على غير السائد المتوارث لدى غالبية الفرنسيين يفاجئ عالم الآثار الفرنسي جون بول ديمول أبناء شعبه بأنهم ليسوا من الأسلاف الغاليين، وبأن الشعب الفرنسي خليط من جماعات مختلفة، ويؤكد ديمول أن العرب والمسلمين ليسوا مهاجرين طارئين في العقود الأخيرة بل هم من نسيج الشعب الفرنسي منذ قرون طويلة.
Watch on YouTube
"أسلافنا الغاليون"
ديمول شرح الأمر خلال استضافته في برنامج "50 دقيقة" الذي يعده ويقدمه الزميل محمد أبو عبيد على قناة ومنصة "المشهد"، ويقول: "في الواقع، لم يصبح الغاليون يُعدّون أسلافًا للفرنسيين إلا في أواخر القرن الـ19، فنحن لا نعرف الغاليين إلا من خلال شهادات المؤرخين اليونانيين والرومان الذين صوّروهم على أنهم أشبه بالمتوحشين يعيشون في أعماق الغابات، ويقاتلون عراة، ولا يحلقون لحاهم خلافًا لليونانيين والرومان. كما أن الغاليين هُزموا في النهاية على يد الرومان، ولذلك كان من الصعب أن تبدأ قصة وطنية بهزيمة، لهذا السبب، كان ملوك فرنسا يقولون إنهم ينحدرون من ملوك مدينة طروادة المذكورة في ملحمة الإلياذة لهوميروس، بينما ادّعى النبلاء الفرنسيون أنهم ينحدرون من الفرنكيين أتباع كلوفيس، وهم شعوب جرمانية استقرت في فرنسا في أواخر القرن الـ5 الميلادي، وبالتالي لم يكن الغاليون يثيرون اهتمامًا كبيرًا سوى لدى بعض العلماء..
ويقول ديمول إن الفرنسيين لم يقتنعوا تماما بهذه الفكرة حتى اليوم؛ فعبارة "أسلافنا الغاليون" تُقال أحيانًا على سبيل الدعابة، كما يظهر في القصص المصورة الشهيرة "أستريكس" التي تصوّر مقاومة مجموعة صغيرة من الغاليين للرومان بطريقة ساخرة. ولم تعد فكرة الغاليين إلى الواجهة بقوة إلا خلال الاحتلال الألماني لفرنسا بين 1940 و1944، حين استُخدمت سياسيًا لتبرير التعاون مع المحتل.
وبحسب ديمول فإن الأدلة الأثرية تُظهر أن بلاد الغال كانت تضم نحو 60 مدينة-دولة صغيرة مستقلة، غالبًا ما كانت تتحارب فيما بينها، ولكل منها عملتها الخاصة. لذلك فإن فكرة وجود هوية قومية غالية موحّدة هي خطأ تاريخي عميق.
بعد ذلك، ومع تفكك الإمبراطورية الرومانية منذ القرن الـ4، دخلت شعوب جرمانية إلى أراضيها واختلطت بها تدريجيًا. ومن هذه الشعوب الفرنكيون الذين توسّعوا بقيادة كلوفيس، واستقروا في جزء من فرنسا الحالية. لكن عددهم كان قليلًا مقارنة بسكان بلاد الغال الرومانية، ولذلك اندمجوا ثقافيًا ولغويًا حتى اختفت لغتهم تقريبًا، وبقي اسمهم فقط في لقب "ملك الفرنكيين" الذي أصبح لاحقًا أساس اسم فرنسا.
وردا على سؤال الزميل أبو عبيد بخصوص الوجود العربي والمسلم في فرنسا يجيب عالم الآثار ديمول بأنه حين عبرت جيوش طارق بن زياد مضيق جبل طارق في القرن الثامن الميلادي، استقرت في إسبانيا وفي أجزاء من جنوب فرنسا مثل ناربون، وقد عُثر على قبور إسلامية ونقوش عربية في جنوب فرنسا، ما يدل على وجود عربي-إسلامي استمر قرونًا ونتجت عنه اختلاطات سكانية وتجارية، خصوصًا في مدينة مرسيليا. وكانت العلاقات في كثير من الأحيان سلمية وليست صدامية دائمًا.
كما أُعيد تفسير أحداث تاريخية لاحقًا لأغراض أيديولوجية، مثل قصة شارلمان التي حُوّلت في زمن الحروب الصليبية إلى صراع مع المسلمين على الرغم من أن المصادر الأصلية تشير إلى أنه تدخّل بطلب من أمراء مسلمين في صراعات داخلية.
وخلال تلك الفترات حدث تفاعل ثقافي كبير، وانتقلت نصوص يونانية ولاتينية إلى أوروبا عبر العلماء العرب، كما دخلت مئات الكلمات ذات الأصل العربي إلى اللغة الفرنسية.
الإنسان العاقل نشأ في إفريقيا
ينتقل الحوار في الحلقة إلى موضوع جدلي يتعلق بالأعراق البشرية فيفسر ديمول بأنه من منظور أوسع، فإن البشرية كلها تنتمي إلى نوع واحد هو الإنسان العاقل الذي نشأ في إفريقيا وتحديدا في المغرب قبل نحو 300 ألف سنة، ثم هاجر إلى بقية أنحاء العالم. وما يُسمّى بالأعراق ليس إلا اختلافات جغرافية ناتجة عن التكيّف مع البيئة، مثل لون البشرة المرتبط بكمية أشعة الشمس.
وردا على سؤال بخصوص تشكل اللغات الأوروبية يقول ديمول بأن هذه اللغات تنتمي في معظمها إلى العائلة الهندوأوروبية، باستثناء بعض اللغات مثل الباسكية والفنلندية والإستونية، وهذه اللغات نشأت عبر عمليات معقدة من الهجرات والاختلاط على مدى آلاف السنين، وليس نتيجة شعب واحد فرض لغته على الجميع.
وتطرق الحوار إلى المتاحف الأوروبية، فيؤكد ديمول بأنها أنشئت بطرق مختلفة، أحيانًا بالشراء وأحيانًا بالقوة خلال الحقبة الاستعمارية، وهناك اليوم إدراك متزايد بضرورة إعادة بعض القطع إلى بلدانها الأصلية. ويعد متحف اللوفر أبوظبي مثالًا على متحف عالمي تأسس بطريقة تعاونية سلمية.
ويقول ديمول إن علم الآثار يمكن أن يُساء استخدامه لخدمة الأيديولوجيات القومية، لكنه حين يُمارس علميًا فإنه يفكك الأساطير الوطنية ويكشف تعقيد التاريخ. كما يشير إلى أن الزراعة التي ظهرت قبل عشرة آلاف سنة غيّرت مسار البشرية جذريًا، وأن فهم التاريخ يتطلب النظر إلى التفاعل بين الحضارات لا إلى تفوق حضارة على أخرى.
فلا توجد حضارة أسمى من أخرى؛ فكل مجتمع أسهم بشيء في تاريخ الإنسانية، حتى لو ارتبط أحيانًا بأحداث سلبية.
ويختم ديمول بالقول إن الثقافة العربية-الإسلامية أسهمت إسهامًا كبيرًا في الحضارة الإنسانية، ماديًا وعلميًا وأدبيًا، وأن التفاعل بين الحضارات هو القاعدة الأساسية في تاريخ البشر.
(المشهد)