هل انتهت المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل؟ تقرير يجيب

شاركنا:
مع تغير المزاج الأميركي… الدعم العسكري لإسرائيل على أعتاب إعادة مراجعة شاملة (أ ف ب)
هايلايت
  • الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل يدخل مرحلة مراجعة غير مسبوقة.
  • نتانياهو يقترح خفض المساعدات تدريجيًا مع تحولات المزاج السياسي الأميركي.
  • تآكل الدعم تدريجيًا مع تنامي خطاب "أميركا أولًا" الجمهوري.

لم يعد الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل ملفًا محسومًا كما كان لعقود. فالحزمة التي شكلت ركيزة ثابتة في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب باتت اليوم موضع مراجعة سياسية متزايدة، في ظل تحولات عميقة في المزاج العام الأميركي، وتباينات داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفق "فورين بوليسي".

المساعدة الأميركية لإسرائيل

طوال أكثر من 8 عقود، تصدّرت إسرائيل قائمة متلقي المساعدات العسكرية الأميركية، مستفيدة من دعم يُسوَّق تقليديا باعتباره استثمارًا إستراتيجيًا في حليف إقليمي. ويشير المدافعون عن هذه السياسة، إلى أنّ أكثر من 90% من تلك المساعدات يُعاد إنفاقها داخل الولايات المتحدة عبر شراء أسلحة أميركية، بالإضافة إلى برامج تطوير مشترك لأنظمة دفاعية تخدم الطرفين.

إلا أنّ معارضي هذا الدعم يرون أنّ إسرائيل، التي تحوّلت إلى اقتصاد متقدم، لم تعد في حاجة إلى تمويل خارجي لتأمين دفاعها، معتبرين أنّ المساعدات الأميركية أسهمت في تقليص الحوافز الإسرائيلية للدخول في تسويات سياسية مع الفلسطينيين أو مع دول الجوار، فضلًا عن ربطها بانتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية.

وعليه، فبرز تصريح لافت لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، تحدث فيه عن رغبته في خفض تدريجي للمساعدات العسكرية الأميركية وصولًا إلى إنهائها خلال 10 سنوات. ورغم أنّ الطرح ليس جديدًا بالكلية، إلا أنّ توقيته يتزامن مع بدء النقاشات حول حزمة مساعدات جديدة يفترض أن تدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من عام 2029.

يؤشر موقف نتانياهو إلى استجابته للمتغيرات الحاصلة في البيئة السياسية الأميركية وتآكل الدعم تدريجيًا سواء مع تنامي خطاب "أميركا أولًا" الجمهوري، أو تزايد نفوذ التيار التقدمي المعارض لإسرائيل بالحزب الديمقراطي.

الإنفاق الدفاعي

يأتي هذا النقاش في وقت حساس بالنسبة لإسرائيل، التي تواجه أعباءً عسكرية متزايدة بعد حرب طويلة في غزة، واستنزافًا في مخزون الذخائر والصواريخ، إلى جانب توسع في حجم القوات لمواجهة تهديدات إقليمية مستمرة. فيما تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى رفع الإنفاق الدفاعي بشكل كبير خلال العقد المقبل، ما يزيد من تعقيد أيّ سيناريو لتقليص الدعم الخارجي.

ورغم أنّ المساعدات الأميركية لم تعد تمثل سوى أقل من 1% من الناتج المحلي الإسرائيلي، مقارنة بنسبة قاربت 14% في سبعينيات القرن الماضي، إلا أنّ قيمتها السياسية والعسكرية تبقى مؤثرة، خصوصًا في ما يتعلق بالتفوق النوعي والتنسيق الإستراتيجي مع واشنطن.

أحد أبرز العوامل الضاغطة يتمثل في التراجع الواضح لصورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي عقب الحرب في غزة. فقد أظهرت استطلاعات حديثة تقلّص الفجوة بين نظرة الأميركيين للإسرائيليين والفلسطينيين، مع ارتفاع نسبة المطالبين بتقليص أو إنهاء المساعدات العسكرية.

فقد أظهر استطلاعٌ للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث ونُشر في أكتوبر، بالتزامن مع التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، انخفاض نسبة الأميركيين الذين ينظرون إلى الشعب الإسرائيلي نظرةً إيجابيةً، بمقدار 11 نقطةً مئويةً خلال السنوات الثلاث الماضية، لتصل إلى 56% فقط.

وكانت هذه النسبة قريبةً من نسبة 52% الذين ينظرون إلى الفلسطينيين نظرةً إيجابيةً. ويرى نحو 42% من الأميركيين ضرورة خفض المساعدات أو إنهائها، وهي نسبةٌ أعلى من نسبة المؤيدين لزيادتها أو الإبقاء عليها عند مستواها الحالي، وذلك وفقًا لاستطلاعٍ للرأي أجرته مجلة الإيكونوميست بالتعاون مع مؤسسة يوغوف في أغسطس.

قال السيناتور ليندسي غراهام، الذي يُعتبر صديقًا مُقرّبًا لإسرائيل، ردًا على مقابلة نتانياهو، إنه ينبغي تسريع عملية خفض المساعدات. وكتب في منشور على موقع "إكس": "سأُقدّر دائمًا الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، وأعتقد أنه بالنظر إلى ما قاله رئيس الوزراء، لسنا بحاجة إلى الانتظار 10 سنوات. إنّ مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب التي سيتم توفيرها من خلال تسريع إنهاء المساعدات العسكرية لإسرائيل، سيتم، بل يجب، إعادة استثمارها في الجيش الأميركي".

لم يتطرق ترامب نفسه بشكل مباشر إلى مسألة المساعدات، لكنه ألمح أكثر من مرة إلى أنه يعتبر الأموال التي تقدمها أميركا لإسرائيل، بمثابة خدمة مجانية. وعندما سُئل في أبريل الماضي عما إذا كان ينبغي تخفيف الرسوم الجمركية التي فرضها على إسرائيل لمناسبة "يوم التحرير"، أجاب ترامب: "نحن نساعد إسرائيل كثيرًا. كما تعلمون، نقدم لها 4 مليارات دولار سنويًا. هذا مبلغ كبير. بالمناسبة، أهنئكم. هذا جيد جدًا". وتشير التقارير إلى أنّ إسرائيل تأمل في الحصول أخيرًا على تخفيف الرسوم الجمركية الذي تسعى إليه من خلال الموافقة على تخفيض المساعدات.

بالتالي تتزايد الطروحات الداعية إلى إعادة صياغة العلاقة العسكرية بين البلدين، عبر الانتقال من نموذج "المساعدات المباشرة" إلى شراكة تقوم على مشروعات بحث وتطوير مشتركة، أو ترتيبات تضمن استفادة الصناعة العسكرية الأميركية مقابل خفض الدعم النقدي.

وبينما يبدو إنهاء المساعدات بالكامل خيارًا غير مرجح في المدى القريب، فإنّ المؤشرات كافة توحي بأنّ العلاقة تدخل مرحلة إعادة ضبط، تُفرض فيها اعتبارات السياسة الداخلية الأميركية بقدر ما تحكمها حسابات الأمن الإقليمي. 

(ترجمات)