ثمّة نذر تصعيد أمني فلسطيني فلسطيني في قطاع غزة، يؤشر إلى احتمالات اندلاع حرب أهلية بين حركة "حماس" والفصائل المسلحة المعارضة لـها، بينما تتهمها الأولى بـ"العمالة" لإسرائيل، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
أزمة داخلية
غير أن قطاع غزة يشهد أزمة داخلية حادة نتيجة تصاعد الصراع بين "حماس"، من جهة، وميليشيات مسلحة عدة، من جهة أخرى، تقف على النقيض من سياساتها وحكمها، وفق المصادر ذاتها، معتبرين هذا الصراع بمثابة نزاع "ميلشياوي"، لكنه يكشف عن أهداف براغماتية للحركة التي تسعى إلى تعميم اتهامات التخوين والعمالة ضد كل معارض لها، وتخطي الأزمة المؤقتة والمرحلية إلى ما أبعد، بتصنيف خصومها الدائمين على النحو الذي يسمح لها باستئناف سياساتها القمعية والانتقامية، خصوصًا مع فقدان حواضنها والكتل المؤيدة لها بعد حرب غزة.
وبينما تقوم بعض هذه الميليشيا باعتقال عناصر من "حماس" ومحاولة تصفية قيادات بارزة، فإن تهديدات المتحدث باسم الجناح العسكري للحركة أبو عبيدة، تسعى من خلال نبرة التهديد إلى إخضاع المواطنين الفلسطينيين، معتبرًا أي معارضة هي "تعاون مع أعدائها الإسرائيليين"، الأمر الذي يمثل "إرهابًا سياسيًا وفكريًا"، بحسب المحللين.
وفي ما يبدو أن استمرار سيطرة "حماس" بالقوة على غزة يهدد بمزيد من التصعيد، بما في ذلك احتمالية اندلاع اقتتال داخليّ إلى جانب استمرار التهديد الإسرائيلي، ما يجعل مستقبل الحركة في القطاع غير مستقر.
وأمس هدد أبو عبيدة، الناطق باسم "كتائب القسام"، الجناح العسكر لـ"حماس"، "العملاء المستعربين" على حد وصفه بـ"مصير أسود"، مؤكدًا أن ما يقومون به من ممارسات بحق أبناء الشعب الفلسطيني ومقاوميه لا يعكس إلا تماهيًا كاملًا مع الاحتلال، وتنفيذًا لأجنداته وتبادلًا للأدوار معه.
تزامنت تهديدات المتحدث باسم "كتائب القسام" مع إعلان إسرائيل مقتل أنس النشار، ابن أحد قادة "حماس" عيسى النشار، بعد خروجه وآخرين من أحد أنفاق رفح.
وقال أبو عبيدة إن هؤلاء العملاء "لا يسترجلون إلا في مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي وتحت حماية دباباته"، حيث إن "الغدر بالمدنيين والاستقواء عليهم، والاستئساد على المقاومين الذين أنهكهم الجوع والحصار، لا يمثل رجولة، بل محاولة يائسة لإثبات الذات".
احتمالات اندلاع حرب أهلية
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، يقول الأكاديمي الفلسطيني وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس الدكتور أيمن الرقب إن الرسائل الأخيرة لـ"كتائب القسام"، وعلى رأسها المتحدث الرسمي أبو عبيدة، قد أثارت مخاوف من احتمال اندلاع اقتتال داخليّ في قطاع غزة، لافتًا إلى أن تصريحات أبو عبيدة جاءت في سياق التحذير من أي اعتداءات على مقاتلي "حماس" الذين تم ضبطهم في الأنفاق.
وأكد الرقب أن الحركة بهذا التحذير تؤشر إلى تصعيدها المحتمل واتخاذ "إجراءات صارمة ضد أي محاولات لزعزعة الاستقرار أو تحدي سلطتها على المقاومة".
وتابع: "هذه الرسائل هي إشارة واضحة على أن الوضع في غزة سيبقى هشًا، وأن أيّ فراغ أمني قد يؤدي إلى مواجهات بين الفصائل أو ميليشيا مسلحة، خصوصًا تلك التي تعتمد على إسرائيل".
فيما يشير الأكاديمي الفلسطيني وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس إلى قدرة السلطة الفلسطينية على فرض سيطرتها، وأن تدخل الشرطة الفلسطينية، قد يكون "عاملاً حاسماً" في منع انتشار هذه الظاهرة وتفشي التفلت الأمني، بينما تبقى "احتمالات التصعيد واردة في حال فشل السيطرة على الميليشيا واحتواء التوترات".
