تصنيف "الحرس الثوري".. هل يمهّد قرار أوروبا لإعادة تشكيل النظام الإيراني؟

شاركنا:
الاتحاد الأوروبي يصعّد ضد طهران و"الحرس الثوري" على قائمة الإرهاب (أ ف ب)
هايلايت
  • الاتحاد الأوروبي يصعّد ضد طهران بتصنيف "الحرس" على قوائم الإرهاب.
  • مراقبون: الخطوة الأوروبية هي لترتيب مرحلة ما بعد المواجهة الأميركية.
  • التنسيق بين أوروبا وواشنطن يمهد لهيكلة المؤسسة العسكرية بإيران.

يصنف الاتحاد الأوروبي رسميًا الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، في خطوة تحمل بعدين متوازيين: الأول، رد مباشر على القمع الدموي الأخير داخل إيران، والثاني، كإجراء استباقي يمهّد لاحتمالات أيّ مواجهة أميركية مستقبلية، ويعزّز التنسيق مع واشنطن، ويفتح الباب أمام إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية الإيرانية وتقليص نفوذ "الحرس" داخليًا وخارجيًا، بحسب مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد".

إجماع أوروبي

ومع إدراج الاتحاد الأوروبي "الحرس الثوري" على قائمة المنظمات الإرهابية، اليوم، فثمة إجماع سياسي بين دول التكتل على تشديد العقوبات على إيران، الأمر الذي يشمل فرض حزمة عقوبات جديدة تطاول أفرادا وكيانات متورطين في قمع المحتجين ودعم روسيا في الحرب الأوكرانية. 

وكانت مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد كايا كالاس، قد صرحت، قبيل اجتماع وزراء خارجية أوروبا في بروكسل، بأنه "عندما يتصرف (طرف) كإرهابي، عليه أن يتوقع أن يُعامل كإرهابي"، وقالت إن التصنيف سيضع "الحرس" في المربع ذاته لتنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش".

طبيعة الهدف

وفي حديثه لـ"المشهد" يقول مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات الدكتور محمد الزغول، إنه لا يمكن تقييم التوجه الأوروبي لتصنيف "الحرس الثوري" الإيراني منظمة إرهابية من دون تحديد المنطلق والغاية السياسية التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى هذا الخيار، لافتا إلى أن طبيعة الهدف تحدد معنى القرار: هل هو امتداد لحملة الضغوط القصوى على طهران، أم خطوة استباقية لترتيب مرحلة ما بعد أي مواجهة أميركية إيرانية محتملة؟

ويقول الزغول: "إذا كان المقصود استكمال حلقة الضغط على إيران، فإن القرار يبدو متأخرا، إذ إن المشهد الإقليمي تجاوز بالفعل مرحلة الضغوط التقليدية، مع اقتراب الولايات المتحدة من حافة مواجهة مباشرة مع النظام الإيراني ككل، ومع "الحرس الثوري" بوصفه العمود الفقري للقوة العسكرية الإيرانية".

وفي هذا السياق، لن يضيف التصنيف الأوروبي عنصر ضغط نوعيا، وفق الزغول، إذ تواجه طهران بالفعل مستوى غير مسبوق من التوتر العسكري والسياسي، ما يجعل تأثير القرار محدودًا مقارنة بحجم الأزمة القائمة.

لكن قراءة أخرى تمنح الخطوة الأوروبية بعدًا مختلفًا، وفق الزغول، موضحا أنه في حال فُهم القرار باعتباره تمهيدا سياسيا لمرحلة ما بعد المواجهة الأميركية الإيرانية، فإنه يتحول من إجراء متأخر إلى "تحرك استشرافي".

وتابع: "التصريحات الصادرة عن قيادات أوروبية، خصوصا في ألمانيا، والتي تتحدث عن أن النظام الإيراني يعيش "أيامه الأخيرة"، توحي بأن العواصم الأوروبية بدأت التفكير في شكل إيران ما بعد الصدمة المحتملة، وفي كيفية إعادة صياغة بنيتها السياسية والعسكرية".

أداة لوضع خطوط حمراء

من ثم، يمكن النظر إلى تصنيف "الحرس" كـ"أداة لوضع خطوط حمراء" أمام أي ترتيبات مستقبلية، بحيث يُستخدم القرار بوصفه "ورقة ضغط" لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية الإيرانية. والهدف الضمني هنا ليس القضاء الفوري على قدرات "الحرس الثوري"، وهو أمر غير واقعي، بل دفع ما قد يتبقى من النظام الإيراني نحو خيار دمج "الحرس" في الجيش النظامي أو تفكيك بنيته الأيديولوجية والعسكرية تدريجيًا، كما يوضح مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات.

