يعود نحو مليونين ونصف من الطلاب إلى المدارس في تونس، غدا الاثنين، وسط مخاوف من عودة الاحتقان الذي عاشه القطاع طيلة الأعوام الأخيرة بسبب تحركات نقابات التعليم، مقابل مكابدة جزء كبير من العائلات التونسية لتوفير لوازم الدراسة لأبنائها بسبب الزيادات الكبيرة في الأسعار.
وككل عام دراسيّ جديد تزداد الضغوطات على العائلات التونسية التي تُحاول التكيّف مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة.
ومنذ أسابيع احتلت بسطات بيع لوازم الدراسة مدن وشوارع تونس ورغم التحذيرات الرسمية المتواصلة من إمكانية أن تشكل خطرًا على صحة الطلاب لكونها بضاعة مجهولة المصدر، يفضل جزءًا كبيرًا من العائلات التونسية التبضع من هناك على التوجه للمكتبات التي تقدم أسعارًا مرتفعة في تقييم الأغلبية.
ويشتكي عدد كبير من التونسيين مما يصفونه بـ"معاناة تأمين احتياجات أبنائهم" من كتب وقرطاسية ما يشكّل حملاً جديداً من الأحمال الثقيلة التي تُنهك كاهلهم.
غلاء الأسعار
ويقول إسماعيل الطرابلسي وهو ولي 3 طلاب بالمرحلة الابتدائية والثانوية ويعمل موظفًا حكوميًا إنّ الحقيبة المدرسية صارت حملًا ثقيلًا على كاهل كل رب أسرة في تونس، ويضيف أنه يسابق الزمن لتوفير لوازم أبنائه مؤكدا في تصريح لـ"المشهد" أنه لجأ إلى مكتبة الحي لشراء ما يلزم على أن يقوم بسداد ثمن المستلزمات على أقساط شهرية.
وعن تكلفة لوازم دراسة أبنائه الثلاثة يقول إنها بلغت نحو 500 دولار، ويلفت إلى أن أسعار اللوازم الدراسية شهدت زيادة كبيرة، فيما يشير إلى أن الكراس الذي تدعم الدولة سعره غير متوفر بكميات كبيرة ولا يباع للجميع.
وتقول الحكومة التونسية إنها وفرت كميات كبيرة من الكراس المدعم وهو كراس يباع في الأسواق بأسعار أرخص وتدعمه الدولة لمساعدة شريحة واسعة من ضعيفي ومتوسطي الدخل، لكن التونسي يقول إنه لا يحصل عليه لأن أصحاب المكتبات يشترطون بيعه مع بقية لوازم الدراسة.
أما محبوبة العجيلي وهي عاملة تنظيف فتؤكد لـ"المشهد" أنها اكتفت بشراء جزء من لوازم مدارس أبنائها الأربعة من سوق "بومنديل" وهو سوق شعبي يبيع سلعًا رخيصة أغلبها مورد بطرق غير قانونية.
وتلفت المتحدثة إلى أنها تنتظر الحصول على مساعدة من جمعية خيرية تنشط بالحي الشعبي الذي تقطن به على تخوم العاصمة تونس"وعدوني بتوفير بعض اللوازم، دون ذلك لا أدري ماذا سأفعل فحتى البسطات التي تبيع هذه اللوازم بأسعار رخيصة صارت أسعارها غالية".
تشدد المتحدثة على أن التونسي لم يعد قادرًا على تأمين لوازم الدراسة لأبنائه، مؤكدة أنها تتقاسم هذا الحديث بشكل يومي مع كل سكان حيها الذين يشتكون من الغلاء وتختم قائلة" سعر المحفظة لا يقل عن 15 دولار وكل سنة يطلب المدرسون الكثير من اللوازم، نحن لم نعد قادرين على التحمل".
وتتعدد القصص التي تكشف معاناة التونسي متوسط وضعيف الدخل من غلاء أسعار لوازم الدراسة مقابل تدهور الأوضاع المعيشية.
ويقرّ رئيس منظمة إرشاد المستهلك لطفي الرياحي بارتفاع تكلفة العودة للمدارس، مؤكدًا أنها تقدر بنسبة تتراوح بين 10 و12%.
