في 8 أكتوبر 2023، قرّر حزب الله فتح جبهة الجنوب اللبناني تحت عنوان "إسناد طوفان الأقصى"، معلنًا أن معركة غزة لن تبقى محصورة داخل القطاع، وأن وحدة الساحات تقتضي مشاركة جبهة لبنان في الضغط على إسرائيل. يومها، قُدّم القرار بوصفه تعبيرًا عن التضامن مع الفلسطينيين، وترجمةً لمعادلة الردع التي بناها الحزب على مدى عقود. لكن بعد 3 سنوات، لم يعد السؤال متعلقًا بنيات الإسناد وشعاراته، بل بالنتائج التي انتهى إليها، وبالثمن الذي دفعه لبنان، وبما إذا كان الحزب قد تعلّم من الحروب أم أنه يستعد لتكرارها.
3 سنوات كانت كافية لتكشف أن فتح الجبهة قرار أسهل بكثير من التحكم بمسارها، وأن الانتقال من مناوشات حدودية إلى حرب شاملة لا يحتاج إلا إلى اختلال في الحسابات، فيما تحتاج إعادة إعمار ما دمرته الحرب إلى سنوات طويلة. والأخطر أن التجربة لم تنتهِ عند اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2024؛ إذ عادت المواجهة الواسعة في مارس 2026، بعدما أطلق الحزب صواريخ على إسرائيل في سياق الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران. وهكذا، عاد لبنان إلى دائرة الحرب، وهذه المرة في سياق إقليمي أوسع، وبكلفة جديدة على شعب لم يكن قد تعافى من الحرب السابقة.
كانت الحجة الأساسية لـ"حزب الله" أن فتح الجبهة الشمالية سيشغل إسرائيل ويخفف الضغط عن غزة، وأن امتلاك ترسانة صاروخية كبيرة سيمنح الحزب قدرة على فرض معادلة ردع تمنع إسرائيل من الذهاب بعيدًا في التصعيد. لكن الوقائع أظهرت أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكم بالحرب، وأن الطرف الذي يفتح الجبهة لا يملك وحده تحديد سقفها أو موعد انتهائها.
في سبتمبر 2024، انتقلت المواجهة إلى مرحلة بالغة الخطورة، مع تفجيرات أجهزة "البيجر" واغتيال قيادات بارزة، وصولًا إلى مقتل الأمين العام حسن نصر الله، ثم اجتياح إسرائيلي لمناطق في جنوب لبنان. وتعرضت البنية القيادية والعسكرية للحزب لضربات قاسية، فيما تكبدت القرى الجنوبية خسائر واسعة، واضطر عشرات الآلاف إلى النزوح عن منازلهم.
لم تكن هذه النتائج مجرد خسائر ميدانية عابرة؛ بل كشفت ثغرات في التقدير الاستخباراتي، وحدود القدرة على حماية القيادة، ومشكلة الانتقال من خطاب القوة إلى واقع الحرب المفتوحة. قرار الإسناد أسهم في تغيير موقع "حزب الله" داخل المعادلة اللبنانية، بعدما تراجعت قدرته على فرض الوقائع السياسية والعسكرية بالشروط السابقة نفسها.
النقد الأساسي
من هنا، يصبح النقد الأساسي موجهًا إلى القرار نفسه: بأي حسابات فُتحت الجبهة؟ وهل كانت الأهداف المعلنة متناسبة مع المخاطر التي كان يمكن توقعها؟ والأهم، هل امتلك الحزب خطة واضحة لنهاية الحرب، أم افترض أن مجرد فتح جبهة إضافية سيمنحه نفوذًا تفاوضيًا أكبر؟
لو كانت حرب 2023-2024 قد فرضت مراجعة إستراتيجية عميقة، لكان ينبغي أن تكون حماية لبنان من تكرار الكارثة أولوية واضحة. لكن اندلاع المواجهة مجددًا في مارس 2026 أعاد السؤال عن العلاقة بين القرار اللبناني والحسابات الإقليمية.
هذه المرة، جاء إطلاق الصواريخ في سياق الحرب على إيران، لتدخل البلاد مواجهة جديدة قبل اكتمال التعافي من آثار الحرب السابقة. وبذلك، لم يعد النقاش محصورًا في جدوى إسناد غزة، بل امتد إلى حدود ارتباط قرار الحرب اللبناني بمصالح حلفاء الحزب الإقليميين.
وهنا تكمن إحدى أبرز مشكلات إستراتيجية "وحدة الساحات": فهي تفترض أن تعدد الجبهات يمنح المحور قوة إضافية، لكن تعدد الجبهات قد يعني أيضًا تعدد مصادر الخطر، واتساع دائرة الاستهداف، وارتفاع الكلفة على المجتمعات التي تتحول أراضيها إلى ساحات مواجهة.
لا يعني ذلك أن لبنان يستطيع تجاهل ما يجري حوله، أو أن التهديدات الإسرائيلية يمكن التعامل معها بالاكتفاء بالتصريحات. لكنّ ثمة فرقًا بين التضامن السياسي مع قضية عادلة، وبين اتخاذ قرار عسكري يعرّض بلدًا كاملًا للحرب من دون توافق وطني. فالتضامن لا يمنح أي حزب حق احتكار قرار الحرب والسلم، ولا يعفيه من مساءلة اللبنانيين عن نتائج خياراته.
