا السياق ضروري لفهم ما حدث، وليس لإعفاء أي طرف من مساءلة قراراته أو تبرير استهداف المدنيين، وفي المقابل، لا يجوز تحويل الهجوم إلى تفسير يعفي إسرائيل من مسؤولية ما ارتكبته في جرائم حرب بعده، هناك فارق جوهري بين السؤال عن تقديرات من اتخذ قرار الهجوم، والسؤال عن مسؤولية من قرر تدمير الحياة في غزة، أحد السؤالين لا يلغي الآخر".
ويستدرك عفيفة حديثه لمنصة "المشهد" قائلاً، "ما تعرضت له غزة تجاوز الرد على عملية عسكرية إلى ارتكاب ابادة، ولهذا لم تعد المسألة مجرد نقاش حول رد غير متناسب، فقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان، في سبتمبر 2025، إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادةً جماعيةً في القطاع، كما ربطت تحقيقاتها بين التدمير والتهجير والسعي إلى السيطرة الدائمة على الأرض، طبعا من حق الفلسطيني الذي فقد أسرته وبيته أن يسأل: لماذا حدث هذا؟ وهل كان يمكن تجنبه؟ هذا سؤال موجع ومشروع، ولا يصح إسكات صاحبه، لكن الإجابة المنصفة لا تجعل الجرائم التي ارتكبها الاحتلال نتيجة تلقائية، ولا ينبغي أن نقبل سردية أن تدمير الحياة في غزة باعتبارها ثمنًا كان لا بد من دفعه".
ومع حجم الخسائر التي ترتبت على الهجوم، يبقى السؤال المطروح هل حقق الهجوم أهدافه؟ يقول المحلل السياسي عفيفة لمنصة "المشهد": "لا أرى أساساً للقول إن ما تحقق يوازي هذه الخسائر، أو إن الحصيلة الراهنة تسمح بإعلان نجاح سياسي كبير، كان الهجوم نجاحا عسكرياً وأمنياً كبيراً واستثنائياً، لكن نجاح العملية شيء، وتحقيق أهداف وطنية شيء آخر، خصوصاً وأن الحرب لم تنته والتداعيات مستمرة على الصعد والمستويات كافة، حيث إن للهجوم آثاراً سياسية وإقليمية ودولية تتجاوز ميدانه العسكري والجغرافي في غزة والأراضي الفلسطينية، لكن اتساع التأثير لا يعني تلقائياً تحقق نتائج نهائية، خصوصاً أن الحرب متواصلة، كذلك ينبغي أن يشمل التقييم مجمل المشهد الفلسطيني، غزة والضفة والقدس، ومستقبل الأرض والحقوق والقدرة على البقاء، فحصر النظر في الهجوم وحده يحجب سياسات إسرائيل ومشروعاتها الأوسع".
(المشهد - القدس)
