تكشف تقارير أميركية عن تصاعد المخاوف بشأن الصحة النفسية والظروف المعيشية لنحو 5 آلاف عسكري على متن حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن"، التي تنتشر في الشرق الأوسط ضمن الحرب الأميركية مع إيران، بعد إفادات عن محاولتي قفز على الأقل من الحاملة إلى البحر خلال انتشارها الحالي.
ونقلت صحيفة "نافي تايمز" عن أفراد من عائلات العسكريين أن اثنين على الأقل من البحارة حاولا القفز من على متن الحاملة، فيما أفاد مسؤول أميركي لم يُكشف عن اسمه لشبكة "سي إن إن" بأن أحد البحارة سقط من الحاملة في يوليو، قبل أن يتم إنقاذه سريعا.
معاناة طاقم "يو إس إس أبراهام لينكولن"
وتأتي هذه التقارير وسط شكاوى متزايدة من ظروف العمل والمعيشة على متن الحاملة، إذ تقول عائلات وأعضاء في الكونغرس إن أفراد الطاقم يعانون الإرهاق، ونقص بعض مستلزمات النظافة الأساسية والتغذية المناسبة.
وكانت شكاوى بشأن الظروف على متن "لينكولن" قد ظهرت للمرة الأولى في أبريل، إلا أن البحرية الأميركية نفتها في ذلك الوقت، بينما وصف وزير الدفاع بيت هيغسيث تلك التقارير بأنها "أخبار زائفة".
وأكد متحدث باسم البحرية الأميركية لـ"نيوزويك" أنه "استناداً إلى المعلومات المتاحة للقيادة، لم نرصد زيادة في حالات الإبلاغ عن أفكار انتحارية أو محاولات انتحار على متن السفينة"، مضيفاً أن البحرية تأخذ سلامة أفرادها ورفاههم على محمل الجد، وأن مختصين دينيين وطبيين ونفسيين متاحون لتقييم المخاوف ومعالجتها.
انتشار يتجاوز المعتاد
وتزيد مدة انتشار "أبراهام لينكولن" من المخاوف المتعلقة بالإرهاق النفسي، إذ تستمر مهمتها الحالية منذ نحو 9 أشهر، رغم أن عمليات انتشار حاملات الطائرات الأميركية تستمر عادة بين 6 و7 أشهر.
وكانت الحاملة قد أُرسلت من سان دييغو إلى منطقة المحيط الهادئ، قبل إعادة توجيهها إلى الشرق الأوسط، وتوقعت البحرية عودتها إلى الولايات المتحدة في مايو، لكن مهمتها مُددت مراراً، فيما لا يزال موعد عودتها النهائي غير واضح.
وقال قائد سابق في البحرية الأميركية لـ"نيوزويك" إن تمديد عمليات الانتشار التي تستمر أصلاً لأشهر، من دون أسباب واضحة ومقنعة، يمكن أن يؤدي إلى إحباط أفراد الطاقم وتراجع معنوياتهم، خصوصاً في ظل العيش في أماكن ضيقة ومغلقة.
وأضاف أن البحارة يصبحون عادة أكثر توترا وقلقا بعد نحو 4 أو 5 أشهر من الانتشار، ويحتاجون إلى فترات توقف طويلة في الموانئ أو وسائل أخرى لتخفيف الضغط.
تحذيرات من تداعيات نفسية
وأظهرت دراسات طبية وأكاديمية أن أفراد البحرية الذين يقضون فترات طويلة في البحر يتعرضون لمستويات مرتفعة من الضغط النفسي، وقد يواجهون صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية والدعم اللازمين.
وقال نائب الأميرال المتقاعد في البحرية الأميركية روبرت مورت، الذي يعمل أستاذا في جامعة سيراكيوز، إن عمليات الانتشار الطويلة يمكن أن تؤدي إلى زيادة تحديات الصحة النفسية، وهو أمر ينطبق على كثير من العسكريين المنتشرين في مناطق القتال.
وكان المفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية قد فتح في مطلع عام 2024 تحقيقاً بشأن تعامل البحرية مع حالات الانتحار ومدى فعالية جهودها للوقاية منها، بعدما ارتفعت معدلات الانتحار لسنوات.
وبحسب بيانات البنتاغون، انخفض معدل الانتحار الإجمالي بين أفراد القوات الأميركية العاملين والاحتياط، لكن حالات الانتحار بين العسكريين في الخدمة الفعلية ارتفعت خلال الفترة بين عامي 2011 و2024.
