تزامنًا مع القصف العسكري بين إسرائيل وإيران، نشبت حرب أخرى لا تقل خطورة أو تأثيرًا من الأسلحة العسكرية وهي الحرب السيبرانية، والتي يرى خبراء أنّ لها تأثيرات ضخمة على الدول خصوصًا مع اعتماد العالم حاليًا بشكل رئيسي على الاتصالات والإنترنت في كافة معاملاته.
وأعلنت وسائل إعلام إيرانية أمس، تعطل الخدمات المصرفية في أحد البنوك الرئيسية في طهران، نتيجة هجمة سيبرانية تزامنا مع قصف إسرائيلي لبعض المنشآت العسكرية والحيوية في البلاد.
وفرضت طهران قيودًا كبيرة على الإنترنت. ودعا التلفزيون الرسمي الإيراني المواطنين الثلاثاء إلى "حذف تطبيق واتساب من هواتفهم المحمولة" بحجّة أنه يجمع بيانات شخصية، من بينها موقع المستخدمين و"يسلّمها إلى العدو الصهيوني".
أمر واقع
وقال خبراء أمن وتكنولوجيا رقمية في حديث لمنصة "المشهد" إنّ الحروب السيبرانية أصبحت واقعًا وليست جديدة في العالم ولكنها تعود إلى نحو عقدين أو ربما أكثر وكلما تقدمت التكنولوجيا كانت هذه الهجمات أخطر وأشرس.
وأكدوا أنّ أي نظام إلكتروني في العالم قابل للاختراق ما يضع أعباءً كثيرة على الدول من أجل حماية أمنها الرقمي خصوصا في أوقات الحروب والصراعات.
في التفاصيل، قال خبير التكنولوجيا الرقمية، الدكتور أيمن عصمت، إن الهجمات السيبرانية ليست حديثة العهد ولكنها تعود إلى عقدين أو ربما 3 عقود ولكن باختلاف التقدم التكنولوجي، مضيفا "كلما تقدمت التكنولوجيا زادت طبيعة الهجمات السيبرانية وحدتها".
وأوضح في حديث لمنصة "المشهد" أن التجسس على الهواتف في حد ذاته هجمة سيبرانية يستطيع الطرف الآخر التعرف من خلالها على طبيعة المحادثات والتحركات للشخص المستهدف.
من جانبه، رأى خبير تكنولوجيا المعلومات المهندس مصطفى أبو جمرة، أن زيادة حدة الهجمات السيبرانية يرجع إلى الاعتماد الكامل على التكنولوجيا سواء في المعدات العسكرية أو حتى في المؤسسات الاقتصادية والمدنية.
وقال في حديث لـ"المشهد" إنّ إسرائيل متقدمة بشكل كبير في هذا المجال وهو لا ينفي أيضًا وجود قدرات كبيرة لدى إيران في هذا المجال لأنها تعرف أن "عدوها" يمتلك قدرات كبيرة.
ونقلت وكالة مهر الإيرانية عن مصادر قولهم إن آلاف الإسرائيليين تلقوا رسائل ومكالمات مجهولة المصدر تمنعهم من التوجه إلى الملاجئ بالتزامن مع إطلاق إيران للصواريخ.
تبادل البيانات
ورغم نفي شركة "ميتا" المالكة لتطبيق "واتساب" أن تكون نقلت إلى إسرائيل بيانات شخصية لمستخدميها الإيرانيين، إلا أن خبراء قالوا لـ"المشهد" إن وسائل الاتصال عبر الإنترنت تصل بطريقة أو بأخرى ليد أجهزة الاستخبارات العالمية.
وأوضح ناطق باسم "واتساب" في بيان "نخشى أن تشكّل هذه التقارير الزائفة ذريعة لحجب خدمتنا، في حين أن الناس هم بأمسّ الحاجة إليها".
وشدّد على أن "كلّ الرسائل المرسلة إلى العائلات والأصدقاء عبر واتساب مشفّرة من البداية إلى النهاية، ما يعني ألا أحد غير المرسل والمتلقّي يطلع عليها، وحتّى ليس واتساب".
