مع غروب الشمس بأحد المخيمات التركية المخصصة للناجين من الزلزال، خرج بهاء الدين كار من مأواه المؤقت ليعبر عن شكواه من نقص الكهرباء والمياه والتوزيع غير العادل للمساعدات وارتفاع تكاليف المعيشة، لكنه لا يزال من أشد المؤيدين للرئيس رجب طيب إردوغان قبل الانتخابات العامة التي يُتوقع أن تكون الأصعب في حكم الرئيس التركي المستمر منذ عقدين.
وفي المخيم الواقع في مدينة أنطاكية القديمة، أكثر المدن تضررا من الزلزال القوي الذي ضرب البلاد في فبراير وتسبب في مقتل أكثر من 50 ألفا في تركيا وشرد الملايين، قال كار (54 عاما) "إذا فاز رجب طيب أردوغان بالانتخابات، فسيكون هناك حل لهذه القضايا، لكن إذا لم يفز، فويل لهؤلاء الناس".
وأظهرت المقابلات التي أجريت مع كار وعشرات الناخبين الآخرين في أنطاكية حالة من الغضب مما اعتبره البعض استجابة أولية بطيئة من جانب الحكومة للكارثة، لكنهم لم يذكروا سوى أدلة قليلة على أن هذه المشكلة غيّرت رأي الناس في التصويت في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وتعطي هذه الآراء نظرة سريعة على الوضع في أنطاكية والمنطقة الأوسع من جنوب تركيا التي ضربها الزلزال، وهي منطقة يسكنها 9 ملايين ناخب وتمثل أحد مراكز القوة لأردوغان منذ فترة طويلة.
ومع ذلك، تأتي هذه الآراء متوافقة مع النتائج التي توصل إليها بعض منظمي استطلاعات الرأي والأكاديميين الذين يقولون إن "الكارثة زادت من وجهات النظر المستقطبة بالفعل ما بين المؤيدة لأردوغان وحزبه الحاكم حزب العدالة والتنمية وتلك المعارضة لهما".
منافسة محتدمة
وقال مدير مركز ميتروبول لاستطلاعات الرأي أوزير سنكار إن "مستويات التأييد لحزب العدالة والتنمية عادت إلى مستويات ما قبل الزلزال في أبريل إلى نحو 40% بعد انخفاضها إلى أقل من 33% في فبراير، مضيفا " 4.3% من الناخبين فقط الشهر الماضي قال إن الزلزال هو أكبر مشكلة واجهتها تركيا، وعبّر معظمهم عن قلقهم المتزايد على الاقتصاد الذي يعاني من التضخم المتفشي".
وتشير استطلاعات للرأي إلى أن الانتخابات ستشهد منافسة محتدمة إذ من المحتمل أن تجري جولة إعادة بعد أسبوعين من الانتخابات الرئاسية بين إردوغان ومنافسه كمال كليجدار أوغلو على الأرجح.
وأشار استطلاع أجرته شركة "ماك" الأسبوع الماضي إلى حصول أردوغان على 45.4% من أصوات المشمولين بالاستطلاع، بينما تجاوز كليجدار أوغلو حاجز 50% ، وهو الحد اللازم للفوز بالانتخابات الرئاسية في الجولة الأولى.
وقالت رئيسة قسم العلاقات الدولية في جامعة اشيك بإسطنبول سيدا ديميرالب إنها "لا تتوقع أن يكون للزلزال تأثير كبير على الانتخابات لأنه يختلف عن الأزمة الاقتصادية التي تضر عادة بمن هم في السلطة"، مضيفة "لا أعتقد أنه (الزلزال) أدى إلى انخفاض عدد المصوتين انخفاضا كبيرا لكن ربما يمكننا القول إنه منعها من الزيادة".
هدم أنطاكية القديمة
أصبحت شوارع أنطاكية التي كانت نابضة بالحياة في يوم من الأيام خالية إلى حد كبير حيث يعيش السكان الذين لم يفروا إلى أي مكان آخر في تركيا الآن مثل اللاجئين ويحتمون بالخيام وكبائن الحاويات ويصطفون لطلب المساعدة أو الاستفسار عن الخدمات العامة.
وفي مكان قريب، تعالت أصوات الحفارات وهي تهدم نحو 80 إلى 90 بالمئة من المباني التي يُعتقد أنها تعرضت لأضرار بسبب الزلزال، وأزالت الشاحنات أنقاض المباني السكنية المنهارة، تاركة خلفها مساحات شاسعة خالية في قلب المدينة.
