هذه الأيام، تجد إيران نفسها غارقة في أعمق أزمة رقمية واقتصادية في تاريخها الحديث. ففي أعقاب الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر 2025 بسبب انهيار العملة الوطنية والتضخم المفرط، ردّت السلطات بفرض تعتيم شبه كامل على الإنترنت بدءًا من 8 يناير 2026، لمنع نشر مشاهد الأحداث في الخارج. لكن الشركات الخاصة عانت من خسائر كبيرة، فيما شهد "اقتصاد إنستغرام" غير الرسمي انهيارًا، ما أضاف تهديدات وجودية للنظام البيئي للشركات الناشئة (Startups)، وشللًا تشغيليًا يواجه العاملين المستقلين (Freelancers) الذين يعتمدون على الدخل بالعملة الصعبة من الخارج.
قطع الإنترنت عبر خطوط تسيطر عليها الحكومة أو عبر أجهزة الاتصال الفضائي "ستارلنك" ليس مجرد إجراء أمني، بل هو صدمة اقتصادية غير مسبوقة، تُكلّف الاقتصاد الإيراني عشرات ملايين الدولارات يوميًا كخسائر مباشرة. وتتجاوز التداعيات هذه الأرقام لتكشف عن "حلقة مفرغة" كارثية، حيث يؤدي الإغلاق إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية والبطالة وارتفاع التضخم وإفلاس الشركات الصغيرة.
تشير النتائج الرئيسية إلى أن الحجب الرقمي قطع شريان الحياة عن ملايين الإيرانيين الذين يعتمدون على التجارة الاجتماعية (Social Commerce). علاوة على ذلك، رسّخت القيود نظامًا من "الفصل العنصري الرقمي"، حيث يُمنح التجار المعتمدون من الدولة وصولًا عابرًا ومراقبًا إلى الويب العالمي لمدة لا تتجاوز 20 دقيقة يوميًا، بينما يغرق الناس وأصحاب الأعمال الصغيرة في ظلام شبكي. هذا التقسيم يُسرّع من هروب رأس المال، سواء عبر العملات المشفرة أو عبر هجرة النخب التقنية.
"أرض إنستغرام" (Instagramland)
يعتمد اقتصاد إيران على البنية التحتية الرقمية بشكل أكبر بكثير مما كان عليه خلال احتجاجات الوقود عام 2019، وكان من المتوقع أن يساهم الاقتصاد الرقمي بما بين 6 و10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2026، مع معدلات انتشار كبيرة للإنترنت وأكثر من 107 ملايين اشتراك، ليصبح الاتصال هو الجهاز العصبي المركزي للتجارة الإيرانية.
ويرى الخبير في الإنترنت ومحاربة القرصنة الإلكترونية محمود غزيل، في حديثه مع منصة "المشهد" أنه "في ظل غياب البيانات الرسمية التي تحدد السبب الفعلي للقطع، يرى العديد من الإيرانيين على منصات التواصل أن هذا الإجراء يتجاوز كونه قرارًا أمنيًا ليصبح بمثابة حرب اقتصادية داخلية غير مباشرة شُنّت ضد الإيرانيين". وجاءت التقديرات الأولية لتؤكد فداحة الموقف، مع إشارة نائب وزير الاتصالات، في تصريح رسمي، إلى أن الخسائر اليومية المباشرة للاقتصاد الإيراني قد تلامس 42 مليون دولار أميركي.
ويؤكد مصدر إيراني أنه "خلال السنوات الماضية بنى الإيرانيون اقتصادًا غير رسمي أساسه تطبيق إنستغرام، كبديل لغياب المنصات التجارية الدولية مثل منصة أمازون الموقوفة جراء العقوبات الأميركية". كان "إنستغرام" بمثابة السوق الأساسي لملايين الشركات الصغيرة والأسر المنتجة، وعندما أوقفت الحكومة الإنترنت، لم تقم فقط بإسكات المعارضة، بل قامت بتفكيك السوق التجاري نفسه.