ويحذر المصدر ذاته من أن أي اقتتال داخلي في القطاع قد يؤدي إلى تفاقم الاحتقان الشعبي، مما يضع الفلسطينيين أمام مرحلة صعبة ومعقدة، يصعب التنبؤ بمآلاتها أو كيفية تجاوزها، خصوصًا في ظل الأوضاع الإنسانية والسياسية المتأزمة.
ويلفت الرقب إلى استمرار التحركات العسكرية والسياسية في غزة، مع تصاعد التوترات بين إسرائيل و"حماس"، وذلك من الطرفين، حيث تواصل الأولى تشكيل ميليشيا مسلحة خصوصا في المناطق الحدودية، في إطار استعداداتها لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية مستقبلية. وفي المقابل، تتجهز "حماس" للأمر ذاته في ظل نذر تصاعد مواجهة عسكرية أو بالأحرى اندلاع احتراب أهلي.
ويردف: "شهدت الأيام الأخيرة توترات قصوى ومتكررة بين الفصائل الفلسطينية وهذه القوى الميلشياوية الأخرى، إثر تعرض قائد إحدى هذه الميلشيا غسان الدهيني الذي تسلم قيادة "القوات الشعبية" بعد مقتل ياسر أو شباب، لاعتداء أدّى إلى مقتله بعد انقطاع التواصل معه لفترة طويلة داخل نفق في رفح، فيما ظل مقاتلوه في الأنفاق محاصرين من دون إمكانية التحرك".
أزمة داخلية
يتفق والرأي ذاته المحلل السياسي الفلسطيني والقيادي بحركة فتح زيد الأيوبي، والذي يرى أن قطاع غزة يشهد بالفعل تصاعدًا واضحًا في الصراع بين "حماس" ومجموعات مسلحة تناهض حكمها، ما يعكس أزمة داخلية حادة تواجه الحركة منذ 7 أكتوبر مع هجوم "حماس" المباغت على إسرائيل.
ويوضح الأيوبي في حديثه لـ"المشهد" أن "حماس" تسعى لتشويه سمعة هذه القوى والفصائل المسلحة واتهامها بالخيانة "في محاولة لرفع أي غطاء وطني عنها، بعد تورط بعض هذه المجموعات في اعتقال عناصر من الحركة وحتى محاولات لتصفية قيادات بارزة".
من ثم، يصف المحلل السياسي الفلسطيني والقيادي بحركة فتح الصراع بأنه "ميليشياوي من الطراز الأول"، حيث تتصارع جميع الأطراف المسلحة على النفوذ والسيطرة داخل القطاع، في حين تتحمل "حماس" مسؤولية الوضع الراهن، سواء بسبب سياساتها الداخلية أو نتيجة غضّ النظر عن تحركات بعض هذه المجموعات.
ويؤكد أن استمرار "حماس" في فرض سيطرتها على قطاع غزة، رغم فقدانها للشرعية الشعبية، يعرض القطاع لمخاطر تصعيد جديدة تشمل احتمال اندلاع حرب أهلية، بجانب تهديد العدوان الإسرائيلي المستمر.
كما تُعدّ الرسائل الأخيرة لأبي عبيدة ضمن إستراتيجية "حماس" لإخضاع المواطنين الفلسطينيين لمنع أيّ معارضة داخلية، حيث تُصوّر كل مخالفة للحركة باعتبارها "خيانة أو تعاون مع أعدائها". وهذه التصريحات تمثل ممارسة "للإرهاب الفكري والسياسي ضد الشعب الفلسطيني، من خلال توظيف التهديد والعنف لضمان السيطرة"، بحسب الأيوبي.
ويختتم المحلل السياسي الفلسطيني والقيادي بحركة فتح حديثه قائلًا إنّ "أزمة وجودية" تعاني منها "حماس" إذ تفتقد الدعم الشعبي في غزة، ويبدو أنّ استمراريتها في الحكم لم تعد قابلة للتطبيق من دون تصعيد كبير محتمل قد يحدث في الأفق وتفاقم معاناة السكان. وعليه، تؤكد التطورات الأخيرة أن مستقبل الحركة في القطاع بات مهدداً، وأن أيّ محاولة لتثبيت الحكم قسرًا وبالقوة لن تنجح في ظل "رفض واضح من الشعب الفلسطيني واستمرار التوترات مع الميليشيا الداخلية والضغوط الإسرائيلية والدولية".
(المشهد)