تبعث زيارة رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد إلى لبنان، الاثنين، بعد لقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو، وكذلك قيادات فلسطينية منهم نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، برسائل عديدة، وفق محللين تحدثوا لـ"المشهد"، موضحين أن الزيارة تأتي في "توقيت بالغ الدقة"، بوصفها امتدادا لدور القاهرة المركزي في أعقاب نجاحها تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب بقطاع غزة، وضمن سياق إقليمي متشابك تتداخل فيه ملفات غزة ولبنان سياسيا وأمنيا.
مخاطر الحرب
فالزيارة تُعد جزءا من مسعى مصري دبلوماسي يهدف إلى منع انزلاق لبنان إلى مواجهة عسكرية شاملة، في ظل مؤشرات على رغبة إسرائيلية لنقل التصعيد شمالا نحو "حزب الله" بعد الهدوء النسبي في غزة، بحسب المصادر.
في ما يبدو أن القاهرة، التي تتحرك بفاعلية في الإقليم وبين المحاور المتنازعة، تحاول استثمار الزخم المحيط باتفاق غزة لفتح مسار مواز نحو تسوية الملف اللبناني، استنادا إلى قناعة بأن استقرار الجبهة الجنوبية لا يمكن فصله عن استقرار الشمال.
بالمقابل، تترقب الأوساط السياسية اللبنانية مضمون الرسالة التي يحملها رئيس المخابرات المصرية، والتي يُعتقد أنها تحذير من مخاطر اندلاع حرب تؤزم الوضع الإقليمي، مجدداً، بحسب المصادر ذاتها.
وقال السفير المصري في بيروت، علاء موسى، اليوم الاثنين، إن مصر تصطف مع رؤية ومقاربة الرئيس اللبناني جوزيف عون بخصوص حصر السلاح.
وإثر لقاء جمع الرئيس عون بالسفير المصري، نقلت الرئاسة اللبنانية عن الأخير قوله: "زيارة مدير المخابرات المصرية تدخل في إطار التنسيق الأمني والسياسي مع لبنان، ومصر تبذل جهودا لتهدئة الأوضاع"، موضحا أن "ما يحدث من تطور في الاعتداءات الإسرائيلية في مداها ووتيرتها يدعونا للتحوط مما يجري".
كما شدّد السفير علاء موسى على أن "مصر تدعم مواقف رئيس الجمهورية في حصرية السلاح ولطرحه استعداد لبنان للدخول في مفاوضات"، مضيفا أن "مصر تقف إلى جانب مقاربة الرئيس بشكل كامل وواضح وتمد يد العون في هذا المجال".
إذا، تكتسب الزيارة أهميتها لكونها تتقاطع مع أحد أبرز الملفات ضمن تداعيات حرب غزة، إذ ترتبط الترتيبات الأمنية والسياسية لاتفاق وقف إطلاق النار في القطاع ارتباطا وثيقا بما يجري في لبنان، ضمن "رؤية إستراتيجية" ترى أن تشابك الملفات والأطراف الإقليمية يجعل من الصعب فصل مسار عن آخر، بحسب ما يرى الباحث في الشؤون السياسية والأمن الإقليمي الدكتور مصطفى صلاح، في حديثه لـ"المشهد"، وقال إن التصعيد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني وعودة وتيرة الاستهدافات العسكرية دفعا القاهرة إلى التحرك بالتوازي مع جهود تثبيت اتفاق غزة، في محاولة لضبط التوازن الإقليمي ومنع توسع دائرة المواجهة.
ومن جانب آخر، ثمّة ضرورة إلى "سد الفراغ على إسرائيل في الملف اللبناني مع إمكانية أن تكون القاهرة أحد الأطراف الفاعلة في تسوية هذا الملف، وتحاول أن تستغل الزخم حول اتفاق غزة لوضع نهاية للملف اللبناني"، خصوصا أن هذه الزيارة جاءت في غضون أيام قليلة من لقاء رئيس المخابرات المصرية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي. من ثم فإن هذه الزيارة تهدف في مجملها إلى محاولة لعب "دور الوسيط" في الترتيبات المحتملة خصوصا بعدما فشل التوصل إلى تحقيق مبدأ "حصرية السلاح" في يد الدولة، بحسب ما يقول صلاح.
ويمكن القول إن هذه الخطوة لا تأتي بعيدا عن دور اللجنة الخماسية المعنية بدعم لبنان في نشاطها العام، ولكن هذه الخطوة تتجلى في أوسع صورها بأنها تعد "قفزة للأمام في مسار الدبلوماسية المكوكية" وبحث فرص التواصل المباشر بين لبنان وإسرائيل عبر القاهرة، وفق الباحث المختص في الشؤون السياسية والأمن الإقليمي، لافتا إلى أن الملف الفلسطيني لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تداعياته الإقليمية. كما تؤشر هذه الزيارة إلى الاستقرار الذي ترتب على اتفاق غزة، ومن ثم الانتقال إلى معالجة الملفات الأخرى ذات الصلة بهذا الملف.
مضمون الرسالة
يتفق والرأي ذاته، الكاتب السياسي اللبناني أسعد بشارة، والذي يرى أن زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى بيروت تأتي في توقيت "بالغ الحساسية" إقليميا ولبنانيا، مؤكدا لـ"المشهد" أن الزيارة هي "بلا شك امتداد للجهد المصري الكبير الذي نجح في تثبيت اتفاق وقف الحرب بغزة"، الأمر الذي يجعل الانتقال إلى لبنان "ضرورة لتسوية الأزمة في الجنوب ووضع حد لها لمنع أو بالأحرى تفادي الوصول إلى الحافة مجددا"، لذلك "تترقب الأوساط اللبنانية بدقة مضمون الرسالة التي يحملها رئيس المخابرات العامة المصرية، والتي تبدو عاجلة وملحة، بينما تتعلق بخطر تجدد الحرب الإسرائيلية وانتقالها إلى لبنان".
ويردف: "مصر، بما تمثله من ثقل عربي، إقليمي دولي، توسع دورها في المنطقة بينما تسعى بوضوح إلى منع انزلاق لبنان إلى مواجهة عسكرية شاملة، إدراكا منها بأن أي حرب جديدة لن تبقى محصورة في الجنوب، بل ستفتح أبواب انفجار إقليمي واسع. من هنا، تقع المسؤولية على الدولة اللبنانية بمؤسساتها كافة لالتقاط هذه الرسالة والتصرف بسرعة وجدية، عبر تعزيز موقفها الرسمي الموحد، ونشر الجيش على الخط الأزرق، والالتزام بتنفيذ اتفاق وقف النار والقرارات الدولية ذات الصلة".
فمع الهدوء النسبي في غزة، يفكر نتانياهو في استكمال الحرب تحديدا لنقل المعركة نحو لبنان بهدف نزع سلاح "حزب الله"، بما يضع لبنان أمام "لحظة مفصلية" تتطلب موقفا سياديا حازما، وإدارة مسؤولة للأزمة، وفق الكاتب السياسي اللبناني، مؤكدا أن المطلوب هو تعامل لبنان مع هذه الزيارة ليس فقط "كبادرة دعم، بل كإنذار دقيق لمخاطر المرحلة وضرورة بناء شبكة أمان داخلية، سياسية وأمنية ودبلوماسية، تحصن البلد قبل فوات الأوان".
(المشهد)
