سد فولا في جنوب السودان.. ما تداعياته المحتملة على موارد مصر المائية؟

آخر تحديث:

شاركنا:
فولا اسم لسد مائي جديد في جنوب السودان (فيسبوك)
هايلايت
  • وزير الموارد المائية والري المصري: تأثيرات سد فولا بجنوب السودان ضئيلة ويمكن لمصر تحملها.
  • الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية: سد فولا يفتح جبهة مائية جديدة في لحظة بالغة الهشاشة.
  • خبير موارد مائية: المخاوف المصرية لا ترتبط ببناء السدود في حد ذاتها طالما تتم مراعاة الاتفاقات والحقوق المائية.

فولا اسم لسد مائي جديد يطل من جنوب السودان، ويعيد إلى الواجهة ملف المياه الذي بات معقداً في منطقة حوض النيل، خصوصًا مع استمرار الخلافات بشأن إدارة موارد النيل وتأثير السدود في دول المنبع والمصب.

رد رسمي يحسم الجدل

ففي الوقت الذي أصبح فيه سد النهضة الإثيوبي واقعاً مكتملاً رغم اعتراضات مصرية استمرت لأكثر من عقد، كشف وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان ماكور كور، عن مخطط لبناء سد كبير على نهر النيل، معلناً استعداد حكومة بلاده للمضي قدما في خطط بناء السد بوصفه أحد المشروعات التنموية التي أقرتها، مؤكداً أن بلاده لا تخشى من اعتراض دولتي المصب مصر والسودان على خطته بتنفيذ مشروع سد فولا الكهرومائي استناداً إلى حقها السيادي على حد وصفه، ومشيرا إلى أن دول الحوض بما فيها مصر نفسها تنفذ مشروعات مائية مشابهة.

تصريحات وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان بشأن المضي في خطط بناء سد فولا، لم تمر مرور الكرام على الأوساط المصرية المختلفة، حيث أحدثت موجة من الجدل والتساؤلات داخل تلك الأوساط، ومحذرين من تبعات بناء هذا السد ومساسه بالأمن المائي القومي لبلادهم الذي يواجه بالأساس تحديات غير مسبوقة، وحتى لا تتكرر أزمة سد النهضة الإثيوبي.

وفي أول رد مصري رسمي على تصريحات وزير الطاقة والسدود لجنوب السودان بشأن سد فولا، أكد وزير الموارد المائية والري المصري الدكتور هاني سويلم أن بلاده وافقت رسمياً على بناء هذا السد بعد دراسات هيدرولوجية دقيقة أثبتت أن آثاره المائية مقبولة ويمكن تحملها، ومشدداً في الوقت نفسه على رفضه تصوير مشروع سد جنوب السودان كأنه أزمة بين البلدين.

حديث وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان عن المضي قدماً في بناء سد فولا على مجرى النيل، دون الاكتراث بموافقة مصر من عدمها، وباعتبار أن هذا الأمر شأن سيادي خالص لجنوب السودان، أثار حفيظة الكثيرين داخل مصر، وحول هذا الأمر وصف أستاذ الموارد المائية والري بجامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي في حديثه لمنصة "المشهد " تصريحات وزير الجنوب سوداني بالغير دبلوماسية، والتي تتضمن محاولات لاستفزاز القاهرة وافتعال أزمة غير مبررة، وهو ما قد يخلق عداءً بين القاهرة وجوبا دون داعٍ، مشيراً إلى أن الجانب المصري يتعامل مع الملف بمسؤولية وثبات.

وذكر أن مشروع سد فولا يرجع إلى أعوام سابقة، إذ سبق للحكومة في جنوب السودان أن صنفته ضمن مشروعات الطاق ذات الأولوية، فيما حالت تحديات التمويل والظروف السياسية والأمنية دون تنفيذه، كاشفاً أن مصر لديها اتفاقيتان تاريخيتان مع السودان لتنظيم الانتفاع بمياه النيل وتقسيم هذه المياه، ويعودان لعامي 1929 و1959وهما مطبقتان حتى اليوم، ويحتويان على حصة كل من مصر والسودان من مياه نهر النيل، وبالتالي يجب على كل دولة الالتزام بهما.

تفاصيل سد فولا 

ووفقاً لشراقي فإن المعطيات المتوفرة عن سد فولا المزمع بنائه، تتلخص في أنه يقع على الحدود بين جنوب السودان ورواندا، وهو سد مختلف عن السدود التقليدية الأخرى، فهو لا يُكَّون خزان، بمعني أنه يقوم بعمل حاجز ويضع التوربينات ويعتمد في تشغيلها على جريان مياه النهر، وليس على سقوط المياه من أعلي إلى أسفل كما يحدث في السدود التقليدية.

وأوضح أن هذا السد سيعتمد على قوة اندفاع أو جريان مياه النهر وسيكون بدون خزان، وبالتالي فإن هذه المواصفات التي يتمتع بها السد لن تؤدي إلى أضرار أو مشكلات مائية كبيرة على مصر.