ويتميز هذا التعتيم عن عمليات الإغلاق السابقة بتطوره التقني ومدته وطبيعته المستهدفة، مع قدرات "الشبكة الوطنية للمعلومات" العالية، وهي الإنترانت المحلية الإيرانية المصممة لتعمل بمعزل عن الشبكة العالمية، مع الحفاظ على الخدمات المصرفية الداخلية والخدمات الحكومية الأساسية قيد التشغيل. وسمح هذا للنظام بفرض تعتيم من دون التسبب في انهيار كامل وفوري للقطاع المصرفي الداخلي.
"الفصل العنصري الرقمي"
لكن السمة المميزة لتعتيم الإنترنت جاءت مع إضفاء الطابع الرسمي للوصول المحدد إلى الإنترنت، مما خلق نظامًا طبقيًا للاتصال مكوّنًا من 3 فئات. أولها "القائمة البيضاء"، حيث يحتفظ المسؤولون الحكوميون وضباط الحرس الثوري وبعض وسائل الإعلام وقوات الأمن بالوصول إلى الإنترنت العالمي لنشر رواية الدولة. ثانيها "القائمة الرمادية"، وهم تجار محددون، حيث أنشأت غرفة تجارة طهران "قاعة اتصال" يمكن للمسجلين فيها ولوج الشبكة لمدة 20 دقيقة يوميًا. وثالث القوائم هي "السوداء"، وتطال الناس والمستقلين والشركات الصغيرة، حيث قُطع الوصول إلى المنصات العالمية بالكامل.
إن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التعتيم تضرب كل طبقة من طبقات الاقتصاد، من البائع المتجول إلى الشركات التقنية الكبرى، ولكن المعلومات عنها تباينت بين تقدير الحكومة البالغ 4.3 ملايين دولار، والتقديرات المستقلة البالغة نحو 60 مليون دولار يوميًا، وهو ما يعتبره المصدر الإيراني "تسليطًا للضوء على إستراتيجية النظام في التقليل من التكلفة المتصورة للقمع".
ورغم ذلك، فإن ما يحصل يمثل جرحًا نازفًا لاقتصاد يخضع للعقوبات، فالحكومة لا تعلم حجم الأشغال السوقية لأنها خارج سيطرتها.
وكما يبدو، فإن أي حسابات بالحدود المتوسطة ستُظهر أن الأرقام تتعدى مئات ملايين الدولارات من الخسائر المباشرة، وهو ما يعادل جزءًا كبيرًا من عائدات التصدير غير النفطية للبلاد.
ويرى غزيل أن الأرقام المعلنة "تُعد تقديرًا متحفظًا للغاية، لسبب جوهري يتعلق بهيكلية الاقتصاد الإيراني نفسه، حيث إن العديد من المؤسسات، وخصوصا الشركات الناشئة والصغيرة، لا تُسجل أنشطتها المالية والتجارية بشكل شرعي وكامل، خوفًا من التعرض لعقوبات دولية محتملة من جهة، أو خوفًا من البيروقراطية القاتلة في المؤسسات الرسمية".
بالتالي، فإن قرار طهران بتقنين أو قطع الإنترنت يمثل كارثة اقتصادية قد تكون أشد وطأة على نسيج الأعمال الداخلية من تأثير العقوبات الخارجية المفروضة على البلاد.
قبل التعتيم، كان لدى إيران ما يُقدَّر بـ30 إلى 40 مليون مستخدم نشط على تطبيق إنستغرام، وتعاملت منصات التواصل الاجتماعي مع نحو 83% من مبيعات الشركات الصغيرة. وتشمل شريحة العاملين عبر "أرض إنستغرام" ملايين الأعمال المنزلية والتجارية الصغيرة والمشاريع الابتكارية الرقمية التي تعتمد بشكل كلي على منصات التواصل الاجتماعي لأغراض التجارة الإلكترونية والتسويق وخدمة العملاء.
