تحت سحابة التوتر، وفي ظل استنفار الجبهة الداخلية في إسرائيل، تمر الساعات في تل أبيب والمراكز الإستراتيجية والاستخباراتية وكأنها أيام، فالتحركات العسكرية والتقارير الاستخباراتية المتلاحقة غير المسبوقة، تضع إسرائيل على أعتاب لحظة تاريخية حرجة، قد تُعيد رسم معادلات القوة والردع في المنطقة.
ويبدو المشهد الداخلي الإسرائيلي، مستنفراً إلى أقصى حد، مع تنشيط أنظمة الدفاع الجوي "القبة الحديدية" و"حارس السواحل"، وإعلان حالة التأهب القصوى بين صفوف القوات، وإغلاق المجال الجوي أمام الرحلات التجارية في بعض المناطق، بينما تُشير صور الأقمار الاصطناعية إلى تحرك سفن حربية إسرائيلية وأميركية، بينها مدمرات متطورة، قبالة سواحل تل أبيب، في خطوة تُفسّر على أنها استعداد لتوفير طبقة دفاعية إضافية وصاروخية، وربما هجومية، ضد أيّ تهديد قادم من البحر.
ويتنفس قادة إسرائيل هواء التوتر المشحون، وبقلق بالغ يتابع العالم تطورات الساعات المقبلة، فالمنطقة تقف على حافة منحنى جديد، والسؤال الذي يطرح الآن، هل ستضرب إيران، أم ستستبق إسرائيل الضربة؟ فالإستراتيجية الأمنية التقليدية الإسرائيلية، والمستمدة من عقيدة "بداية الحرب" وضرب العدو قبل أن يبدأ، تواجه اختباراً مصيرياً، الضربة الاستباقية تحمل معها خطر توسيع الحرب، ودفع إيران ووكلائها في المنطقة إلى رد غير مسبوق، بينما انتظار الضربة الإيرانية يحمل مخاطر أمنية غير محسوبة، رغم أنه قد يمنح إسرائيل شرعية دولية أوسع في ردها اللاحق.
ذروة الاستعدادت الإسرائيلية
ويستبعد الأكاديمي والخبير السياسي د. مئير مصري خلال حديثه لـ"المشهد" أن تقوم إسرائيل بضربة استباقية ضد إيران، قائلاً: "في الوقت الذي يتشكل فيه حشدٌ دوليٌ غير مسبوق ضد نظام الملالي، ولكن إن تهور حكام طهران وقاموا باستفزاز إسرائيل، ربما لاستمالة قطاع من الرأي العام الداخلي، فقد لا تظل لإسرائيل خيارات كثيرة، حينما فعلها صدام حسين بالعام 1991، كادت إسرائيل أن ترد لولا الضغوط الأميركية آنذاك على حكومة شامير، ولكن الأوضاع الإقليمية والدولية تغيرت".
وفي هذا الصدد، يتفق الباحث والمحلل السياسي شلومو غانور مع مصري، مؤكداً لـ"المشهد"، بأن "إسرائيل رفعت من مستوى إجراءاتها الأمنية، والوقائية، والدفاعية وكذلك الهجومية، ولكن ليست هناك نية للمبادرة بالهجوم أولاً على طهران، وذلك تماشياً مع القرار الأميركي المتخذ، ومن هنا أعتقد بأن تل أبيب لن تكون المبادِرة في هذه الحرب المرتقبة، بل ستكون منسجمة مع القرار الأميركي بخصوص الهجوم المحتمل ضد إيران، وتسعى إلى تنسيق تفاصيل أيّ هجوم عسكري مرتقب مع الولايات المتحدة".
وحول السيناريوهات المتوقعة حيال الضربة المحتملة، يقول الخبير السياسي د. مصري لـ"المشهد"، "السؤال الحقيقي هو إن فعلت إيران حزبها في لبنان، فهل ترد إسرائيل في لبنان أم في إيران؟ حسب اعتقادي، لن تكتفي باستهداف مواقع "حزب الله" هذه المرة، نظراً إلى تورط طهران بشكل فاضح ومبادر في حشد وتفعيل أذرعها ضد إسرائيل".
بدوره، يوضح المحلل السياسي غانور لـ"المشهد" السيناريوهات المحتملة، "جميع الاحتمالات واردة في الحسبان، الدفاعية والهجومية، وهذا يتوقف على نوعية الهجوم الأميركي، وفي حال وقوع هجوم أميركي ضد إيران، فإن إسرائيل ستكون على استعداد لتلقي رد الفعل الإيراني، ولن تقف مكتوفة الأيدي، وستتخذ جميع الإجراءات، وضربتها ضد إيران ستكون قاسية ومدمرة لم يسبق لها مثيل".
