غزة أمام شتاء قاس.. خيام يهدّدها الغرق وجوع يتربص بالنازحين

آخر تحديث:

شاركنا:
نازحون في غزة مهددون بالفيضانات مع اقتراب الشتاء (رويترز)
هايلايت
  • مدير شبكة المنظمات الأهلية في غزة أمجد الشوا: الشتاء والفيضانات يحوّلان مخيمات غزة إلى برك عائمة وموبوءة.
  • المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة: أزمة الإيواء بغزة تصل منعطفا كارثيا 90% من السكان نازحون.
  • صرخة من مخيمات القطاع لمنصة "المشهد": بين فيضانات الشتاء وسلال الغذاء الفارغة، شبح المجاعة يلاحقنا مجددا.

يطلّ الشتاء هذا العام على الفلسطينيين في قطاع غزة، من ثقوب الخيام لا من نوافذ البيوت، يحمل في طياته فصولا من المعاناة التي تتجه نحو الأسوأ، وأمطار يعرف النازحون موعدها قبل أن تهطل، إذ تعيد المشهد المأساوي ذاته في تفاصيل حياتهم اليومية، أرضيات تغرق، وأغطية تبتل، وأطفال يلتفون حول لا شيء.

في غزة تحولت الخيمة إلى بيت لا جدران له، والغطاء البلاستيكي إلى سقف لا يحمي.

ويقف النازحون أمام السماء كلما تكدست بالغيوم، يحصون ما تبقّى لديهم من طحين وبطانية قبل أن يدهمهم المنخفض الأول، وفي كل زاوية من زوايا القطاع، تتجدد المعاناة، عائلات تعيد ترتيب أكياسها المبلّلة بعد كل هطول، وأمهات يضعن أطفالهنّ في منتصف الخيمة بعيدا عن الأطراف التي تنفذ منها المياه، وشيوخ يبحثون عن حجر يثقلون به سقفا لم يعد يحتمل.

ومع ما كشفته الأمم المتحدة من أنّ نحو 950 ألف نازح يعيشون في مواقع معرضة لمخاطر الفيضانات، فإنّ ما أظهرته يتجاوز الأرقام، بل عن مئات آلاف الأسر التي تقف عاجزة عن تأمين أبسط مستلزمات الإيواء، في ظل تقديرات تشير إلى أنّ نحو 60% من الخيام أصبحت مهترئة وغير صالحة للاستخدام، ولا تغطي الإمدادات المتاحة سوى أقل من خمس الاحتياجات لنحو 300,000 عائلة بحاجة إلى مساعدة إيواء شتوية.

وبحسب مصادر ميدانية لمنصة "المشهد"، "تتركز المخاطر في مواقع نزوح منخفضة عن مستوى الشوارع المحيطة، حيث تتحول أرضيات الخيام إلى برك موحلة مع كل هطول، وتتكدس العائلات في مساحات ضيقة لا توفر أيّ حماية من الرياح أو الصقيع".

ومع اقتراب المنخفضات الجوية، اتسعت دائرة الخطر لتتجاوز ما تحمله الغيوم، حيث أعلن برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته بالثلث، ليشمل التخفيض حرمان 500,000 شخص من الدعم الشهري، وتقليص الحصص الغذائية للنصف، وتقليل الوجبات الساخنة بمقدار 100,000 وجبة يوميا، وهكذا يواجه الناجون من القصف، شتاءً رابعا بلا مأوى يحميهم، ولا طعام يسدّ رمق أطفالهم، ولا يقين بصمود خيامهم حتى الصباح.

تفاقم أزمة الإيواء في غزة

مع اقتراب دخول فصل الشتاء، يواجه قطاع غزة برمّته أزمة إيواء غير مسبوقة، إذ كشفت أحدث البيانات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، أنّ الإمدادات الحالية من مواد الإيواء تغطي فقط 17% من احتياجات الشتاء، ما يعني أنّ ما يقرب من مليوني شخص يواجهون شتاءهم الرابع من دون مأوى آمن، وتضطر العائلات النازحة إلى سكن خيام ممزقة، مع افتقادها لكل الخدمات الأساسية.