ورغم تأكيد شراقي على أن سد فولا لن ينتج عنه أضرار على بلاده بتصميمه الحالي، إلا أنه أكد على أهمية عرض تفاصيله بالكامل على مصر لمعرفة تداعياته المحتملة، موضحاً أن مواصفات السد من الوارد أن يحدث بها تغيرات، كما حدث في سد النهضة الإثيوبي، حيث كانت مواصفاته في الدراسة الأميركية عام 1964 غير التي نُفذ بها على أرض الواقع وبتصميمه الحالي.

وأشار إلى أن مصر قد يكون لديها بعض المعلومات الخاصة بسد فولا، لكن يجب وأن تحصل على كافة البيانات والتصميمات الخاصة به بشكل دقيق، خصوصاً فيما يتعلق بتحديد موقعه والمواصفات الخاصة بارتفاعه وطوله، بما يسمح بتقييم حجم التأثيرات المحتملة، وتجنب تكرار أزمة "سد النهضة" الإثيوبي.

غير أن أستاذ القانون الدولي العام الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية الدكتور محمد مهران، أوضح أن الموافقة المصرية على سد فولا ليست منحةً سياسية، بل نتيجة طبيعية لتطبيق الآليات القانونية الدولية الصحيحة، وهي الإخطار المسبق والتشاور الجاد وإجراء دراسات التأثير المشتركة المنصوص عليها في المواد من 11 إلى 19 من اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية لعام 1997، مشيراً إلى أن مصر حين أُجريت الدراسات الهيدرولوجية الدقيقة وتبيّن أن الآثار مقبولة لم تتردد في الموافقة لأن موقفها قائم على العلم والقانون لا على المعارضة المطلقة.

هل يشكل سد فولاً خطراً مائياً حقيقياً على مصر؟ 

وأضاف مهران أن الفارق الهيدرولوجي الجوهري بين سد فولا وسد النهضة يتجلى في 3 محاور متمايزة تتمحور في الآتي:

  • الأول أن سد فولا يقع على النيل الأبيض الذي لا يُسهم بأكثر من 15% من الإيراد السنوي الإجمالي للنيل عند أسوان, بينما يقع سد النهضة على النيل الأزرق الذي يُسهم بـ85% من هذا الإيراد وهذا الفارق جوهري.
  • الثاني أن سد فولا بطاقة 1,080 ميغاواط مشروع كهرومائي تدفقي، بينما سد النهضة بطاقة تخزينية تبلغ أكثر من 70 مليار متر مكعب مشروع ضخم للتخزين يتحكم في التدفقات على مدار السنة.
  • الثالث أن الدراسات الهيدرولوجية أثبتت أن آثار فولا على الحصة المصرية ضمن الحدود المقبولة، بينما أثبتت الدراسات المتاحة أن سد النهضة يُقلّص الحصة المصرية بصورة جسيمة لم تُحسم تفاصيلها حتى اليوم.

وأكد مهران أن موافقة مصر على سد فولا تُسقط إسقاطاً نهائياً الادعاء الإثيوبي بأن القاهرة تعارض التنمية في أفريقيا، وترفض إقامة السدود وتسعى لإبقاء إثيوبيا محرومة من التنمية المائية، كما أن القاهرة وافقت على 36 مشروعاً مائياً أفريقياً بعد إجراء دراسات جدية وهذا الرقم وحده يُفنّد الادعاء.

ونوه أن سد فولا بموافقته الرسمية يُقدّم للعالم النموذج الصحيح للتعامل مع مشروعات التنمية على الأنهار الدولية، وأن مصر حاضرة وبقوة في هذا النموذج ومستعدة للموافقة على كل مشروع يحترم القانون الدولي المائي، ويُجري الدراسات اللازمة ويمنح دول المصب حقها في التشاور والتقييم، وهي الرسالة التي يجب أن تصل لأديس أبابا قبل أن تُعلن سدودها الثلاثة الجديدة.

وبشأن موقف مصر من مشروعات السدود في دول حوض النيل، بين أستاذ الموارد المائية والري بجامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي، أن المخاوف المصرية لا ترتبط ببناء السدود في حد ذاتها طالما تتم مراعاة الاتفاقات والحقوق المائية، مشيرًا إلى أن مصر سبق أن ساهمت في تنفيذ سدود داخل السودان، مثل سد "جبل أولياء" على نهر النيل الأبيض حيث قامت القاهرة ببنائه في عام 1937.

ولفت أن بلاده تدعم أي مشروعات في دول حوض النيل، حتى لو كانت مائية، لكن يجب وأن تكون بلا ضرر وهذا هو شرط القاهرة الوحيد في إقامة تلك المشروعات.

‏‎وتجدر الإشارة إلى أن مشروع سد فولا يكتسب حساسية خاصة بالنسبة للقاهرة، كونه أحد المشروعات المقترحة على مجرى النيل الأبيض، في وقت تتمسك فيه القاهرة بمبدأ التشاور وعدم اتخاذ إجراءات أحادية على النيل يمكن أن تؤثر في مصالح دول حوض النيل بينما تؤكد دول المنبع حقها في استغلال مواردها المائية لأغراض التنمية.

(المشهد - مصر)