ويردف: "هذا السيناريو يفترض، بطبيعة الحال، تحقق شروط معقدة، منها تحييد القيادة الإيرانية الأكثر تشددا، تعاون جزء من النخبة السياسية مع ترتيبات دولية جديدة، وقبول تغييرات هيكلية عميقة في بنية الدولة. وهي مقاربة تذكّر بتجارب إقليمية أخرى، مثل الضغوط التي مورست لدمج قوى ميلشياوية في جيوش نظامية، سواء في العراق أو في سياقات أخرى بالمنطقة".

كما يرتبط القرار الأوروبي، ضمن هذه القراءة، بتوجه أوسع يسعى إلى تقليص ظاهرة الميليشيات في الشرق الأوسط، باعتبارها أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار الإقليمي. فـ"الحرس الثوري" يُنظر إليه باعتباره المرجعية التنظيمية والعقائدية التي ألهمت عددًا كبيرًا من التشكيلات المسلحة في المنطقة.

أقصى ضغط

من جهته، يؤكد الباحث المختص في الشأن الإيراني بالمعهد الدولي للدراسات الإيراني (رصانة) الدكتور محمود أبو القاسم، أن التصنيف الأوروبي يبدو مرتبطًا بتورط "الحرس" في قمع الاحتجاجات الأخيرة، ومقتل الآلاف بحسب ما وثقت التقارير الحقوقية، في سابقة لم تشهدها إيران من قبل.

ويقول أبو القاسم إن تصنيف "الحرس" يساهم في دعم "الحراك وربما الدفع بتغيير النظام من الداخل، إلى جانب كونه وسيلة ردع لتخفيف وطاة القمع بحق المحتجين".

وبحسب أبو القاسم في حديثه لـ"المشهد" فإن "الموقف الأوروبي  يتصل بدواع تسبق الواقع الراهن، حيث يعتبر "الحرس الثوري" مسؤولا رئيسا عن توجيه السياسة الخارجية الإيرانية، بما في ذلك سياسة التعتيم النووي التي يتبعها النظام، وإخفاء مصير اليورانيوم المخصّب، وهو ما يعتبر مصدر قلق أوروبي كبير، فضلًا عن دوره الإسنادي بالمسيّرات في الحرب الأوكرانية إلى جانب روسيا".

ويضيف: "هذا التصنيف سيزيد من الخناق على "الحرس"، وسوف يقود إلى تعقب مسؤوليه في الخارج، حيث يعرضهم للتوقيف والمساءلة، خصوصًا أن "الحرس" يلعب دورا بارزا على الساحة الأوروبية مستفيدا من الغطاء الدبلوماسي، إذ ينشط عبر مراكز دينية دعوية وثقافية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني التي هي بخلاف ما يبدو ظاهريًا تؤدي أدورًا سياسة وأمنية وعسكرية تهدد الساحة الأوروبية".

طهران مقابل غرينلاند

ولئن يتفق الباحث السابق في مركز مكافحة الإرهاب في "ويست بوينت" جو معكرون، مع سابقيه بشأن التطورات التي شكلت أساس التوجه الأوروبي لتصنيف "الحرس الثوري" الإيراني كمنظمة إرهابية، فإنه يرى أن هذا التوجه ضمن "محاولة أوروبية لتوحيد الموقف مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الملف الإيراني مقابل إيجاد حلول تفاوضية وتسوية بشأن ملف آخر هو أزمة جزيرة غرينلاند، بما يخفف من الضغوط المتبادلة"، ويؤسس لتنسيق في قضية تحمل "قواسم مشتركة" بينهما حول التعامل مع طهران.

ويقول معكرون لـ"المشهد": "تعكس الخطوة الأوروبية أيضًا قلقًا من الوضع الداخلي في إيران، ومحاولة للحفاظ على توازن في التعامل مع الملف النووي المتوقف حاليًا، بعد توقف المفاوضات بين طهران والدول الكبرى".

ويختتم حديثه قائلًا إنه بـ"رغم أن التصنيف الأوروبي قد لا يحمل وزنًا كبيرًا في التأثير على السياسة الإيرانية على المدى القصير، إلا أنه يزيد من الضغط الدولي على إيران في هذه المرحلة الحساسة. فيما يسعى الأوروبيون من خلال هذه الخطوة إلى تقريب المواقف مع واشنطن، وضمان التوافق على إدارة الأزمة الإيرانية بما يوازن بين الضغوط الخارجية والمخاطر الإقليمية". 

(المشهد)