بين الترحيب والتشكيك، تتوالى ردود الفعل الرسمية والشعبية بشكل ملحوظ، حول مخطط الرئيس الأميركيّ جو بايدن، الهادف لإنشاء ميناء بحريّ عائم على شاطئ قطاع غزة، من أجل إيصال المساعدات الإنسانية وتدفّقها إلى الأهالي بحسب الإدارة الأميركية.
وتحوم المخاوف تحديدا حول تحقيق مخطط تهجير الغزّيين للخارج، فيما يشكك البعض في نجاح الخطة المرفوضة بحسب الأهالي.
في خضم ذلك، نقلت مصادر أميركية عليمة، عن وثائق حكومية كشفت بأنّ إدارة الرئيس الأميركيّ جو بايدن، تدرس استقبال بعض الفلسطينيّين من قطاع غزة في الولايات المتحدة، للعيش كلاجئين، في خطوة من شأنها أن توفر ملاذًا دائمًا لهم، وسط الحرب المستمرة في غزة بين إسرائيل وحركة "حماس" للشهر الـ7 تباعًا.
وعلى الأرض، انسجم الطرح الأميركي، مع التصريحات والاقتراحات التي قدمها وزراء وساسة إسرائيل منذ نشوب الحرب، والتي تصب في إعادة التوطين الطوعيّ للفلسطينيّين في غزة خارج القطاع، معتبرين ذلك حلًا إنسانيًا ينهي المعاناة القائمة بحسب وصفهم.
فماذا يحمل المشروع الأميركيّ في طياته لحاضر ومستقبل قطاع غزة؟ وهل سيشهد الميناء العائم حركة نقل بالاتجاهين؟ وهل ذلك يعني إطالة أمد الحرب في غزة؟
مساعٍ أميركية حثيثة
وفي هذا السياق، أكد المتحدث الإقليميّ باسم الخارجية الأميركية سامويل وربيرغ لمنصة "المشهد"، بأنّ "خطوة إنشاء الرصيف المؤقت قرب ميناء غزة في إطار مهمة طارئة أعلن عنها الرئيس بايدن خلال خطاب حالة الاتحاد، حيث وجه القوات الأميركية لإقامة ممر بحريّ ورصيف مؤقت في غزة، بالتعاون مع دول وشركاء يشاطروننا القيم نفسها، لتمكين تدفق المساعدات عبر البحر مباشرة إلى غزة، هذه الخطوة تُعتبر جزءًا من جهد مستمر لزيادة المساعدات الأميركية الواردة إلى غزة، عبر البر والجو والبحر".
وأشار وربيرغ لـ"المشهد"، إلى أنّ الرصيف المؤقت "سيُسهم في إيصال المساعدات الضرورية إلى غزة، إضافة إلى جهودنا الأخرى المستمرة لاستدامة وتوسيع المساعدات الواردة عبر البر، كما أننا نواصل التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية التي تعهدت بتوفير الأمن أثناء بناء وتشغيل هذا الرصيف، ونؤكد أنّ قواتنا لن تدخل غزة".
وأوضح خلال حديثه، "نعمل مع شركائنا الدوليّين والمنظمات غير الحكومية، لضمان نجاح استخدام الممر البحريّ في زيادة المساعدات إلى غزة، ونواصل الانخراط مع مختلف المنظمات والأطراف المعنية لضمان توزيع المساعدات بفاعلية، وهذه المبادرة تأتي في وقت تشير فيه التقارير إلى أنّ المجاعة وشيكة في قطاع غزة، وهذا ما يزيد من أهمية وضرورة تسريع عمليات تقديم المساعدات".
تلبية الاحتياجات الإنسانية
وتابع "بناءً على ذلك، دفع الرئيس بايدن إسرائيل لزيادة تدفق المساعدات إلى غزة، وأمر الجيش الأميركيّ ببدء إسقاطات إنسانية للغذاء والدواء من الجو، وبناء الرصيف الموقت لزيادة كمية المساعدات المقدمة".
وأكد أنّ "الهدف من إنشاء هذا الرصيف، هو تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة، وليس تسهيل الهجرة من غزة كما يُشاع، حيث إنّ الولايات المتحدة من دون أدنى شك وبشكل قاطع، ترفض أيّ شكل من أشكال التهجير القسريّ للفلسطينيّين وأهالي قطاع غزة، ونحن ملتزمون بمتابعة هذه الجهود بالتعاون مع شركائنا الدوليّين، وفقًا للقانون الدوليّ والأميركي".
وختم قوله لـ"المشهد"، "في ما يتعلق بالأنباء المتداولة عن دراسة الإدارة الأميركية لاستقبال مواطنين من غزة كلاجئين، ليس لدينا أيّ إعلانات رسمية في الوقت الحالي. وبالنسبة لبرنامج استقبال اللاجئين في الولايات المتحدة، نحن نقيّم باستمرار المقترحات لدعم الفلسطينيّين الذين لديهم عائلات في الولايات المتحدة، وقد يرغبون في المغادرة إلى الولايات المتحدة. نحن ندرس هذه الخيارات، ولكن لا يوجد شيء نعلنه في هذا الوقت".