بالنسبة لهذه الأعمال، يعني انقطاع الإنترنت توقفًا فوريًا وكاملًا لتدفق الدخل وتجميدًا لجميع أنشطتها. ويشير غزيل إلى أن "عددًا من الشركات الإيرانية معروف بقوته في البرمجة وتطوير الأنظمة الإلكترونية والألعاب الإلكترونية، ما تسبب الانقطاع بشلل كامل في الحركة الاقتصادية الرقمية، وأدى ذلك إلى خسائر يصعب تقديرها بشكل نهائي، نظرًا للطبيعة المتراكمة للتبعات السلبية الناجمة عن هذا الانقطاع".
أيضًا لا يمكن إغفال العاملين عن بُعد، حيث يمثل المستقلون في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية مثل البرمجة والتصميم الغرافيكي والتسويق الرقمي شريحة مهمة تعتمد بشكل مطلق على الاتصال الدولي للعمل مع شركات وعملاء خارجيين. بالتالي، فإن "ما حصل أدى إلى توقف كامل لأعمالهم، وإلغاء عقودهم، وفقدان مصدر دخل يومي أساسي، وزاد الطين بلة في قدرتهم على البقاء وسط تفشي البطالة وارتفاع التضخم"، وفق ما يؤكد غزيل.
نزيف النخبة
النتيجة الأكثر ضررًا على المدى الطويل هي تسارع هجرة الأدمغة، ويدفع التعتيم إلى "جفاف" المواهب، حيث يشير المصدر الإيراني إلى "تخوف لدى المؤسسات الحكومية المعنية من ارتفاع الهجرة بين المتخصصين في مجال التكنولوجيا، فيما حذر المسؤولون التنفيذيون في شركات مثل Divar علنًا من أن الصناعة ستواجه فراغًا في المواهب".
وعانت إيران خلال السنوات الماضية من تضاعف هجرة الطلاب المتخرجين والمهنيين، بينما يسعى نحو 50% من موظفي الشركات الناشئة بقطاع التكنولوجيا إلى الهجرة.
ويرى المصدر الإيراني أنه "على عكس رأس المال النقدي الذي يمكن أن يعيد تدفقه، فإن هروب رأس المال البشري غالبًا ما يكون دائمًا، لأن اليأس يدفع أفضل العقول إلى المغادرة، مما يخلق سقفًا هيكليًا للنمو الاقتصادي المستقبلي".
كما يؤثر نقص الإنترنت على "الاقتصاد الحقيقي" للإنتاج، مثل ارتباط المصانع بالأسواق عبر برامج تعمل بالإنترنت، وهو ما يؤدي إلى تسريح العمال، ما يُغذي أزمة البطالة. وأدى انهيار الريال وعدم موثوقية البنوك إلى التحول نحو العملات المشفرة لتهريب رأس المال، و"سُجلت زيادة هائلة في نقل البيتكوين إلى محافظ خارجية، بمساعدة من ضباط في الحرس الثوري يمكنهم الوصول إلى الإنترنت، مقابل بدل مالي مرتفع"، وفق ما يؤكد المصدر الإيراني. وللمفارقة، فإن الدولة نفسها لاعب رئيسي في التشفير، فالحرس الثوري والبنك المركزي يستخدمان عدة طرق للتحايل على العقوبات وإدارة احتياطيات النقد الأجنبي.
لا يمكن فصل الوضع الاقتصادي عن الواقع السياسي. لقد خلق انقطاع الإنترنت حلقة ردود فعل دائرية، فمن جهة يساهم في وقف حركة المحتجين، لكنه يزيد من التضخم والفقر، وهو ما يؤدي إلى نشوء فئة جديدة من المظلومين، أبرزهم أصحاب المتاجر والعمال، ما يقود إلى تحركات احتجاجية جديدة، وتُستكمل الدائرة بعنف متجدد من النظام.
يمثل انقطاع الإنترنت في إيران في يناير 2026 لحظة فاصلة في التاريخ الاقتصادي للبلاد؛ إنها اللحظة التي انتقلت فيها "الشبكة الوطنية للمعلومات" من مشروع نظري إلى واقع وحشي، قادر على عزل الأمة عن العالم لأسابيع متتالية.
(المشهد)