حين يلتقي المفاوضون الأميركيون والإيرانيون مجددا في جنيف الخميس، سيكون طيف علي لاريجاني الحاضر الأبرز في الكواليس، فأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الوجه الثابت في السياسة الإيرانية، عاد ليؤدي دورًا محوريا متشعبا في الداخل والخارج، بعد إبعاده منذ زمن غير بعيد.
ثقة خامنئي
ووفقًا لمراقبين يحظى لاريجاني، وهو في أواخر العقد السادس، ويعرف بنظارتيه ولحيته ونبرته الهادئة، بثقة المرشد الأعلى علي خامنئي الذي عيّنه أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي في مرحلة مفصلية من تاريخ إيران، بعد أسابيع من انتهاء الحرب مع إسرائيل في يونيو 2025.
وأعاده ذلك إلى المنصب الذي شغله قبل عقدين، وتولى خلاله تنسيق إستراتيجيات الدفاع والإشراف على السياسة النووية.
ورغم أن أمين المجلس يعد محوريا في أعلى هيئة تمزج بين السياسة والأمن، إلا أن دوره تجاوز حدود المنصب.
ويقول مدير مشروع إيران في "مجموعة الأزمات الدولية" علي واعظ، إن لاريجاني "يؤدي حاليا دورا أكبر مقارنة بغالبية أسلافه".
ويضيف "إن لاريجاني من صلب منظومة الحكم، ولاعب ماكر، ملمّ بكيفية عمل المنظومة وبتوجّهات المرشد الأعلى".
يُنظر إليه على أنه يمسك بالخيوط الأساسية في عملية التفاوض مع الولايات المتحدة، والتي يقود الوفد الإيراني فيها وزير الخارجية عباس عراقجي.
وكثّف لاريجاني من زيارته الخارجية في الأشهر الأخيرة، إذ كلّفته القيادة لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في كانون يناير.
وبعد استئناف المباحثات مع واشنطن في مطلع فبراير، وتزامنًا مع تعزيز الولايات المتحدة حشودها العسكرية في المنطقة وتهديدها طهران، زار مسقط التي تتولى دور الوساطة، حيث التقى السلطان هيثم بن طارق، وقطر حيث التقى الأمير تميم بن حمد.
من أركان النظام
وُلد لاريجاني في النجف بجنوب العراق في العام 1957، وهو نجل المرجع الشيعي ميرزا هاشمي آملي الذي كان مقربًا من مؤسس الجمهورية الخميني.
وتؤدي عائلته منذ عقود دورًا مؤثراً في مؤسسات الحكم. ويتولى شقيقه صادق آملي لاريجاني، رئاسة تشخيص مصلحة النظام، بعدما ترأس السلطة القضائية.
كما طالت اتهامات بالفساد بعضا من أقاربه، وقد نفوا ذلك جميعا.
ولاريجاني حائز دكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة طهران، كما كان من الرعيل الأول في "الحرس الثوري"وأدى دورا قياديا خلال سنوات الحرب مع العراق (1980-1988).
وعُيّن رئيسا لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية مدى عقد من الزمن اعتبارا من العام 1994، ثم شغل منصب رئيس مجلس الشورى من العام 2008 وحتى العام 2020.
وفي 1996، عُيّن ممثلا لخامنئي في مجلس الأمن القومي ولاحقا أمينا له، وقاد المفاوضات في ملف النووي خلال محادثات مع قوى دولية بين 2005 و2007.
وخسر الانتخابات الرئاسية للعام 2005 أمام محمود أحمدي نجاد، وفرّق بينهما خلاف بشأن الدبلوماسية النووية، ما أبعده عمليا من أمانة المجلس.
وحاول خوض غمار السباق الرئاسي مجددا في العامين 2021 و2024، لكنه قوبل في المرتين بإقصاء من قبل مجلس صيانة الدستور، الذي تعود له صلاحية المصادقة على القائمة النهائية للمرشحين.
ويرى مراقبون أن إعادته إلى أمانة مجلس الأمن القومي، خصوصا بعد الحرب مع إسرائيل التي تدخلت فيها واشنطن، كانت مؤشرا إلى تحوّل نحو نهج براغماتي في إدارة الملف الأمني، بما يعكس شخصيته وقدرته على الجمع بين الالتزام العقائدي والبراغماتية.
مدافع شرس عن النووي
وكان لاريجاني من مؤيدي الاتفاق بشأن الملف النووي الذي أبرم في العام 2015 مع القوى الكبرى، وانهار بعد 3 سنوات إثر انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب منه بشكل أحادي.
وفي مارس 2025، وقبيل محادثات نووية بين طهران وواشنطن نسفتها الحرب الإسرائيلية، حذّر لاريجاني من أن الضغوط الخارجية المستمرة قد تبدّل موقف إيران حيال القدرات النووية.
وقال "إذا عمدت الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى قصف إيران بحجة برنامجها النووي، فإن إيران ستضطر إلى التحرك نحو إنتاج القنبلة الذرية. الناس سوف يضغطون علينا للتحرك نحو صنع القنبلة الذرية"، وفق ما نقلت عنه وكالة إيران للأنباء "إرنا".
وبعد الحرب، اعتبر لاريجاني أن المخاوف الغربية من البرنامج النووي "ذريعة" لمواجهة أوسع نطاقا، معتبرا أن المطالب اللاحقة بشأن برنامج إيران الصاروخي ونفوذها الإقليمي، تعكس تغيّرا في المطالب السياسية.
وشدّد مرارا على أن المفاوضات مع واشنطن يجب أن تبقى محصورة بالملف النووي، ودافع عن تخصيب اليورانيوم باعتباره حقا سياديا لإيران.
وفي إشارة إلى المحادثات مع الولايات المتحدة، قال في مقابلة أجرتها معه إحدى القنوات مؤخرا، إن طهران تريد "حلا سريعا" لهذه المسألة.
ورأى أن نشوب حرب بين إيران والولايات المتحدة غير مرجّح، لأن واشنطن ستدرك أنها لن تجني مكاسب كبيرة وأن خسائرها ستكون جسيمة.
طموحات رئاسية
ولاريجاني هو أحد المسؤولين الإيرانيين الذين فرضت عليهم واشنطن عقوبات في يناير بسبب ما وصفته بأنه "قمع عنيف للشعب الإيراني"، عقب احتجاجات واسعة النطاق اندلعت على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأقرّ لاريجاني بأن الضغوط الاقتصادية "أدت إلى الاحتجاجات"، لكنه حمّل مسؤولية أعمال العنف التي تلتها إلى تدخلات خارجية أميركية وإسرائيلية.
وفي ظل دوره المتنامي، يرى واعظ أن الحسابات السياسية للاريجاني ترسم خطوطها طموحاته البعيدة المدى.
ويقول "إنه رجل طموح، يطمح إلى منصب أعلى، ولاريجاني بالتأكيد يريد أن يصبح رئيسا"، لافتا إلى وجود دافعين لديه "الأول هو الحفاظ على النظام، والثاني هو ألا يحرق أوراقه".
(أ ف ب)