ترحيل قسري؟
من وجهة نظر المحلل السياسيّ المتخصص في الشأن الأميركيّ والعلاقات الدولية، د.إيهاب عباس، فقد أوضح لمنصة "المشهد"، بأنّ "حق الهجرة مكفول لأيّ إنسان على كوكب الأرض من مكان لمكان، ومن الجيد أن يكون هناك استقبال لأيّ شخص يسعى للهجرة بشكل لائق، وأن توفر له سبل الحياة الكريمة، لكنّ الأمر في ما يخص أهالي قطاع غزة، ليس هجرة طبيعية، بل تحت مسمى تهجير"،
وتابع عباس "لأنّ إفراغ قطاع غزة من الفلسطينيّين، ربما يكون في مصلحة الجانب الإسرائيليّ بشكل كبير، وفي الوقت نفسه سيتوفر للمهاجرين إن تمت الهجرة كما يقال حتى اللحظة، ولا توجد تفاصيل رسمية، سيتم توفير حياة كريمة وجيدة لهم داخل الولايات المتحدة، وسيحظى أبناؤهم بأعلى درجات التعليم".
واستدرك عباس حديثه قائلاً: "نحن أمام أمرين الأول المتعلق بحقيقة أنّ هناك من سيترك أرضه لغيره، والثاني ربما ستتاح له فرصة للعيش بشكل أفضل، وبمجرد تم فتح باب اللجوء من غزة للولايات المتحدة، سيكون هناك كثر من الفلسطينيّين يرغبون في اتخاذ هذه الخطوة، وكثر لن يتركوا تراب غزة وسيفضلوا البقاء فيها حتى لو دفنتهم الآلة العسكرية الإسرائيلية، وبالتالي المواطن الفلسطينيّ سيقع تحت ضغط شديد، هذه خطوة تحتاج لقرارات صعبة إذا ما تم ذلك، بالإضافة إلى أنّ المجتمع الأميركيّ، هناك من سيرحب بهم، ومن سيرفض مثل الجمهوريّين".
ونوّه عباس إلى أنه "من الممكن أن يسهّل الميناء العائم الذي تشيّده الولايات المتحدة في غزة، أمور الهجرة المباشرة مع أهالي قطاع غزة، بعد خضوعهم لفحوصات وموافقة، من خلال البواخر، لموانئ ودول أخرى بالطائرات للولايات المتحدة، ربما الميناء سيكون من المهام التي ستوكل إليه هذه المهمة، لكنه حاليًا متخصص بتوفير المساعدات للأهالي".
ترحيب إسرائيلي
من جانبه، شدد الباحث الإسرائيليّ في الشؤون العربية إلحنان ميلير في حديثه لمنصة "المشهد"، بأنّ "إسرائيل ترحب بهذه الخطوة الأميركية، لأنه أمر يسهل معاناة شعب غزة وليس على حساب إسرائيل أو مصالحها الأمنية، وذلك قد يخيف حركة "حماس"، لأنّ الخطوة قد تكون بداية هجرة عكسية أو هجرة من القطاع إلى الخارج، وهذا ما تحاول الحركة الحيلولة دون حصوله، على اعتباره ترحيلًا وتهجيرًا لأهالي قطاع غزة إلى الخارج، ويعتقدون بأنه هدف إسرائيليّ بحت، لإعادة السيطرة والتوسع الاستيطاني في غزة، أعتقد بأنّ المشكلة في الخطوة الأميركية المتوقعة، سوف تكون لدى "حماس" وليس إسرائيل".
وأكد ميلير خلال حديثه، بأنّ "الميناء الأميركيّ العائم الذي يتم تشييده في قطاع غزة، لا تعتبره إسرائيل مشكلة أو معضلة في خضمّ الحرب المتواصلة، بل من أجل دخول المساعدات وتدفقها لأهالي غزة، وكذلك للمراقبة على البضائع من قبل القوات الأميركية التي ستوجد وتراقب في المكان".
وكشف ميلير لـ"المشهد" بأنه "كانت هناك مطالبة يسارية بشكل متواصل في إسرائيل، من أجل تأسيس ميناء في قطاع غزة، وهذا المشروع الأميركيّ يؤشر إلى فتح ميناء في غزة، وكانت إسرائيل تعارض ونتانياهو يماطل هذه الخطوة جملة وتفصيلًا".
الوجود الأميركي
أما المحلل السياسيّ ساري عربي فيرى في حديثه لمنصة "المشهد"، بأنّ "التهجير الجماعيّ للفلسطينّين من غزة، مشروع قد سقط، لكن بالتأكيد تحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة بعد تدمير معالم الحياة الحضارية والعمرانية، وجعلها مكانًا غير قابل للعيش، بالتأكيد يعد جزءا من ذلك التشجيع على الهجرة الطوعية للفلسطينيّين، وهي بحاجة لمشجعات ومعززات، وفتح الولايات المتحدة أبوابها لشيء من هذا القبيل، قد يكون للتشجيع على الهجرة الطوعية، وتسعى أن تُظهر بأنها ذات تعامل إنساني، وتدلل باستقبال فلسطينيّين في أميركا".
ويعتقد عربي أنّ إقامة الميناء الأميركيّ العائم قبالة غزة، "يؤكد أنّ إدارة بايدن لم تبحث أيّ حلول لإنهاء الحرب على غزة، والميناء العائم له مجموعة من الأهداف، جزء منها دعائيّ لإظهار الولايات المتحدة أنها تهتم بالجانب الإنسانيّ في غزة، وتبني الرصيف البحريّ من أجل وصول المساعدات، وحتى يكون لها تأثير فاعل ومباشر في غزة، مثل توفير غطاء إنسانيّ لاستمرار الحرب مع وجود مساعدات، وما يتعلق بسؤال اليوم التالي للحرب، لإدارة غزة والفلسطينيّين فيها".
(المشهد - القدس)