زيارة الشرع إلى موسكو.. مرحلة مفصلية لإعادة تعريف العلاقة السورية الروسية

شاركنا:
حزم أمنية وسياسية واقتصادية على طاولة القمة السورية الروسية (رويترز)
هايلايت
  • بوتين يستقبل الشرع وعلى الطاولة ملفات الانتشار العسكري والأمن وإعادة الإعمار.
  • رسالة مزدوجة للقاء الشرع بوتين مفادها تعزيز الشرعية وتنويع العلاقات الخارجية.
  • مراقبون: زيارة الشرع تعكس نموذجًا تفاوضيًا جديدًا بين البلدين بعد سقوط "الأسد". 

تمثل زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو "مرحلة مفصلية" لإعادة تعريف العلاقة السورية الروسية على أسس "براغماتية وتبادل مصالح"، في وقت تعيد فيه موسكو تموضعها العسكري داخل سوريا، وفق مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد".

فيما تسعى دمشق إلى إدارة شبكة علاقات متعددة تقلل من مخاطر العزلة وتفتح مسارات للإعمار والتمويل، وفق المصادر ذاتها. إذ إن اللقاء يركز على 3 محاور رئيسية، هي ضبط الانتشار العسكري الروسي، توضيح الحدود السياسية والسيادية للقرار السوري، ومعالجة الملفات الاقتصادية الأساسية كالطاقة وإعادة الإعمار.

شبكة علاقات متعددة

وخلال استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو الشرع والوفد المرافق له، ألمّح إلى التقدم في مجالات التعاون الاقتصادي بين البلدين وضرورة الحفاظ عليه، مؤكدا على جهود موسكو في تعزيز الاستقرار بسوريا، والاضطلاع بدور مستقبلي لجهة إعمار الإعمار.

ومن جهته، ثمّن رئيس المرحلة الانتقالية لسوريا دور روسيا في تحقيق الاستقرار بسوريا والمنطقة.

دلالات الزيارة

وفي حديثه لـ"المشهد" قال الكاتب والمحلل السياسي السوري درويش خليفة، إنه لا يستبعد أن تكون زيارة الشرع إلى موسكو منفصلة عن التطورات الجارية في المنطقة الشرقية من سوريا، وعن الحشود العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط التي تشكّل عامل ضغط مباشر على إيران، حليفة روسيا في سوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد، لافتا إلى تزامن ذلك مع "تفريغ القوات الروسية لقاعدة مطار القامشلي العسكري، ونقل معداتها إلى قاعدة حميميم في الساحل السوري".

ولفت خليفة إلى أن هذه الزيارة جاءت بدعوة رسمية من بوتين وهي الزيارة الثانية للشرع إلى الكرملين، في حين عقدت الفرق الفنية بين الجانبين 13 اجتماعا سابقًا. من ثم، تشير المعطيات إلى أن بوتين يعتزم مناقشة مستقبل التموضع الروسي في سوريا والمنطقة، في محاولة لتوجيه رسالة واضحة مفادها أن "مستقبل سوريا لن يُرسم بإرادة الشرع وحده".

وفي ما يخص نتائج هذه الزيارة، يقول الكاتب والمحلل السياسي السوري: "لن تنعكس فقط على طبيعة العلاقات السورية الروسية، بل ستحدد أيضًا أي محور ستختار دمشق التموضع ضمنه في المرحلة المقبلة. وقد يفضي هذا الخيار إلى إعادة فتح العديد من الملفات والحسابات الإقليمية".

في سياق موازٍ، لا يمكن استبعاد أن تكون موسكو بصدد تعزيز حضورها العسكري في سوريا، ربما عبر نقل إحدى قواعدها من ليبيا إلى الأراضي السورية. وفي المقابل، يتطلع جزء واسع من السوريين إلى إغلاق قاعدة حميميم، وفق خليفة، حيث تحولت، خلال العام الماضي، إلى ملاذ لفلول النظام السابق عقب تنفيذهم أي عمليات ضد السلطة السورية الحالية.

أكثر من حدث بروتوكولي

من جهته، يرجح الباحث الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديمتري بريجع، أن زيارة الشرع لموسكو ليست "حدثا بروتوكوليا" بقدر ما هي لحظة إعادة تعريف للعلاقة السورية الروسية على أساس جديد يقوم على البراغماتية وتبادل المصالح تحت ضغط الوقت.

وفي ما يتصل بدلالة التوقيت التي تأتي فيه الزيارة، يقول بريجع: "هي لحظة دقيقة تعيد موسكو تموضعها الميداني داخل سوريا، وتفتح دمشق، في الوقت نفسه، أكثر من مسار خارجي لتثبيت شرعيتها، وإدارة انتقال الدولة بعد سقوط نظام الأسد".

