التهديد النووي بين موسكو وواشنطن.. دفاع أم ابتزاز؟

شاركنا:
تباين الخطاب بين موسكو وواشنطن في لغة التهديد بالنووي (إكس)
هايلايت
  • التباين النووي بين موسكو وواشنطن مرتبط بالسياق الإستراتيجي والعقائدي.
  • الموقف الروسي والصيني اتسما بالحذر النسبي بخصوص التصعيد بالمنطقة.
  • مراقبون: التهديد النووي الروسي وسيلة لردع الغرب وفرض خطوط حمراء. 

بخلاف روسيا التي تعاود التلويح بالتهديدات النووية في سياقات مختلفة من تأزم الأوضاع الإقليمية والدولية، خصوصا مع اندلاع الحرب الأوكرانية، لم تضع الولايات المتحدة هذا الخيار في ذروة تصعيدها العسكري الخشن مع طهران وتنامي التوترات بالمنطقة.

التهديد النووي

وعزا مراقبون تحدثوا لمنصة "المشهد" هذه المفارقة اللافتة، والتباين بين موسكو وواشنطن في استخدام خطاب التهديد النووي من خلال نقطتين مرتبطتين بالسياقين الإستراتيجي والعقائدي لكل منهما.

ففي بداية الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، لجأت موسكو إلى رفع جاهزية قوات الردع النووي وتصعيد خطابها التهديدي ضد حلف "الناتو" ومنع تدخله المباشر، مستندة إلى عقيدتها النووية التي تسمح بذلك لفرض "خطوط حمراء" وإنهاء الصراع بشروط مقبولة.

إلا أن الولايات المتحدة لديها عقيدة مغايرة تعتبر أن الدور الأساسي للسلاح النووي هو الردع فقط وفي "ظروف قصوى"، وفق ما جاء في مراجعة الموقف النووي لعام 2022، كما تلتزم بعدم تهديد الدول غير النووية الموقعة على معاهدة عدم الانتشار.

وكان مندوب روسيا الدائم لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، دميتري بوليانسكي، قد حذر الدول الغربية من تزويد كييف بأسلحة نووية، نهاية الشهر الماضي، وقال إن هذه الخطوة ستعني الانزلاق نحو صراع نووي شامل.

كما ألمح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى مخاوفه من حدوث انفلات نووي بالمنطقة جراء الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران.

ردع الغرب

إلى ذلك، يقول الباحث الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية ديمتري بريجع إن الاختلاف بين موسكو في استخدام التهديد النووي، يمكن فهمه عبر تحليل السياقين الإستراتيجي والعقائدي لكلا البلدين، لافتًا في حديثه لـ"المشهد" إلى أن الكرملين باشر في رفع جاهزية "قوات الردع" وإجراء مناورات نووية وتصعيد خطاب التهديد مع بدء الحرب الأوكرانية، معتبرًا أن السلاح النووي وسيلة لـ"ردع الغرب ومنع إقامة منطقة حظر جوي أو إمداد كييف بأسلحة نوعية".

كما أن موسكو ترى في تهديداتها النووية وسيلة لفرض "خطوط حمراء"، و"منع تصاعد العمليات العسكرية وإنهائها بشروط مقبولة" وفقًا لعقيدتها النووية لعام 2020.

ويقول بريجع إن مسؤولين روس، منهم نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف، لوحوا بـ"نهاية نووية" للتأكيد على جدية الكرملين في تهديداته، واستعداده للتصعيد حتى لو لم تكن هناك نية فورية لاستخدام السلاح النووي.

عقيدة نووية مغايرة

في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة "عقيدة نووية مختلفة تمامًا"، وفق الباحث الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، وتابع: "واشنطن تعتبر أن الدور الأساسي لسلاحها النووي هو الردع وليس الابتزاز.

كما أن تقرير "مراجعة الموقف النووي" لعام 2022، الصادر عن وزارة الدفاع، يؤكد أن واشنطن ستفكر في استخدام السلاح النووي فقط في "ظروف قصوى" لحماية مصالحها الحيوية.

التقرير الأميركي ذاته يشير إلى ما يسمى "الضمانة الأمنية السلبية"، إذ يتعهد بأن واشنطن لن تستخدم أو تهدد باستخدام الأسلحة النووية ضد دول غير نووية ملتزمة بمعاهدة عدم الانتشار.