في الخطابات السياسية، تبدو الحرب معركة إرادات وشعارات ومعادلات ردع. أما في القرى الجنوبية والبقاعية والضاحية الجنوبية، فتظهر الحرب في صورة مختلفة: منازل مدمرة، وأرزاق مفقودة، وعائلات نازحة، وأراضٍ زراعية يتعذر الوصول إليها، وشباب يدفعون أثمانًا بشرية واجتماعية لا تختصرها البيانات العسكرية.
وتشير تقارير عام 2026 إلى أن استمرار التوتر والضربات والقيود على العودة إلى بعض المناطق جعل التعافي من الحرب السابقة أكثر صعوبة، فيما بقيت مسألة إعادة الإعمار والأمن في صدارة هموم السكان.
لكن الاعتراف بالاعتداءات الإسرائيلية لا يلغي مسؤولية "حزب الله" عن قراراته. فالسؤال ليس ما إذا كانت إسرائيل تشكل تهديدًا، بل كيف يمكن مواجهة هذا التهديد من دون إبقاء لبنان في حالة حرب دائمة. وإذا كانت الحروب المتكررة لم تمنح السكان أمنًا مستقرًا، ولم تمنع الاعتداءات، ولم توفر شروطًا مستدامة لعودة النازحين، فمن حق اللبنانيين المطالبة بمراجعة الوسائل والأهداف، لا الاكتفاء بتكرار خطاب الصمود.
إن تحويل التضحيات إلى حجة تمنع النقاش يزيد المأزق تعقيدًا. فاحترام من سقطوا لا يكون بإغلاق باب المساءلة، بل بمنع تكرار الظروف التي أدت إلى سقوطهم. ولا ينبغي أن يصبح أهل الجنوب مطالبين في كل مرة بتحمل كلفة حرب لم يشاركوا جميعًا في اتخاذ قرارها.
في الذكرى الـ3 لإسناد طوفان الأقصى، لم يعد السؤال افتراضيًا. فالحرب التي بدأت عام 2023 لم تُغلق آثارها، والمواجهة التي تجددت عام 2026 أعادت لبنان إلى دائرة الخطر. ومن هنا، فإن الحديث عن سنة رابعة حربًا ليس مبالغة لغوية، بل تعبير عن مسار متواصل من عدم الاستقرار، حتى حين تتراجع وتيرة القتال أو تدخل الأطراف في تفاهمات مؤقتة.
أما خاتمة الحروب، فلا تتحقق بإعلان النصر، ولا بتدمير مزيد من القرى، ولا بامتلاك مزيد من الصواريخ. إنها تحتاج إلى تسوية أمنية قابلة للاستمرار، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها، ووقف الاعتداءات، وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على كامل أراضيها، وبناء إستراتيجية دفاعية تخضع لقرار وطني ومؤسساتي واضح.
ولا يمكن تجاهل أن مسألة سلاح "حزب الله" باتت في صلب النقاش الداخلي والدولي، وأن الدولة اللبنانية تواجه ضغطًا متزايدًا لاستعادة احتكار قرار الحرب والسلم. لكن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تكون مجرد استجابة لإملاءات خارجية، ولا حملة تتجاهل المخاوف الأمنية المشروعة لدى اللبنانيين. المطلوب مسار وطني يربط حماية الحدود بسيادة الدولة، ويمنع في الوقت نفسه استخدام القوة الإسرائيلية لفرض وقائع دائمة على لبنان.
بعد 3 سنوات على قرار الإسناد، لم يعد كافيًا أن يسأل حزب الله عن مقدار ما ألحقه بإسرائيل من خسائر، بل عليه أن يسأل أيضًا عن مقدار ما خسره لبنان، وعن الأهداف التي تحققت، وتلك التي بقيت شعارات، وعن الضمانات التي تمنع تكرار التجربة.
المشكلة ليست في امتلاك القدرة على القتال بحد ذاته، بل في غياب تصور سياسي واضح يحدد متى تُستخدم هذه القدرة، ولأي هدف، وبأي تفويض وطني، وكيف تنتهي المواجهة.
فهل يدخل لبنان سنة رابعة من الحروب، أم يبدأ فعلًا رحلة الخروج منها؟ لا أحد يستطيع ضمان المستقبل، لكن الاستمرار في النهج نفسه من دون مراجعة يجعل تكرار الكارثة احتمالًا لا يجوز الاستهانة به.
إن خاتمة الحروب تبدأ عندما يصبح أمن اللبنانيين أولوية لا تخضع لحسابات المحاور، وعندما تنتقل مسؤولية الدفاع عن البلاد من القرارات المنفردة إلى إستراتيجية وطنية، وعندما يُقاس النجاح بقدرة الناس على العودة إلى بيوتهم والعيش بأمان، لا بقدرة الأطراف على إعلان انتصارات جديدة فوق الركام.
في الذكرى الثالثة لإسناد الطوفان، لعل السؤال الأهم ليس كيف تُفتح جبهة أخرى، بل كيف يُغلق باب الحرب. فلبنان لا يحتاج إلى سنة رابعة تثبت أنه قادر على احتمال المزيد من الألم؛ إنه يحتاج إلى قرار شجاع ينهي منطق الحروب المفتوحة، ويضع الدولة والمواطن والسيادة فوق حسابات السلاح والمحاور.
(المشهد)