وفي عام 2024، سُجلت 1,515 محاولة انتحار بين أفراد الخدمة الفعلية، بينها 356 في البحرية و268 في مشاة البحرية.
سنتكوم تنفي تقارير عن وفيات
وفي بيان لها، قالت "سنتكوم" إنه "خلال الـ48 ساعة الماضية، نشرت وسائل إعلام تقارير تضمنت ادعاءات كاذبة بشأن انتشار حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن" (CVN 72) في الشرق الأوسط. وزعم أحد التقارير وفاة 7 بحارة في شجار على متن حاملة الطائرات، فيما أشارت تقارير أخرى مؤخراً إلى ارتفاع في الأفكار الانتحارية بين أفراد الطاقم. هذه التقارير كاذبة".
وتابع البيان "حافظت حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" على واحدة من أعلى معدلات إعادة التجنيد بين جميع حاملات الطائرات في البحرية الأميركية، بنسبة 84.4%".
وأضافت سنتكوم أن "أفراد البحرية ومشاة البحرية ضمن مجموعة حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" ما زالوا يتمتعون بالقدرة على الصمود والعزيمة، بعد أكثر من 260 يوماً في البحر، وتنفيذ 10 آلاف طلعة جوية، واستخدام 1.5 مليون رطل من الذخائر".
وأكد البيان أنه "لم يتوفَّ أي من أفراد الخدمة على متن حاملة الطائرات، وأن البحار الوحيد الذي سقط في البحر في 3 أغسطس تم انتشاله سريعاً وبأمان".
وقالت سنتكوم إن "التغطية الإعلامية المضللة والمستمرة" بشأن الانتشار التاريخي لحاملة "أبراهام لينكولن" تسيء إلى الرجال والنساء الذين يخدمون في القوات المسلحة وإلى أفراد عائلاتهم.
سابقة "يو إس إس جورج واشنطن"
وتعيد المخاوف الحالية إلى الأذهان أزمة سابقة على متن حاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن"، التي شهدت سلسلة من حالات الانتحار أثناء بقائها لفترة طويلة في حوض لبناء السفن بولاية فرجينيا لإجراء أعمال صيانة.
وتوفي 3 بحارة من طاقم الحاملة خلال أيام قليلة من بعضهم في أبريل 2022، ما دفع إلى فتح تحقيق بشأن احتمال وجود عوامل مشتركة وراء الوفيات.
وفي مايو 2023، أقر كبار مسؤولي البحرية بأن القيادة سمحت بتراجع معاييرها، وتعهدوا بإعطاء أولوية أكبر لرفاه البحارة من خلال إجراءات ملموسة.
عائلات البحارة تطالب بإجابات
وفي تطور يعكس حجم القلق، اجتمع أكثر من 200 من أفراد عائلات العسكريين الموجودين حاليا على متن "لينكولن" مع القائم بأعمال وزير البحرية هانغ كاو الأسبوع الماضي، وفقا لموقع "ستارز آند سترايبس".
كما عقد مسؤولون كبار في البحرية اجتماعا افتراضيا آخر مع عائلات البحارة ومشاة البحرية على متن الحاملة، وتركز النقاش على مخاوف تتعلق بالصحة النفسية والسلامة.
وقال كاو إن مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس ثيودور روزفلت" ستتولى مهمة إغاثة "لينكولن"، من دون تحديد موعد لذلك.
وقالت أنابيل لوما إن زوجها كان "منهكا" وإنه حاول القفز من الحاملة خلال الانتشار الحالي، مضيفة أنه يخشى أن يؤدي ما حدث إلى تسريحه من الجيش الأميركي بصورة غير مشرفة.
وفي حادث منفصل، قالت ماريا رودريغيز إن زوجها، الموجود أيضا على متن الحاملة، سحب أحد زملائه إلى سطح السفينة بعدما كان يستعد للقفز إلى البحر.
ودفع ذلك عددا من النواب الديمقراطيين إلى المطالبة بفتح تحقيقات بشأن الظروف على متن "لينكولن"، فيما طلب السيناتور عن ولاية أريزونا روبن غاليغو السماح لأعضاء في الكونغرس من الحزبين بزيارة الحاملة لإجراء تحقيق رقابي في ما وصفه بـ"الوضع المروع".
وتسلط هذه التطورات الضوء مجدداً على الضغوط النفسية التي قد يواجهها العسكريون الأميركيون خلال عمليات الانتشار الطويلة، في وقت تواصل فيه "أبراهام لينكولن" مهمتها في الشرق الأوسط من دون موعد واضح حتى الآن للعودة إلى الولايات المتحدة.
(ترجمات)
