قبل أقل من عامين على انطلاق كأس العالم 2026، وقبل 4 سنوات على أولمبياد لوس أنجلوس 2028، وجدت الولايات المتحدة نفسها في قلب جدل سياسي-رياضي غير مسبوق، بعدما أثارت تحركاتها الخارجية تساؤلات جدية حول مدى انسجام استضافة أكبر حدثين رياضيين في العالم مع مبادئ القانون الدولي التي تؤكد الاتحادات الرياضية التزامها بها.
تقرير من شبكة "بي بي سي" البريطانية يستعرض تحليلًا لتأثير السياسة الخارجية الأميركية في الآونة الأخيرة على استضافة 2 من الأحداث الرياضية الكبرى.
دعوات برلمانية لإقصاء أميركا رياضيا
الشرارة جاءت من بريطانيا، حيث طالب نواب من أحزاب عابرة للتيارات السياسية الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" بدراسة استبعاد الولايات المتحدة من كأس العالم، إلى أن تُظهر "التزاما واضحا بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول".
وجاءت الدعوة عقب عملية عسكرية أميركية في فنزويلا أسفرت عن احتجاز الرئيس نيكولاس مادورو، في خطوة وصفت بأنها تدخل مباشر في شؤون دولة ذات سيادة، إلى جانب ما اعتبره النواب "تهديدات صريحة ومبطنة" صدرت عن مسؤولين أميركيين تجاه دول أخرى.
النواب شددوا على أن البطولات العالمية "لا يجب أن تُستخدم لتطبيع أو شرعنة انتهاكات القانون الدولي من قبل دول كبرى"، في إشارة مباشرة إلى التناقض بين الخطاب الرياضي القائم على السياسات الخارجية الأميركية الحالية.
سياسات ترامب تحت المجهر الدولي
الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد نال في ديسمبر الماضي جائزة "السلام" الأولى التي يمنحها فيفا، خلال مراسم قرعة مونديال 2026 في واشنطن، بدعوى مساهمته في تهدئة نزاعات دولية.
لكن الأسابيع اللاحقة شهدت تصعيدا عسكريا أميركيا في فنزويلا ونيجيريا، وتلميحات بإمكانية تنفيذ عمليات أخرى في غرينلاند والمكسيك وكولومبيا وإيران، وهي دول بعضها شريك أو مشارك محتمل في كأس العالم.
واشنطن بررت تحركها في فنزويلا بأنه "إجراء أمني ضد زعيم غير شرعي"، فيما واجه ترامب انتقادات حادة داخل مجلس الأمن الدولي، حيث عبّر الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه من "عدم احترام قواعد القانون الدولي".
موقف "فيفا" بين الحياد والازدواجية
"فيفا" التزمت الصمت رسميا حيال مطالب النواب البريطانيين، في وقت يستبعد فيه مراقبون أن تُقدم المنظمة على أي خطوة تصعيدية ضد دولة تستضيف غالبية مباريات أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم، خاصة في ظل العلاقة الوثيقة بين رئيسها جياني إنفانتينو والإدارة الأميركية.
ويعيد هذا الجدل إلى الأذهان نسخة 2018 التي استضافتها روسيا رغم ضمها شبه جزيرة القرم، قبل أن تُمنع لاحقا من المشاركة الدولية عقب غزو أوكرانيا عام 2022.
وهو ما دفع بعض السياسيين للمطالبة بـ"توحيد المعايير" وعدم الكيل بمكيالين في التعامل مع الدول المضيفة.
الأولمبياد وموقف اللجنة الدولية
على صعيد آخر، أكدت اللجنة الأولمبية الدولية أنها لا تنوي استبعاد الرياضيين الأميركيين من المنافسات المقبلة، مشددة على أن دورها لا يشمل التدخل في النزاعات السياسية.
وأوضحت اللجنة، في بيان نقلته "بي بي سي"، أن مهمتها الأساسية تتمثل في جمع الرياضيين من مختلف دول العالم تحت راية القيم الأولمبية، بعيدا عن الخلافات الجيوسياسية.
مع ذلك، أقرت مصادر داخل اللجنة بأن حالة روسيا كانت استثنائية بسبب ضم أراضٍ أوكرانية ووضع الرياضيين هناك تحت سلطة اللجنة الأولمبية الروسية، وهو ما اعتُبر خرقا مباشرا للميثاق الأولمبي.
اختبار قاس للرياضة العالمية
خبراء في إدارة الأحداث الكبرى يرون أن "فيفا" واللجنة الأولمبية الدولية مقبلتان على "اختبار ضغط" حقيقي، إذا ما واصلت الولايات المتحدة سياساتها التصعيدية.
فمواثيق المؤسستين تؤكد احترام السيادة والسلام وعدم التمييز، وهي مبادئ قد تُجبرهما على اتخاذ مواقف سياسية رغم إصرارهما الدائم على الحياد.
وتزداد الصورة تعقيدا مع اقتراب مونديال 2026، في ظل قيود سفر محتملة تطال جماهير من دول مشاركة، وتصاعد التوتر الداخلي في أميركا بسبب سياسات الهجرة، ما يهدد صورة البطولة التي وعدت "فيفا" بأن تكون "مُرحّبا بها وموحِدة".
فهل تستطيع الولايات المتحدة الفصل بين قوتها العسكرية ودورها كحاضنة لأكبر التظاهرات الرياضية في العالم، أم أن المونديال والأولمبياد سيدخلان معترك الجغرافيا السياسية رغما عنهما؟
(ترجمات)