ويضيف المتحدث في تصريح لـ"المشهد" أن تكلفة عودة طالب واحد للمدرسة تقدر بـ300 دولار وهي تكلفة مرتفعة في بلد لا تتجاوز فيه معدلات الأجور 400 دولار.
وتشمل هذه التكلفة المحفظة والميدعة (زي الدراسة) ولوازم الدراسة من أدوات وكراسات وكتب.
ويرى الرياحي أن توحيد قائمة الأدوات المدرسية بجميع المراحل التعليمية هو واحد من الحلول التي يمكن اعتمادها لتقليص معاناة التونسيين مع كل عام دراسي جديد.
ودعا إلى استعمال "ميدعة" ومحفظة تونسية 100% بداية من السنة الدراسية المقبلة، مؤكدا أن ذلك "سيخلق حركة اقتصادية هامة وسيساهم في تشجيع المنتجات التونسية وسيدفع في الآن نفسه نحو تحقيق انخفاض في الأسعار".
المجتمع المدني يتحرك
وأوجدت معاناة جزء كبير من التونسيين مع غلاء الأسعار تدخلات عديدة من المجتمع المدني لدعم الطلاب وأسرهم.
ومع كل موسم دراسي جديد تنتشر المبادرات الخيرية التي يقودها ناشطون سواء بشكل فردي أو ضمن جمعيات ومنظمات خيرية لتوفير لوازم الدراسة لأبناء العائلات الفقيرة.
ويتركز نشاط أغلب هذه المبادرات بالأحياء الشعبية الفقيرة بالمحافظات والمدن التونسية وبالأرياف النائية خصوصًا.
ويقول صلاح الدين البوسالمي وهو شاب اختار أن يقوم مع مجموعة من شباب الضاحية الشمالية بتجميع المساعدات المدرسية إنّ هناك تجاوباً كبيراً من التونسيين مع مبادرتهم ويوضح في تصريح لـ"المشهد" أنه والمجموعة التي تنشط معه قاموا بضبط قائمة بأسماء طلاب يحتاجون للمساعدة مع ضبط اللوازم التي يجب توفيرها لهم وقاموا بجولة في الحي وعرضوا على المتبرعين أن يختار كل واحد التكفل بمصاريف أحد الطلاب.
ووفق المتحدث كانت التجربة ناجحة ولاقت تفاعلًا كبيرًا وساهمت في توفير مستلزمات الدراسة لأكثر من 50 طالبًا وهو ما دفعه ورفاقه للتفكير في توسيع هذه المبادرة.
تحركات واحتجاجات المدرسين
لكن توفير لوازم الدراسة ليس وحده ما يشغل بال العائلات التونسية إذ إن التحركات الاحتجاجية الأخيرة للمدرسين توسع مخاوفهم من عودة الاحتقان الذي عاشوه خلال السنوات الماضية بسبب الأزمة المتواصلة بين المربين ووزارة التربية.
وبداية الأسبوع الماضي تظاهرت نقابات التعليم الابتدائي والثانوي أمام وزارة التربية وتلوح كلتاهما بالذهاب نحو الإضراب إن لم تقع الاستجابة للمطالب التي ترفعانها، ومن بينها خصوصًا الترفيع في الأجور وتسوية وضعية المدرسين النواب وإصلاح المنظومة التربوية.
ولسنوات طويلة شهدت مدارس ومعاهد تونس تنفيذ العديد من الإضرابات والاحتجاجات بسبب عدم توصل المدرسين لاتفاق مع وزارة التربية.
ويقول المدرسون إنّ أجورهم التي يصفونها بـ"الزهيدة" لم تعد قادرة على مسايرة غلاء المعيشة كما يطالبون بتسوية وضعيات زملائهم ممن يعملون بأجور لا تحترم قوانين تشغيل المدرسين في تونس ويشددون كذلك على ضرورة إشراكهم في كل عملية إصلاح للمنظومة التربوية.
ويقول الكاتب العام لجامعة التعليم الثانوي محمد الصافي لـ"المشهد": "سنتفاوض مع سلطة الإشراف حول كل ما يتعلق بمطالبنا المادية في القريب العاجل"، مشددًا على تسمك المدرسين بهذه المطالب ولو لزم الأمر فإن الذهاب للإضراب يظل مطروحًا.
(المشهد - الجزائر)