سلّطت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون داخل إسرائيل على يد العصابات الإجرامية.
وقالت الصحيفة إنّ المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل فقدوا ثقتهم بالشرطة والنظام القضائي، إذّ لا تفشل السلطات في معالجة معدلات الجريمة المرتفعة في مجتمعاتهم فحسب، بل تساهم أيضًا في انعدام الأمن لديهم.
وأشارت الصحيفة إلى أن الخيارات أمام المواطنين الفلسطينيين تتمثل في دفع الأموال إلى العصابات الإجرامية مقابل حمايتهم أو حمل السلاح لحماية أنفسهم.
تراجع الثقة في الشرطة
وصلت الثقة بالشرطة إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق: 78% من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل لا يثقون بها، مقارنة بـ 56% من المواطنين اليهود، وفقًا لمؤشر الديمقراطية لعام 2024 الصادر عن معهد الديمقراطية الإسرائيلي.
في حادثةٍ مُقلقةٍ وقعت مؤخرًا، ألقى ضابط شرطة إسرائيلي قنبلةً صوتيةً في فناء منزل أحد سكان الناصرة قبل أن يلوذ بالفرار في 17 أبريل.
عرب إسرائيل
وتصف المحامية راوية حندقلو الحادثة بأنها "تعميقٌ لهوة الثقة بين المجتمع العربي والشرطة تحديدًا، ومؤسسات الدولة على نطاقٍ أوسع".
تنحدر المحامية من قرية جت في منطقة المثلث بوسط إسرائيل، وهي أم لطفلين، وتقيم الآن مع عائلتها في حيفا.
وعلى مدار العام والنصف الماضيين، ترأست حَنْدَقْلو مركز الطوارئ لمكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، وهو هيئة شُكِّلت في سبتمبر 2023 من قِبَل لجنة المتابعة العربية العليا لمعالجة الأزمة المتفاقمة في مجتمعاتها في جميع أنحاء إسرائيل.
تعود حَنْدَقْلو إلى حادثة مماثلة وقعت في نهاريا عام 2007، عندما زرع 4 ضباط شرطة عبوات ناسفة استهدفت زعيم عصابة انتقامًا لتعرضه لهجوم. تقول حَنْدَقْلو: "على أي حال، كان سلوك هؤلاء الضباط سلوك عصابة إجرامية تلجأ إلى أساليب غير قانونية".
وتشدّد حَنْدَقْلو على خطورة الوضع، مشيرةً إلى أنه: "عندما يشعر ضباط الشرطة بالحاجة للدفاع عن أنفسهم كأفراد، فهذا بحد ذاته مؤشر مُقلق".
كما تطرح سؤالاً مُقلقاً، يُعيد إلى الأذهان نظرية شائعة: "هل الشرطة جزء من منظومة الجريمة؟ هل تُغذيها؟ هل تسمح لها بالعمل بحرية في المجتمعات العربية بينما تغض الطرف عن أفعالها؟"
في حين يُنظر إلى هذه الرواية غالباً على أنها نظرية مؤامرة، تُصرّ حَنْدَقْلو على ضرورة دراستها. ويشير حَنْدَقْلو إلى حوادث سابقة زُعم فيها تسريب معلومات سرية حول إطلاق سراح أعضاء من منظمات إجرامية إلى عصابات منافسة.
خيارات صعبة
استعرضت صحيفة "هآرتس" شهادات بعض الأشخاص الذين تعرضوا لانتهاكات على يد عصابات إجرامية وكذلك من الشرطة الإسرائيلة.
ومن بين تلك الحالات، أماني طاطور، التي كانت تمتلك مقهى في البلدة القديمة بالناصرة، حيث تعرض المقهى لهجوم من مسلحين وفي الوقت ذاته لم تتخذ الشرطة أي إجراءات للقبض على المتورطين.
"لكي أبقى على قيد الحياة، كان عليّ أن أكون متقدمًا عليهم بخطوتين". على عكس طاطور، التي كانت تعتقد أن مواجهة الجريمة وجهًا لوجه هي السبيل الوحيد لمقاومتها، اختار علاء مسارًا مختلفًا: ضمان سلامة عائلته من خلال الانضمام إلى المجرمين أنفسهم الذين يخشاهم الآخرون.