"هذه خيمتي البائسة بعد أن تسببت الحرب بدمار منزلي في جباليا، وهذه رحلة نزوحنا السابعة التي نواجه فيها المجهول"، بصوت كئيب يملؤه التوجس مع اقتراب فصل الشتاء، يشكو فراس ماضي لمنصة "المشهد"، من انعدام مقوّمات العيش والبقاء في مخيم النزوح بمدينة غزة، قائلا: "في الشتاء الماضي، عصف الريح بخيمتي واقتلعها، وأغرقت أمطار الشتاء كل ما نملك من متاع، مجددا تقف خيمتنا البالية عاجزة أمام قسوة الطقس، وأعلم يقينا أنني وعائلتي لا نملك القدرة على الصمود أمام منخفض جوي آخر، في ظل انقطاع الدعم والمساعدات".

من جانبها، وصفت المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة، عزيزة الكحلوت، لمنصة "المشهد"، بأنّ"الوضع المعيشي والغذائي يشهد تدهورا كارثيا إثر تفاقم حاد في الأزمة الإنسانية والأمن الغذائي، وذلك من جرّاء العراقيل الإسرائيلية التي تحول دون تدفق المساعدات، بالتزامن مع انحسار عمليات المنظمات الإغاثية الدولية والأممية."

وأكدت الكحلوت "للمشهد"، بأنّ "أزمة الإيواء في قطاع غزة تفاقمت لتصل إلى مرحلة فظيعة، نتيجة التدمير الممنهج للمنازل، والنزوح القسري المستمر، وإزاحة الخط الأصفر نحو الداخل، بالتزامن مع الحظر الإسرائيلي المتواصل لدخول مستلزمات الإيواء الأساسية"، وأضافت قائلة: "تضافرت عوامل عدة أدت إلى تصاعد أزمة الإيواء وتفاقمها بشكل كارثي، أبرزها الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية، وتضرر أو تدمير أكثر من 60% من الوحدات السكنية، ما تزامن مع موجات نزوح قسري واسعة النطاق، أجبرت أكثر من مليون و900,000 شخص أي نحو 90% من السكان على مغادرة منازلهم، ليواجهوا عجزا حادا في مراكز الإيواء، وشحًّا شديدا في المستلزمات الأساسية".

شبح المجاعة يطرق الأبواب مجددًا

في انتكاسة إنسانية جديدة تهدد بعودة خطر المجاعة إلى قطاع غزة، دخل قرار برنامج الأغذية العالمي حيّز التنفيذ بتقليص عملياته الإغاثية بسبب أزمة التمويل الخانقة، ما أدى إلى خروج نصف مليون مستفيد فلسطيني بالكامل من مظلة الدعم الإنساني.

ويأتي هذا التراجع الحاد، لينخفض عدد المستفيدين في القطاع من مليون و600,000 إلى مليون و100,000 شخص شهريا، وسط تحذيرات أممية من انهيار المكاسب الهشة للأمن الغذائي، وتعميق الأزمة المعيشية مع بدء فضل الشتاء والدمار الواسع الذي يعانيه السكان هناك.

تتصاعد مخاوف الجوع بين آلاف العائلات في قطاع غزة عقب قرار برنامج الأغذية العالمي بتقليص مساعداته الحيوية، وهو ما ترجمه فلسطينيون في القطاع بشكاوى مريرة لمنصة "المشهد"، تعكس عمق الأزمة المعيشية الحالية.

"الخوف من الجوع يلاحقنا في كل لحظة، والترقب ينهش قلوبنا"، بهذه الكلمات يعبّر حسين ياغي عن حاله في خيم النزوح بمواصي خان يونس، مضيفا: "أعيش ظروفا نفسية واقتصادية خانقة لا يعلم بها إلا الله، أجد نفسي عاجزا وأنا أرى عائلتي المكونة من 8 أفراد تنتظر مني تأمين قوت يومها، والأصعب من الجوع هو شعور قلة الحيلة تجاه 2 من أبنائي المرضى يصارعان الألم أمامي، وهما بأمسّ الحاجة لعلاج لا أملك ثمنه".

خطر الجوع يدق أبواب غزة من جديد، مخاوف متزايدة يبديها الأهالي هناك، إثر تقليص برنامج الأغذية العالمي لمساعداته الإنسانية والحصار الذي تفرضه إسرائيل على المعابر.