وقال الدكتور أيمن عصمت، إنّ الولايات المتحدة الأميركية فرضت قيودًا على شركات الاتصالات هناك تسمح لها بوضع أجهزة مراقبة على "سيرفرات" تلك الشركات ومن بينها شركة "ميتا"، لافتا إلى أن أميركا تقوم بتقديم التعاون الأمني مع بعض الدول في هذا الشأن.
من جانبه، أوضح مصطفى أبو جمرة أن إسرائيل لديها قدرة على تحليل كم هائل من البيانات وتحليلها للتعرف على تحركات الأشخاص، ليس فقط من خلال وسائل الاتصال السرية ولكن أيضًا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي مفتوحة المصدر كمنصات التواصل الاجتماعي التقليدية.
ما دور الذكاء الاصطناعي؟
وساهم الذكاء الاصطناعي بشكل كبير في زيادة مخاطر الهجمات السيبرانية ليس فقط في شن الهجمات ولكن في جمع وتحليل بيانات كبيرة في وقت صغير، وفق محللين.
ووفق تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" الأميركية، استخدمت إسرائيل أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفقًا لما ذكره ضابط مخابرات مشارك في اختيار الأفراد والمواقع المستهدفة. وقال إنّ الذكاء الاصطناعي استُخدم لمساعدة الإسرائيليين على غربلة كميات هائلة من البيانات التي حصلوا عليها بسرعة.
بدأ هذا الجهد في أكتوبر الماضي، وفقًا للضابط، وكان ذلك قبل شهر واحد من إعلان نتانياهو عن أمره بخطط الهجوم.
وكشف تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس في وقت سابق من هذا العام أن الجيش الإسرائيلي يستخدم نماذج ذكاء اصطناعي أميركية الصنع في الحرب لغربلة المعلومات الاستخباراتية واعتراض الاتصالات لمعرفة تحركات أعدائه. وقد استُخدم هذا الذكاء الاصطناعي في الحروب مع "حماس" في غزة و"حزب الله" في لبنان.
وقال ضابط المخابرات المشارك في تحديد الأهداف المحتملة إن الخيارات وُضعت أولًا على مجموعات مختلفة، مثل القيادة والجيش والمدنيين والبنية التحتية. وكان يتم اختيار الأهداف إذا ما ثبت أنها تُشكل تهديدًا لإسرائيل، مثل الارتباط الوثيق بالحرس الثوري الإيراني - وهي قوة شبه عسكرية تسيطر على الصواريخ الباليستية الإيرانية.
وتعليقًا على دور الذكاء الاصطناعي في الحرب، أشار مصطفى أبو جمرة، في حديث لـ"المشهد" إلى أن جمع البيانات والاستدلال على نقطة منها عن تحركات بعض الأشخاص أمر أصبح سهلا باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي حتى وإن كان هذا الشخص لا يحمل معه هاتفا ذكيا.
وقال "لأن حياتنا أصبحت اعتمادية أكثر على التكنولوجيا فبالتالي أصبح من السهل التتبع والمراقبة وتحليل البيانات وبالتالي شن هجمات قد تعطل عمل مؤسسات اقتصادية أو عسكرية".
بدوره أوضح الدكتور أيمن عصمت أن الهجمات ستزداد في الوقت المقبل بشكل كبير خصوصا بعد الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات.
وقال إن الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين:
- قد يساعد في التطور.
- ويساهم أيضًا في زيادة فاعلية الهجمات السيبرانية من خلال سرعة جمع وتحليل البيانات بدقة عالية.
وأشار عصمت إلى أن إسرائيل بالإضافة إلى امتلاكها لمؤسسات رسمية تعمل في مجال الهجمات السيبرانية فلديها أيضا أعداد كبيرة غير نظامية تقوم بهذه المهام على مدار اليوم.
وأضاف "من الصعب القول إن إسرائيل أقوى من إيران أو العكس لأن الدول لا تعلن عن قدراتها في هذا المجال حتى لا تكون عرضة للهجمات من الدول الأخرى ولكن كل دولة لديها منظومة".
(المشهد)