يقول علاء الذي يدير ورشة : "عرفت منذ البداية أنه إذا أردتُ النجاة في مواجهتهم، فعليّ أن أكون متقدمًا عليهم بخطوتين". وُضعت إستراتيجية البقاء هذه موضع الاختبار في يونيو 2022 عندما واجه علاء خيارًا: إما الاستسلام للجماعات الإجرامية والمخاطرة بفقدان المتجر الذي أمضى والده حياته في بنائه، أو إيجاد طريقة لحمايته، حتى لو كان ذلك يعني المساس ببعض الولاءات الشخصية.
يعترف علاء بأنه لتجنب الأذى، كوّن ما يسميه "صداقات عملية" مع أعضاء جماعة إجرامية محلية. يقول: "أصلح سياراتهم مجانًا. أقدم لهم خدمات مجانية. أبقى بعيدًا عن المشاكل مهما كلف الأمر". وحسب قوله، هذا كافٍ لضمان اعتباره هو وشركته "تحت الحماية".
يوضح قائلًا: "يعلم المسلحون من تلك الجماعة أنني تحت مظلتهم. أما الجماعات الأخرى، فلا يريدون إثارة أي صراع."
عندما سُئل عن سبب عدم لجوءه إلى الشرطة طلبًا للحماية بدلًا من البحث عن علاقات مع العصابات الإجرامية، سخر علاء قائلًا: "تنصب الشرطة حواجز تفتيش على مداخل المدينة وتفتش الناس، بينما يتردد صدى إطلاق النار من مركزها".
بينما يواجه الآخرون عناصر إجرامية أو يتفاوضون معها، اختارت شروق وعائلتها الصمت - تصرفًا للحفاظ على الذات في نظام لم يعودوا يثقون به، وفق الصحيفة.
شروق، عاملة اجتماعية تبلغ من العمر 28 عامًا من عرابة، لم يُكشف عن اسم عائلتها خوفًا من الانتقام، لا تزال تتذكر صوت الطلقات: 8 طلقات نارية، أُطلقت بتتابع سريع، قاطعةً ما كان من المفترض أن تكون ليلةً مميزة لها ولعائلتها.
تتذكر قائلةً: "كنتُ أُجهّز المائدة وأُحضّر العشاء. في ذلك المساء، كان صديقي سيُقابل والديّ لأول مرة. كنتُ متوترة ومتحمسة، كأي شخص آخر. لكن سرعان ما تحول الحماس إلى خوف. في البداية، لم تعتقد أن عائلتها هي المستهدفة. "جيراننا يديرون مشروعًا خاصًا ناجحًا. أول ما خطر ببالي هو أن منزلهم قد تعرض لإطلاق نار، ربما من قبل عصابات تحاول ابتزازهم للحصول على أموال الحماية - كما فعلوا مع آخرين من قبل."
بدلاً من ذلك، كانت سيارتها هي التي تمزقها الرصاصات. كان الهدف منزل عائلتها. "انهارت - لم أستطع استيعاب الأمر. عندما وصلت الشرطة، تتذكر شروق شعورها بالاتهام. "كانت الأسئلة قاسية: هل أنتِ متورطة في أي تعاملات مشبوهة؟ هل أخذتِ مالًا من أحد؟ هل أزعجتِ أحدًا؟" وكأن أيًا من هذه الأسئلة يُبرر إطلاق النار على منزلنا؛ وكأن كوننا ضحايا لم يكن كافيًا."
عندما سُئلت العائلة عن المشتبه بهم، لم تستطع في البداية التفكير في أي شخص. "نحن من الطبقة العاملة. نعمل منذ أن كنا طلابًا. وضعنا المالي مستقر. لا نعيش حياةً باذخة ولا نقع في مشاكل." ولكن في النهاية، ظهر شكٌّ غامض - شخصٌ تشاجر معه شقيقها في ذلك الوقت.
مع ذلك، لم تعد شروق وعائلتها إلى الشرطة أبدًا. كنا نعلم أنهم لن يساعدونا. ما كنا نحتاجه هو تعويض مالي لإصلاح الضرر، وليس تحقيقًا لا نهاية له ولن يُفضي إلى شيء.
(ترجمات)