وسط غياب أصناف عديدة للأدوية وارتفاع أسعار المتوافر منها بات سوق الدواء في مصر يواجه تحديات عديدة، وأصبح الكثير من المرضى خصوصا الذين يعانون من أمراض مزمنة يعانون من مشكلات صحية متفاقمة بسبب نقصان أدويتهم الخاصة.
ورغم الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي في مصر مؤخراً في سبيل حل أزمة شح الدولار الذي كان من أحد أبرز أسباب وجود أزمة في سوق الدواء، إلا أن هذا السوق لا يزال يعج بالكثير من المشكلات التي أضحت تؤرق الكثير من أصحاب الأمراض المختلفة الأمر الذي أفرز تساؤلات عديدة على ألسنة الكثيرين حول أسباب استمرار هذه المشكلة حتى الآن.
أسباب الأزمة
يبلغ حجم سوق الدواء في مصر قرابة 300 مليار جنيه أي ما يعادل 10 مليارات دولار وفق البيانات الرسمية، وتستهلك وزارة الصحة وحدها نحو مليار دولار أدوية سنويا وزاد حجم مبيعات سوق الدواء في مصر بشكل لافت خلال آخر 6 سنوات ليرتفع من 63 مليار جنيه عام 2018، إلى 142.5 مليار جنيه خلال عام 2023، حسب تقرير تقديري لمجلس النواب المصري منتصف العام الماضي.
وعلى الرغم من إقدام الحكومة في مصر خلال الأيام الماضية على الإفراج الجمركي عن البضائع المتكدسة داخل الموانئ بعد حل أزمة شح السيولة الدولارية، والتي تضمنت سلع إستراتيجية هامة تمس حياة المواطنين والتي كان من بينها الدواء، إلا أن المرضى في مصر يواجهون نقصاً في أصناف عديدة من تلك الأدوية.
وفي حديثه لمنصة "المشهد" كشف المدير التنفيذي لجمعية "الحق في الدواء" محمود فؤاد عن وجود أزمة حقيقة في أصناف عديدة من الأدوية التي تتعلق بالكثير من الأمراض، وفي مقدمتها الأمراض المناعية، وأدوية الغدة، وبعض أدوية مرض السكر، وبعض أدوية أمراض الأورام، وكل أدوية الأمراض النفسية والعصبية، وكل أدوية أمراض الدم، وكل أدوية ضمور العضلات.
وذكر فؤاد أن هناك أسباب عديدة لأزمة الأدوية في مصر لكن من أبرزها:
- تهريب الدواء المصري إلى خارج البلاد وسعي الشركات المنتجة لتحقيق أعلى عائد من المكاسب، وهو ما ينعكس بشكل سلبي على توفير الأدوية في السوق المحلي، ويتم تهريب الأدوية داخل الدول التي تشتعل فيها الصراعات والحروب ومعظم الأدوية المهربة تتجه لدول مثل السودان وليبيا.
- تراجع استيراد المواد الخام للأدوية، من الصين والهند اللتين تشكلان أكبر مورد للمواد الكيماوية والطبية لمصر والشرق الأوسط، وذلك بسبب الاضطرابات الواقعة في البحر الأحمر نتيجة لهجمات "الحوثيين" على سفن الشحن.
- عدم الإفراج عن شحنات المواد الخام ومستلزمات الإنتاج المعطلة داخل الموانئ منذ أشهر بسبب أزمة الدولار.
إشكالية تواجه الدواء
وتعد الأدوية سلعة إستراتيجية ولها بعد اجتماعي، وهي من ضمن 3 سلع تخضع للتسعير الإجباري إلى جانب الخبز والمواد البترولية، لذلك يؤكد فؤاد أن الأدوية سلعة حيوية في مصر، ويوجد منها 13 ألف صنف ينتج فعليًا منهم 8 آلاف بشكل دائم لكنها ترتبط بمشكلتين رئيسيتين وهما:
- التسعير الإجباري: الدواء آخر سلعة تخضع للتسعيرة الإجبارية في مصر، وآخر تسعيرة كانت في يناير من عام 2017، حين كان الدولار يساوي 18 جنيها مصريا، لكنه الآن وصل إلى نحو 47 جنيهاً وبالتالي هناك إشكالية كبيرة هنا لدى الشركات في مسألة البيع.
