في خطوة وصفها محللون بأنها تهدف إلى تمكين السلطة الفلسطينية من لعب دور مستقبلي في إدارة قطاع غزة، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، قبل أيام، إعلانا دستوريا يقضي بموجبه بأنه إذا شغر مركز رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي حالة عدم وجود المجلس التشريعي، يتولى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، نائب رئيس دولة فلسطين، مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتًا.
ووفق الإعلان، يكون هذا القرار سارياً لمدة لا تزيد على 90 يومًا، تجري خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد.
وبحسب قانون الانتخابات الفلسطيني، في حال تعذر إجراؤها خلال تلك المدة لقوة قاهرة، تُمدد بقرار من المجلس المركزي الفلسطيني لفترة أخرى ولمرة واحدة فقط، على ما أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا).
وقال عباس إن القرار يأتي انطلاقا من مقتضيات المصلحة الوطنية العليا في الحفاظ على الاستقرار: "أصدرنا الإعلان الدستوري تأكيدا على مبدأ الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات الحرة والنزيهة".
تمكين حسين الشيخ؟
تعليقا على ذلك، قال محللون في حديث لمنصة "المشهد" إن أبو مازن يحاول أن يضمن وصول نائبه حسين الشيخ إلى رئاسة الدولة الفلسطينية في حال شغور المنصب، وقطع الطريق أمام وصول أي شخصية أخرى لهذا المنصب.
وتعالت الأصوات الدولية بضرورة إجراء إصلاحات على السلطة الفلسطينية خلال العامين الماضيين، بينما كان قطاع غزة يتعرض لحرب شرسة دمرت كل مظاهر الحياة هناك.
وتعاني الفصائل الفلسطينية من انقسامات حادة منذ ما يقرب من عقدين، إذ تسيطر حركة "حماس" على قطاع غزة منذ العام 2005، في حين تسيطر السلطة الفلسطينية على الضفة الغربية.
وتتطلب الشروط المنصوص عليها في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، والمكونة من 20 نقطة من السلطة الفلسطينية، إجراء إصلاحات صعبة قبل أن تتمكن من إدارة غزة مرة أخرى، مما يرسم مسارًا شائكًا لعودتها إلى القطاع، الذي قالت إسرائيل إنها لن تلعب فيه أي دور، وحيث تواجه معارضة من "حماس" منافستها منذ فترة طويلة.
عوار دستوري
من جانبه، رأى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور أيمن الرقب أن محمود عباس ربما أراد بهذا الإعلان الدستوري أن يلعب على جميع الأطراف:
- من ناحية يرغب في تحصين حسين الشيخ كرئيس مستقبلي لفلسطين في حال شغور المنصب.
- من ناحية أخرى يقول للعالم إنه يقوم بإجراء إصلاحات على السلطة الفلسطينية.
وقال الرقب في حديث مع "المشهد" إنه حسب الدستور الفلسطيني، يتولى منصب رئيس السلطة الفلسطينية في حال شغور المنصب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، وهو مجلس منحل، وبالتالي يذهب المنصب وفق الدستور لرئيس المجلس الوطني.
وأشار الرقب إلى أن أبو مازن ربما لم يعد قادرًا على إدارة السلطة كما كان في السابق بسبب عامل السن، وبالتالي لجأ إلى الإعلان الدستوري لضمان وصول حسين الشيخ إلى المنصب في حال شغوره.
وعلى الرغم من ذلك، يرى الرقب أن هذا القرار به عوار ويخالف الدستور الفلسطيني، لافتًا إلى أن كل الإجراءات التي تتخذها السلطة الفلسطينية غير دستورية، ولكن في ظل استمرار التضييق الإسرائيلي على إجراء انتخابات في فلسطين يبقى الوضع كما هو.
وفيما يتعلق باحتمالية تخلي محمود عباس عن السلطة، قال الرقب إن الحديث عن هذا السيناريو ما يزال مبكرًا، لافتًا إلى أن الفترة المقبل ستشهد تحركات كبيرة فيما يتعلق بشكل السلطة الفلسطينية ومستقبل إدارة قطاع غزة.
استضافت القاهرة مفاوضات بين الفصائل الفلسطينية لبحث مستقبل إدارة قطاع غزة، حيث جرى الاتفاق على تشكيل لجنة من التكنوقراط لإدارة القطاع خلال الفترة الانتقالية.
وكان الناطق باسم حركة "فتح"، عبد الفتاح دولة، قد قال إن أي لجنة تُشكّل لإدارة قطاع غزة يجب أن تكون منسجمة مع الحكومة الفلسطينية وضمن صلاحياتها ومسؤولياتها القانونية، وبرئاسة وزير من الحكومة، لأن الحكومة هي الجهة التنفيذية الشرعية لدولة فلسطين.
وأضاف دولة في حديث لمنصة "المشهد": "أما مسألة التشكيل فهي شأن وطني تحدده القيادة الفلسطينية بالتوافق، وبما يضمن الكفاءة والمهنية والولاء للمصلحة الوطنية العليا، لا لأي فصيل بعينه".
انتقال سلس للسلطة
اتفق، إلى حد ما، مع الطرح السابق، المحلل السياسي الفلسطيني جهاد حرب، وقال إن خطوة أبو مازن تأتي في إطار تعزيز مكانة حسين الشيخ ولضمان أن يكون هناك انتقال سلس للسلطة في حال شغور منصب الرئيس.
وأوضح حرب في حديث لـ"المشهد" أن عباس يتولى حاليا 3 مناصب، وهي: رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئاسة دولة فلسطين، ورئاسة السلطة الفلسطينية.
ورأى حرب أن الإعلان الدستوري الأخير يأتي في إطار "ترتيب لانتقال الحكم على ما يبدو خلال الفترة المقبلة"، سواء كان هذا الانتقال في حالة الوفاة أو الاستقالة أو عدم القدرة على أداء المهام.
وأشار إلى أن مسألة إجراء إصلاحات بالسلطة الفلسطينية مرتبطة بشكل مباشر بأداء السلطة وأداء الحكومة، قائلاً: "في ظني أن الإصلاح الحقيقي الجوهري والأساسي هو إجراء انتخابات عامة من أجل أن يحدد الشعب الفلسطيني الأشخاص أو القيادة السياسية في المرحلة المقبلة، ويحدد أيضًا خياراته السياسية على المستويات كافة، مع محاسبة المسؤولين السابقين إذا جرت الانتخابات".
وأوضح حرب أن الأمر الآخر، فيما يبدو، سياسي، يتعلق برغبة السلطة الفلسطينية في الحصول على دور في إدارة قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، خصوصًا أن السلطة الفلسطينية ترغب في أن يكون لها مكانة في إدارة القطاع.
وقال: "هذا الإعلان الدستوري في أحد أوجهه هو تمكين السلطة الفلسطينية من قِبل المجتمع الدولي لصلاحيات مستقبلية في قطاع غزة".
(المشهد)