مع صدور النسخة الجديدة من إستراتيجية الدفاع القومي الأميركي، بات واضحًا أنّ واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها، مبتعدة عن الانخراط في صراعات بعيدة، ومركزّة كل طاقتها على حماية أراضيها ونصف الكرة الغربي، بما يشبه العودة إلى عقيدة مونرو، ولكن بصياغة عسكرية حديثة، تتناسب مع متطلبات القرن الـ21.
ولدى الإطلاع على الصفحات الـ34 للوثيقة، يتضح جليًا أنّ البنتاغون لم يعد مجرد مؤسسة لإدارة القوات المسلحة الأميركية، بل أصبح مسرحًا لصياغة رؤية إستراتيجية جديدة، تعكس أجندة وأولويات البيت الأبيض بقيادة الرئيس دونالد ترامب.
رؤية جديدة للحلفاء والأعداء
بحسب الخبير العسكري والمسؤول السابق بوزارة الحرب الأميركية مايكل معلوف، فإنّ الإستراتيجية الجديدة التي تأتي بعد عقود من الانخراط الأميركي المكثف في ساحات بعيدة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن فنزويلا إلى آسيا، تعلن بوضوح أنّ الصين لم تعد التهديد الأبرز على المدى الطويل، بل أصبحت التهديد الثاني بعد حماية الولايات المتحدة نفسها من أيّ تهديد محتمل.
وهذا التحوّل يشير إلى أنّ واشنطن لم تعد ترى نفسها مضطرة لحمل عبء حماية الآخرين بمفردها، وهو موقف تفسره قيادة الإدارة الحالية على أنه واقعية إستراتيجية وليست انعزالية.
وفق نص الإستراتيجية، يُتوقع من الحلفاء الأوروبيين تحمّل المسؤولية الأكبر في مواجهة روسيا، بينما تضطلع الدول الآسيوية بمهمات أكبر في منطقتها. فالولايات المتحدة ستظل داعمة، لكنها لم تعد الطرف الذي يتحمل العبء العسكري وحده، وهذا التحول يعكس اعتراف الرئيس الأميركي دوانلد ترامب، وفي مناسبات عدة، بأنّ التحالفات التقليدية مثل "الناتو" لم تعد كافية لضمان الأمن الأميركي، وأنّ القدرة على الاستمرار في حماية الآخرين من دون مراعاة المصالح المباشرة لم تعد عملية.
يقول كبير محللي السياسات الأمنية في البنتاغون سابقًا مايكل معلوف، لمنصة "المشهد"، إنّ الإستراتيجية الجديدة "مزيج من الرمزية والواقعية العملية".
ويشرح ما يحمله تركيز واشنطن على مواقع مثل غرينلاند والقطب الشمالي والممرات البحرية الحيوية، من طابع إستراتيجي رمزي أكثر من كونه عمليًا، مشيرًا إلى أنّ أيّ دفاعات مضادة للصواريخ في هذه المناطق، يمكن الالتفاف عليها بسهولة باستخدام الغواصات الحديثة. ويضيف معلوف: "الاعتماد على هذه الدفاعات وحدها يشبه خط ماجينوت للقرن الـ21، يبدو قويًا على الورق، لكنه ضعيف من الناحية الواقعية".
تصف الوثيقة روسيا بأنها تهديد دائم لكنه قابل للإدارة، وهو ما يمثل تغييرًا كبيرًا مقارنة بالمواقف السابقة التي كانت تعتبر موسكو العدو الأبرز على المدى الطويل.
أما الصين، فبينما تحتل المرتبة الثانية، يؤكد البنتاغون أنّ هدف واشنطن ليس المواجهة المباشرة أو الإذلال، بل الردع بالقوة وتهيئة بيئة توازن مستقرة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
أما في الشرق الأوسط فتنظر لإيران وطموحاتها النووية كتهديد مستمر لاستقرار وأمن المنطقة.
الغائب الأكبر عن الإستراتيجية كان ملف تايوان، وهو ما يثير أسئلة حول مستقبل الدور الأميركي في المنطقة. كما قللت الوثيقة من الدور الأميركي في مواجهة كوريا الشمالية، مع التأكيد على قدرة كوريا الجنوبية على قيادة جهود الدفاع الذاتي، وهو مؤشر واضح على تراجع واشنطن خطوة إلى الوراء في بعض الملفات التقليدية.
عودة عقيدة مونرو بلمسة القرن الـ21
ومن أبرز ما في الإستراتيجية أيضًا تركيزها على نصف الكرة الغربي، مع الالتزام بحماية المواقع الحيوية مثل غرينلاند، وقناة بنما، والقطب الشمالي، والممرات البحرية الأساسية.
وهذا التوجه يعكس العودة إلى عقيدة مونرو، التي كانت حجر الزاوية في السياسة الأميركية منذ القرن الـ19، لكن هذه المرة بصياغة عسكرية حديثة تراعي التقنيات الحديثة وتهديدات القرن الـ21، بحسب الخبير العسكري مايكل معلوف.
وحسب الوثيقة، يؤكد البنتاغون أنّ هذا التحول ليس انعزاليًا، بل يعكس واقعية إستراتيجية، تكون فيها الولايات المتحدة أكثر تركيزًا، وأكثر انتقائية، وعلى استعداد لترك الآخرين يدافعون عن أنفسهم، مع إبقاء القدرة على التدخل محدودًا عند الحاجة لحماية المصالح المباشرة.
ما يميز إستراتيجية البنتاغون لعام 2026 أيضًا هو الجمع بين الرمزية والقوة العملية. فهي تُظهر للعالم أنّ الولايات المتحدة لا تزال قوة عظمى حاضرة ومهيمنة، لكنها لن تضيع مواردها في صراعات بعيدة لا تمس أمنها المباشر، وهو ما يراه معلوف خطوة صحيحة من منظور إدارة الموارد العسكرية، لكن مشكوك في فاعليتها إذا لم تتزامن مع تطوير تكتيكات جديدة تتماشى مع قدرات التكنولوجيا الحديثة مثل الصواريخ فرط الصوتية والغواصات النووية.
الأكيد أنّ الردود الدولية على الإستراتيجية الدفاعية الأميركية الجديدة ستكون متباينة، والأكيد أيضًا أنّ المواقف الداخلية ستكون متباينة ومهمة، فالتركيز على المصالح المباشرة سيؤثر على السياسة الخارجية وقرارات الإنفاق الدفاعي الأميركي في السنوات المقبلة، خصوصًا مع اقتراب انتخابات 2026 التي قد تشهد جدلًا حادًا حول دور واشنطن في العالم.
(المشهد - واشنطن)