وبدأ الآن فقط يظهر مظهر بسيط من مظاهر الحياة الطبيعية مع فتح عدد قليل من المتاجر والمطاعم في سوق البازارات التاريخي وبدء الحكومة المحلية عملها من إحدى المدارس الثانوية.
ومع تضاؤل الحماس للمشاركة في الانتخابات، لا يوجد هناك صوت للحملات الانتخابية على عكس الحملات في الماضي التي كانت تعج بالضوضاء، لكن الأحزاب لا تزال مستمرة في الحشد في مدينة أنطاكية وما حولها حيث يوجد 350 ألف ناخب.
ويقدم كل طرف من الأطراف المتنافسة في الانتخابات روايات مختلفة للغاية عن أردوغان واستجابة حكومته للكارثة.
وقال النائب عن حزب العدالة والتنمية عبد القادر أوزيل بينما كان الناس يتجمعون للاستماع إليه خارج مسجد في قرية بشمال أنطاكية "يرتبط رئيسنا ارتباطا قويا للغاية بأمتنا، ويتجاوز هذا الرابط حد الكاريزما، هناك أساس قوي من الثقة في أنه يستطيع أن يفي بما وعد به".
واختلف الأمر بالنسبة لمرشح الحزب الموالي للأكراد كريم نالبانت الذي كان يلقي خطابا أمام عشرات الأشخاص الذين تجمعوا في شرفة على أحد التلال غرب المدينة بينما كان يلعب الأطفال في مكان قريب، وقال "وجهة النظر الأساسية هي أن حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية تركتنا في حالة خراب. ولم يتحركوا في الوقت المناسب لإنقاذ الشعب. وقد أدى ذلك إلى تزايد حدة الغضب"، في إشارة إلى حزب أردوغان وحلفائه القوميين.
تأييد للمعارضة
لطالما سيطر حزب العدالة والتنمية على 11 منطقة من المناطق المتضررة من الزلزال، لكن حزب الشعب الجمهوري بقيادة كليجدار أوغلو يتمتع بتأييد قوي في المناطق الجنوبية من هاتاي، حيث تقع أنطاكيا.
وفي عام 2018، فاز حزب العدالة والتنمية بخمسة مقاعد برلمانية في هاتاي مقابل 4 مقاعد لحزب الشعب الجمهوري.
وعبر إرتان جينس الذي يسكن أحد المخيمات وسط أنطاكية عن تأييده لأردوغان في الانتخابات وقال إنه "على يقين في أنه سيحصل على منزل جديد في غضون أشهر"، حيث كان أردوغان قد تعهد ببناء مساكن جديدة في غضون عام.
وقال الرجل البالغ من العمر 48 عاما "زعيمنا سيفوز، وما دام زعيمنا على قيد الحياة، فإن العالم كله والأتراك سيكونون معه دائما".
وعلى الجانب الشرقي من نهر العاصي في منطقة أنطاكية التاريخية، كان للشاعر حكمت جوزيل (63 عاما) وجهة نظر مغايرة، قائلا إن "الناخبين سيحاسبون المسؤولين على فشلهم في الاستجابة للكارثة عبر صناديق الاقتراع"، مضيفا "ظلت الحكومة في السلطة لمدة 21 عاما، وتركونا وحدنا... إذا كنا نعيش في زمن يقول الناس فيه إنه لا يوجد من يمد يد العون، فهذا وقت التغيير وتجربة سياسيين جدد".
البقاء على قيد الحياة
ونقطة الاتفاق الوحيدة بين معظم الأفراد في أنطاكية هي أن الانتخابات ليست على رأس قائمة اهتماماتهم، وأن البقاء على قيد الحياة هو القضية الأكثر إلحاحا بالنسبة لهم.
وقال جونيت أوفكيلي وهو مسؤول محلي كان منشغلا بفحص قوائم الناخبين والاستماع إلى مخاوف السكان المحليين وهو يتجول في الشوارع المليئة بالركام وتحيط به المباني المتداعية، "نحتاج أن تمد إلينا الدولة يد العون لأنه ليس لدينا ملجأ آخر نتشبث به"، مضيفا "إذا لم تقدم دولتنا يد العون، فسيظل عشرات الآلاف من الناس في حالة من الانهيار، نحن والآلاف مثلنا غير مستعدين على الإطلاق للانتخابات".
(رويترز)