ويردف: "التوقيت يخدم الطرفين معا لكن لأسباب مختلفة. موسكو تريد أن تحسم مبكرا ملف وجودها العسكري على الساحل السوري بوصفه حجر زاوية في حضورها المتوسطي، وتريد ضمان أن التحول السياسي في دمشق لن يتحول إلى خسارة إستراتيجية كاملة بعد سنوات من الاستثمار العسكري والسياسي".

ولذلك يظهر ملف القواعد والوجود العسكري كـ"عنوان أول" على طاولة القمة، وهو ما أكدته تصريحات الكرملين وتقارير دولية متزامنة مع الزيارة.

وثمة "رسالة مزدوجة" تبعث بها دمشق مفادها أنها لا تعمل بمنطق القطيعة مع أي قوة كبرى، وأنها قادرة على إدارة شبكة علاقات متعددة تقلل من مخاطر العزلة وتفتح قنوات لإعادة الإعمار والتمويل ورفع القيود والعقوبات عبر ترتيبات تدريجية، وفق ما يوضح بريجع.

3 حزم لزيارة الشرع لموسكو

ويشير الباحث الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية إلى 3 حزم مترابطة تتصل بالزيارة:

  • الحزمة الأولى أمنية عسكرية: إعادة ضبط الانتشار الروسي داخل الجغرافيا السورية. فالتقارير تكشف عن شروع روسيا في سحب قواتها أو بالأحرى تقليص حضورها من مواقع في الشمال الشرقي مثل محيط مطار القامشلي، بالتوازي مع تركيزها على المواقع الإستراتيجية الساحلية. هذه الإشارة مهمة لأنها تقول إن موسكو تتجه إلى نموذج وجود أكثر تركيزًا وأقل تكلفة، بينما تريد دمشق استعادة السيطرة المركزية على الأطراف وتقليل تعدد مناطق النفوذ.
  • الحزمة الثانية سياسية سيادية: تتضمن أسئلة حساسة مثل مستقبل الاتفاقات العسكرية السابقة، وحدود استقلال القرار السوري تجاه القواعد، وكيف يمكن للقيادة السورية الجديدة أن توفق بين مطلب السيادة الوطنية وبين واقع الحاجة إلى مظلة توازن إقليمي في مرحلة انتقالية.
  • الحزمة الثالثة اقتصادية: تشمل الطاقة، إعادة الإعمار، التجارة، القمح، الوقود، والبنية التحتية، وهي ملفات غالبا ما تصبح العملة الصلبة التي يجري بها تثبيت التفاهمات الأمنية والسياسية.

أما التداعيات المحتملة فهي تتوزع على 3 مستويات، بحسب المصدر ذاته:

  • محليا: نجاح الزيارة في إنتاج تفاهم واضح حول القواعد والتموضع قد ينعكس تهدئة في بعض الجبهات الهشّة عبر تقليل سوء الفهم بين اللاعبين، لكنه قد يفتح أيضا جدلا داخليا حول حدود السيادة وطبيعة الثمن السياسي لأي تفاهمات طويلة الأمد.
  • إقليميا: الزيارة تتقاطع مع مسارات تفاوض أخرى في المنطقة، ومنها مسار محادثات أمنية بوساطة أميركية بين سوريا وإسرائيل، بما يعني أن دمشق تتحرك على أكثر من طاولة وأن موسكو ستسعى لضمان ألا تأتي أي تفاهمات جديدة على حساب قواعدها ونفوذها.
  • دوليا: الزيارة تمنح روسيا فرصة لتقديم نفسها كفاعل لا يزال قادرا على إنتاج صفقات في الشرق الأوسط رغم تغير النظام في دمشق، بينما تمنح سوريا فرصة لتقليل اعتمادها على محور واحد وإظهار استعدادها لسياسة خارجية متعددة المسارات.

إغلاق أخطر ملفين

ومن المهم وضع الزيارة في سياق أن الشرع كان قد ألغى زيارة إلى برلين، مؤخرًا، بما يجعل موسكو "محطة مركزية" في جدول التحركات خلال "مرحلة حساسة" تتصل بالوضع الميداني وتوازنات القوى الدولية حول سوريا، بحسب بريجع، موضحا أن "هذه المقاربة تعكس أن ملف الأمن والقواعد العسكرية هما الأكثر إلحاحا الآن، وأن موسكو تملك عناصر تأثير فورية في هذا المجال مقارنة بمسارات الغرب التي تتحرك عادة بشروط سياسية وقانونية أبطأ".

ويختتم حديثه قائلا إن الزيارة "محاولة لإغلاق أخطر ملفين قبل أن يتفاقما، أولهما ملف الوجود العسكري الروسي وتحديد قواعد العلاقة الجديدة، ثم ملف تثبيت شرعية الدولة السورية الجديدة عبر تعدد الشراكات من دون الدخول في عداءات مجانية". 

(المشهد)