"التقليص يعني بالنسبة لنا الحرمان من لقمة العيش"، هكذا تلخص علياء أبو رمضان جزءا من معاناتها وأطفالها الـ5 في خيمة النزوح بمدينة غزة، والتي تصفها بالمهترئة وغير الصالحة للعيش، تقول: "أنتظر كوبون الغذاء العالمي لشهرين متواصلين وربما أكثر، ليساعدني على إعالة أطفالي وأسرتي، فعليا نعيش بالحد الأدنى، أطهو العدس على النار، وأصنع الخبز من كيس الدقيق المتاح، وفي أغلب المرات لا يتوافر، أما الآن، فقد تبخّر هذا الأمل، وأعيش رعبا حقيقيا حول مصير أطفالي الذين لا ذنب لهم".

مخيمات تواجه الغرق

بين قسوة النزوح ومخاوف الغرق، يعيش عشرات الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة، فصلا جديدا من المعاناة داخل مخيمات من القماش والبلاستيك، أقيمت في مناطق منخفضة ومجاري سيول، ومع اقتراب موسم الأمطار، تحولت هذه التجمعات العشوائية إلى مصيدة حقيقية تهدد حياة آلاف الأطفال والنساء، وسط تحذيرات محلية ودولية من فيضانات وشيكة قد تجرف ما تبقّى من ملاذاتهم الهشة.

تتزايد المخاوف الإنسانية في قطاع غزة مع توالي التحذيرات من فيضانات شتوية وشيكة قد تغمر خيام النازحين، في ظل تدمير كامل للبنية التحتية، وللوقوف على أبعاد هذه الأزمة.

ويوضح مدير شبكة المنظمات الأهلية في غزة، أمجد الشوا، الأحوال الميدانية لمنصة "المشهد"، قائلا: "مع اقتراب فصل الشتاء، تحذير الأمم المتحدة لا يحتمل التأجيل، قرابة 950,000 نازح في غزة يعيشون في مواقع مصنفة بين متوسطة وعالية الخطورة للفيضانات، من بينهم أكثر من 400,000 في مناطق عالية الخطورة، هذه ليست أرقاما على ورق، إنها خيام مثبّتة على أرض منخفضة، في مناطق لا تجد فيها المياه طريقا للتصريف، وحين تهطل الأمطار تتحول الأرض التي يأوون إليها، إلى برك موحلة تبتلع ما تبقى من حياتهم، الإمدادات المتاحة لا تكفي لتغطية سوى نسبة ضئيلة من احتياجات الإيواء الشتوي، ونحن نعلم وبقية الجهات الإغاثية، أنّ ما بين أيدينا لا يكفي لانتشال هؤلاء الناس من تحت المطر"

لم تعد الأمطار في غزة غيثا، بل غدت نذير كارثة تتهدد مئات الآلاف من النازحين في خيام تفتقر لأدنى مقومات الحماية، وهو ما حذر منه الشوا "للمشهد"، مؤكدا أنّ "الأهالي يواجهون مصيرا قادما أمام فيضانات وشيكة بلا أيّ وسائل صمود، في الأيام المقبلة، حين تشتد الأمطار وترتفع منسوبات المياه في تلك المواقع المنخفضة، لن يكون أمام الأسر إلا خياران قاتلان، إما البقاء في خيام تتحول أرضها إلى مستنقعات باردة تبتلع الفراش والبطانيات، فيتعرض الأطفال والرضّع والمسنون لانخفاض حرارة الجسم والأمراض التنفسية والجلدية، أو النزوح مرة أخرى إلى العراء بلا مأوى ولا مياه نظيفة ولا مراحيض، في تكرار مأساة التهجير القسري التي لم تنته أصلاً.

ويضاف إلى ذلك مياه الصرف المختلطة بالأمطار ستُغرق الشوارع والمرافق، وستغلق الطرق أمام فرق الإغاثة، فتتحول كل خيمة إلى جزيرة معزولة لا تصلها مساعدة ولا سيارة إسعاف، ما نراه اليوم مقدمة، وما سيحدث بعد أسابيع قليلة سيكون كارثة إنسانية موثقة سلفا، نحن نعرف تاريخها ومكانها وضحاياها المحتملين، ولا نملك إلا أن نكرر التحذير ونحن نشاهدها تقترب".

(المشهد)