وبذلك، تُحجم واشنطن عن توظيف التهديد النووي حتى في نزاعها الحالي مع إيران، لأن طهران رغم خروقاتها تبقى دولة طرفا في المعاهدة، ولأن التهديد النووي قد يقوض جهود الحدّ من الانتشار ويعزل الولايات المتحدة عن حلفائها، بحسب بريجع.

كما يمكن فهم سلوك موسكو بوصفه "انعكاسًا لضعفها النسبي في الحرب التقليدية واعتمادها على الردع بالتصعيد"، فيما تمتلك واشنطن تفوقًا عسكريًا يسمح لها بتحقيق أهدافها عبر ضربات دقيقة من دون الحاجة إلى التلويح بسلاح الدمار الشامل، حسبما يوضح المصدر ذاته.

ويقول إن أهداف الولايات المتحدة في حرب إيران تظل محدودة (منع امتلاك إيران للسلاح النووي وتقليص قدراتها الصاروخية) ولا تمثل، بالنسبة لواشنطن، تهديدا وجوديا يبرر كسر "المحرمات النووية".

التباين بين موسكو وواشنطن

إلى ذلك، عزا المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة الدكتور كمال الزغول التباين في الخطاب النووي بين موسكو خلال حربها في أوكرانيا وواشنطن في المواجهة الحالية مع إيران إلى اختلاف البيئة الجيوسياسية المحيطة بكل صراع.

ويقول الزغول لـ"مشهد" إن موسكو تنظر إلى الحرب في أوكرانيا باعتبارها مواجهة غير مباشرة مع حلف شمال الأطلسي، في ظل الدعم العسكري والسياسي الواسع الذي قدمه الحلف وواشنطن لكييف. كما أن عدداً من دول الناتو يمتلك أسلحة نووية، ما عزز المخاوف الروسية من احتمال انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع. وعليه، لوّحت موسكو بـ"الردع النووي" كأداة سياسية وعسكرية لمنع أي تدخل مباشر من الحلف داخل الأراضي الأوكرانية.

فيما يشير المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة إلى دور الجغرافيا المحوري في تفسير هذا السلوك من جانب روسيا، موضحًا أنها تمتلك تماسا جيوسياسيا مباشرا مع دول الاتحاد الأوروبي. كما أن توسع حلف الناتو شرقًا، ورغبة دول متاخمة للحدود الروسية الانضمام إليه، خلقا لدى موسكو شعورًا بتطويق إستراتيجي محتمل. من ثم، رأت موسكو أن توجيه رسائل ردعية قوية، بما في ذلك التلميح باستخدام السلاح النووي، يمثل وسيلة ضرورية لوقف أي محاولات لتغيير موازين القوى على حدودها.

وتابع: "يختلف المشهد في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث إن واشنطن لا تواجه تحالفا عسكريا موازيا للناتو يقف إلى جانب طهران، كما أن البيئة الإستراتيجية المحيطة بالصراع لا تتضمن اصطفافا عسكريا واسع النطاق على غرار ما حدث في الحالة الأوكرانية. من ثم، لم تلجأ الولايات المتحدة إلى خطاب الردع النووي، مكتفية بتفوقها العسكري التقليدي، خصوصا عبر انتشار قواتها البحرية والجوية في البحار والمحيطات".

حذر نسبي

كما أن الموقفين الروسي والصيني اتسما حتى الآن بالحذر النسبي، إذ اقتصر الخطاب الرسمي في الغالب على الدعوة إلى خفض التصعيد وإيجاد حلول سياسية للأزمة، مع التأكيد على أهمية الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في منطقة الخليج.

وقد ألمح الزغول إلى ما أسماه "الغموض الروسي" بخصوص التطورات في الشرق الأوسط، موضحا أن هذا الموقف قد يعكس "حسابات إستراتيجية أوسع، تتيح لروسيا التركيز على تحقيق مكاسب في الساحة الأوكرانية".

ويختم حديثه قائلًا إن الصمت النسبي لكل من موسكو وبكين قد يُفسَّر أيضًا ضمن مقاربة إستراتيجية تهدف إلى تجنب الانخراط المباشر، وربما ترك الولايات المتحدة تواجه تبعات أي صراع طويل الأمد في المنطقة. فالتجارب التاريخية، مثل حروب فيتنام وأفغانستان والعراق، أظهرت أن الحروب الممتدة قد تستنزف القوة الأميركية وتحد من قدرتها على التدخل في مناطق أخرى ذات أهمية جيوسياسية لروسيا والصين.

(المشهد)