ووفق الخبير السياسي د. مصري فإن الردع الإسرائيلي في ضربة إيران المحتملة، يرتكز على الخبرة التراكمية "في السابق، وفي مواجهتها الممتدة مع النظام الإيراني، شددت إسرائيل دوماً على الاكتفاء باستهداف البرنامج النووي والقدرات الصاروخية لإيران، وتفاديها المساس برموز الحكم في طهران، هذه المرة، الوضع مختلف نظراً للسياق الداخلي في إيران وعلى ضوء التطورات الدولية، لو هوجمت إسرائيل، فمن غير المستبعد أن تقدم على عمل نوعي يحقق لها الردع المطلوب إيرانياً وإقليمياً".
من ناحيته، يعتبر المحلل السياسي غانور خلال حديثه لـ"المشهد"، بأنّ "إسرائيل أثبتت خلال الفترة الأخيرة، تفوقها الجوي والصاروخي والاستخباراتي، والحرب الجديدة لن تكون كالحرب السابقة، والقوة الرادعة لإسرائيل معروفة، وسيكون فيها الكثير من المفاجآت، الردع الإسرائيلي يرتكز أولاً على القدرة العسكرية الهجومية عالية الدقة والتغلغل، ثانياً، الدفاع الصاروخي المتعدد الطبقات، ثالثاً، العمق الإستراتيجي والتحالفات الدولية والإقليمية، رابعاً، القدرات الاستخباراتية والعمليات السرية، خامساً، الردع النووي، سادساً، القدرة على تحمل الضربات والمرونة الوطنية".
سيناريوهات الضربة الاستباقية
بدوره، أشار المحلل السياسي سليمان بشارات لمنصة "المشهد"، إلى أن "المنطقة أمام معادلة معقدّة، لأن الأمر لا يرتبط بالرغبة الإسرائيلية فحسب ولا حتى بالقرار الأميركي، إنما بمعادلة إقليمية لها تأثيرها بطبيعة وشكل ما ستؤول إليه المواجهة المقبلة، فنتانياهو لا يمكن له أن يخرج عمّا يرسمُ في البيت الأبيض، وإسرائيل إذا أقدمت هذه المرة على تنفيذ ضربة استباقية، لن تذهب إليها إلا بموافقة أميركية، وأن تكون محسوبة وتؤدي بنتيجة فعلية يمكن أن تقلل احتمالات تعرض تل أبيب لهجوم مضاد أو انتقاد حاد، هامش الخطأ سيقاس هذه المرة على ميزان حساس، أي خطأ ترتكبه إسرائيل سيكون الثمن باهظاً باعتبارها بادرت للحرب".
وأكد المحلل السياسي بشارات خلال حديثه لـ"المشهد" بأن الضربة الاستباقية ستكون بعلم واشنطن بكل الأحوال، "في حال منحت واشنطن تل أبيب الضربة الاستباقية، وذلك سيكون لأسباب عدة، أولاً، الولايات المتحدة لا تريد أن تحرج نفسها بشكل مباشر مع الحلفاء الإقليميين، ثانياً، لتعزيز قدرة وهيبة إسرائيل في الشرق الأوسط على أنها أصبحت المركز والعامل الحاسم بالمعادلة الأمنية والاستخباراتية".
وتابع لـ"المشهد" بالقول: "إذا لم تستطع أن تكون الضربة الأولى قادرة على تفكيك المنظومة البالستية في طهران، فإن تل أبيب هذه المرة ستكون تحت نسبة دمار كبيرة، إلا أن القرار ما زال معقوداً على شكل وطبيعة الضربة التي ستوجه لطهران وحجمها وتفاصيلها، فإسرائيل والولايات المتحدة غير معنيّين أن تتمكن طهران من الخروج برد فعل في أي مرحلة، بمعنى طبيعة الاستهداف الذي قد يجري، والأهداف الإيرانية".
ورجح المحلل السياسي بشارات لـ"المشهد"، سيناريو الضربة العسكرية المزدوج، "أن يكون هناك بعداً استخباراتياً سيبرانياً، للعمل على الأرض من قبل الموساد الإسرائيلي ينفذون مجموعة من الأهداف في إيران، وبالوقت ذاته يمكن أن تكون الطائرات والقاذفات الأميركية تقصف أهدافاً في إيران أيضاً".
(المشهد)