تبدو محافظة السويداء جنوب سوريا هادئة على السطح، غير أن هذا الهدوء يخفي توترات سياسية وأمنية متصاعدة، في ظل خلافات داخلية ورفض بعض العشائر لمواقف الشيخ حكمت الهجري، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية تقودها واشنطن عبر مبعوثها توم براك بين دمشق وأطراف محلية في الجنوب.
وفي خضم هذا المشهد، تتباين القراءات بشأن فرص الاحتواء أو مخاطر الانزلاق إلى تصعيد أوسع، وسط جدل حول طبيعة الدور الأميركي وتأثيره على موازين القوى في المنطقة الجنوبية.
بين الهجري ودمشق
ويعتبر الكاتب والباحث السياسي عبد الله الحمد من دمشق في تصريح لمنصة "المشهد"، أن ملف السويداء بات آخر الملفات العالقة بعد "انتهاء ملف قوات قسد، ودمجها بالدولة السورية سواء أكان مدنيا أم عسكريا عبر حلول عسكرية وضغوط دبلوماسية".
Watch on YouTube
وقال إن الدولة السورية قدمت "مقاربات كبيرة" وفتحت طريق السويداء، وتعاملت مع الملف الإغاثي والإنساني، إضافة إلى تشكيل لجنة تحقيق في الانتهاكات.
واتهم الحمد ما وصفها بـ"ميليشيات الهجري" باحتجاز المدنيين وعرقلة جهود الدولة، معتبرا أن هذه القوى "كانت دائما تراهن على دعم خارجي"، وأن موقفها السياسي "بات في حكم المنعزل والخارج عن الحسابات السياسية".
وفي المقابل، قدم مالك أبو خير أمين عام حزب اللواء السوري قراءة مغايرة، مؤكدا أن الأزمة "لا تختصر بشخص الشيخ حكمت الهجري"، بل ترتبط بتوازنات إقليمية أوسع.
وأشار الحمد إلى أن الجنوب لا يشكل خطرا على سوريا فقط، بل أيضا على الأردن والمنطقة، مشيرا إلى وجود "هاربين من العدالة الانتقالية وعناصر من النظام السابق وتجار مخدرات" في المحافظة.
وشدد أبو خير في تصريحه الخاص لـ "المشهد"، على أن "الطائفة الدرزية بالكامل تقف إلى جانب الشيخ حكمت الهجري"، رافضا اتهام السويداء باحتضان تجار مخدرات، ومعتبرا أن الخطر الحقيقي على الأردن يتمثل في "التنظيمات الموجودة في درعا".
من تدعم واشنطن؟
وفيما يتعلق بالدور الأميركي، رأى الحمد أن واشنطن "تضغط نحو دعم الدولة السورية وفرض سيطرتها على كامل أراضيها".
واستشهد بتصريحات سابقة للمبعوث الأميركي توم براك أكد فيها أنه "لا يمكن محاسبة الحكومة السورية إذا لم تفرض سيطرتها على كامل أراضيها".
ورد أبو خير بأن الولايات المتحدة "تعمل على معادلة توازن بين الصراع التركي الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية والوسطى"، وتسعى إلى "طمأنة المخاوف الإسرائيلية ومنع التمدد التركي".
وأضاف أن واشنطن "واعية تماما لحجم الانتهاكات" داخل سوريا، وتتابع تقارير بشأن نشاط تنظيمات متشددة، معتبرا أن الدور الأميركي يهدف إلى "خلق التوازن ومنع انفجار الموقف في الجنوب".
واعتبر الباحث أن الحل يكمن في "التوازي بين الحوارات الوطنية ودخول قوات الأمن العام"، متهما الهجري بالسعي إلى "جرّ المنطقة إلى مواجهة".
واتهم أبو خير السلطات في دمشق بإعادة تدوير شخصيات كانت قريبة من النظام السابق، قائلا إن "المشكلة الأساسية أن من كانوا موالين لإيران أو للنظام السابق باتوا يُقدَّمون اليوم كشخصيات وطنية"، معتبرا أن ذلك يعمّق فقدان الثقة لدى أبناء السويداء.
وتبقى السويداء أمام مفترق طرق دقيق، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع رهانات إقليمية ودولية، في وقت يظل فيه العامل الأميركي أحد أبرز عناصر التأثير في مسار الأزمة، سواء باتجاه الاحتواء أو مزيد من التعقيد.
(المشهد)