- الاستيراد من الخارج: 90% من المواد الخام للأدوية يتم استيرادها من الخارج لسد احتياج السوق المحلية في مصر من بعض الأدوية والمستلزمات الطبية خصوصا المستوردة، وهو الأمر الذي يجعل هذه الأدوية مرتبطة بالدولار.
ارتفاع مرتقب
وتجاوزت مبيعات السوق المصري للدواء في العام الماضي نحو 3.25 مليارات دولار، وهي الأكبر في المنطقة بعد المملكة العربية السعودية، وتقدمت شركات أدوية في مصر بطلبات لهيئة الدواء وهي الجهة الرسمية المنوط لها التسعير، من أجل رفع أسعار حوالي 1500 صنف بسبب ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج.
وفي هذا الصدد، توقع رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية الدكتور على عوف ارتفاع الأسعار في الفترة المقبلة بنسبة قد تصل إلى 25%، وهي نفس معدل زيادة تكاليف الإنتاج.
وكشف عوف في حديث لمنصة "المشهد" أن الزيادات ستكون محدودة خصوصا فيما يتعلق بأدوية الأمراض المزمنة، وذلك بعد موافقة هيئة الدواء المصرية مؤخرا على اقتراحات من الشركات التي تضررت من ارتفاع تكاليف الإنتاج لبحث رفع أسعارها.
انفراجه قريبة
وكان البنك المركزي المصري قد قرر في السادس من الشهر الجاري السماح لسعر صرف الجنيه بالتحرك وفقا لآليات السوق ووصل سعر الصرف إلى نحو 46.54 جنيها للدولار، من مستوى 31 جنيها، الذي استقر بالقرب منه لما يقرب من عام.
لذا يرى رئيس شعبة الأدوية أن سوق الدواء يترقب انعكاس الإجراءات الاقتصادية التي أقدمت الحكومة في تنفيذها مؤخراً، لأن ذلك سيسهم في تسريع الإفراج الجمركي عن مستلزمات الإنتاج المستوردة التي تشكل نسبة 90% من السوق المحلي.
حلول مقترحة
من جهته، أقر عضو مجلس نقابة الصيادلة المصرية ثروت حجاج بأن العديد من الأدوية تواجه مشكلات في نقصها، لكنه في الوقت ذاته أشار إلى إمكانية التغلب على هذه المشكلات من خلال الآتي:
- توفير أصناف بديلة إذ أن جزءا من الأزمة سببها الأطباء الذين يرفضون دعوات نقابة الصيادلة بكتابة المادة الفعالة، وليس الاسم التجاري للدواء وهو أمر يتم العمل به في العديد من الدول العربية للتغلب على مشكلات النقصان.
- زيادة الوعي لدى المواطنين: فيما يتعلق بالمنتج المصري المناظر للمنتج المستورد، حيث كلاهما يعملان بنفس الكفاءة والفاعلية، فيما يتميز المنتج المحلي بانخفاض السعر.
- تكثيف العمل لتوفير الاحتياجات المطلوبة من الأدوية التي ظهر نقص فيها، مع سرعة الإفراج الجمركي عن الموجود منها بالموانئ.
- توطين صناعة الخامات الدوائية لتوفير ملايين الدولارات على استيرادها.
تأثيرات سلبية
ولفت عضو نقابة الصيادلة في مصر إلى أن مشكلة نقص الأدوية انعكست بشكل سلبي ومباشر على اقتصاد الصيدليات، وذلك من خلال تراجع مبيعاتها بسبب استمرار التسعيرة الإجبارية القديمة من دون تغيير مناسب للأسعار وقيمة العملة، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي تسبب في زيادة الركود وانخفاض المردود الاقتصادي للصيدليات.
ورغم أن عدد مصانع الأدوية المرخصة داخل مصر تبلغ 191 مصنعًا يغطون نسبة 92% من حجم احتياجات السوق المحلية من الدواء إلا أن هذا السوق يشهد نقصانا ليس بالقليل في أصناف عدة من الأدوية، الأمر الذي أثار مخاوف عديدة لدي الكثير من المواطنين الذين يواجهون مشكلة صحية تتطلب توافر لتلك الأدوية بشكل مستمر.
(المشهد - القاهرة)