صفقات السلاح الروسي تضع التحالفات الإقليمية على المحك. واشنطن تُقِرّ بوجود تحفظ، والجزائر تتمسك بخياراتها الإستراتيجية. كيف ستدير واشنطن هذا الملف المعقد دون خسارة حليف في شمال إفريقيا؟
ملف شائك
خلف أبواب الكونغرس الموصدة، وفي جلسات الاستماع العلنية، برزت الجزائر كملف شائك على طاولة المشرعين الأميركيين. شراء الجزائر لمقاتلات روسية حديثة لم يمر مرور الكرام، بل أثار نقاشًا حول حدود المناورة التي تمتلكها القوى الإقليمية في ظل الاستقطاب العالمي الراهن.
Watch on YouTube
واشنطن، التي ترى في الجزائر شريكًا أمنيًا مهمًا في مكافحة الإرهاب، تجد نفسها اليوم أمام معضلة تتعلق بكيفية الموازنة بين حاجتها إلى التعاون، وبين غضبها من صفقات عسكرية تضخ المليارات في خزائن موسكو.
الإجابة جاءت على لسان روبرت بالادينو، المسؤول الرفيع في الخارجية الأميركية، الذي وضع النقاط على الحروف بلغة دبلوماسية تحمل في طياتها نبرة تحذير، إذ قال: "نحن نعمل عن كثب مع الحكومة في الجزائر بشأن القضايا التي نجد فيها أرضية مشتركة، وبالتأكيد لا نتفق على أمور كثيرة، وهذا قد يكون مثالًا على ما يمكن أن يمثل مشكلة للولايات المتحدة".
وتابع: "نحن نتعامل مع القيادات والحكومات كما هي في الواقع، ونستخدم ما لدينا من أدوات ضغط، وغالبًا ما يكون ذلك عبر قنوات دبلوماسية خاصة، من أجل تحقيق التقدم في مصالحنا ووقف السلوكيات التي لا نراها مناسبة".
حديث بالادينو عن "أدوات الضغط" و"السلوكيات غير المناسبة" يكشف عن عمق الفجوة؛ فواشنطن لم تعد تكتفي بالتعاون الفني، بل تلوّح بالقنوات الخاصة لتغيير قناعات الجزائر العسكرية والسياسية في منطقة لم تعد تحتمل ضبابية المواقف. إقرار أميركي واضح بوجود مشكلة، يقابله تمسك جزائري بتنويع الشركاء. فهل تنجح واشنطن في كبح جماح التقارب الجزائري–الروسي؟ وكيف تبدو خريطة المصالح الأميركية في شمال إفريقيا خلال عام 2026؟
كيف تنظر أميركا للعلاقة مع الجزائر؟
عن هذا السؤال، يقول نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط، ميك مولروي. لـ"المشهد" إن هناك العديد من العناصر التي يأخذها الأميركيون بعين الاعتبار في علاقة بالجزائر:
- التقارب بين الجزائر وروسيا التي تشكل تحديًا بحد ذاتها، خصوصًا مع حلف الناتو، الذي تُعد الولايات المتحدة قائدته.
- رغم أن هناك قوانين في الولايات المتحدة تتعلق بالعقوبات، على الدول التي تحصل دولة ما على معظم أسلحتها من روسيا وهو حال الجزائر التي تحصل على 70 إلى 80% من تسليحها من موسكو لكن واشنطن لا ترغب في الوصول إلى هذا السيناريو، بل تود أن تتنافس مع روسيا لصالح الجزائر.
- التقارب الأميركي مع المغرب، في مقابل الدور الأوروبي، خصوصًا في ظل السعي لتعويض النفط الروسي، حيث تُعد الجزائر من الجهات الأساسية التي تمد أوروبا بالطاقة، ما يخلق حالة من المنافسة.
هل خيار العقوبات مطروح فعليًا؟
لا يرجح مولروي أن يكون لدى البيت الأبيض رغبة في فرض عقوبات على الجزائر، لكنه في المقابل يذكر بالقوانين الأميركية التي تفرض قيودًا وعقوبات في حال الوصول إلى مستوى معين من التعاون مع روسيا.
وبناء على ذلك يقول إن الولايات المتحدة وإن لم ترغب في فرض العقوبات فإنها مطالبة بالتعامل مع هذا القانون المفروض عليها.
قنوات التفاوض
في ظل هذه الوضعية يتساءل كثيرون عن حقيقة وجود قناة تفاوض غير معلنة مع الجزائر حول سقف التعاون مع روسيا لتجنب العقوبات؟
ويقول المتحدث إن هناك العديد من الخيارات التي قد تعتمد عليها الولايات المتحدة، في حال اتخذت الجزائر خطوات في هذا الاتجاه، مثل اتفاقيات تعاون عسكري مع واشنطن، أو السماح بإجراء تدريبات للناتو على أراضيها.
ويشير إلى أن هناك منافسة إستراتيجية واضحة بين الولايات المتحدة وروسيا، مشددا على أن "واشنطن تريد أن تفوز بهذه المنافسة، كما تفعل في أي سياق آخر".
لكن في ظل هذه المعطيات كيف يمكن للولايات المتحدة أن تفرض على الجزائر ممن تشتري السلاح ومع من تتعامل. يقر المتحدث بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى أكبر عدد ممكن من الشركاء والحلفاء.
لكنه في المقابل يرجح أن الإدارة الحالية لا تتعامل مع التحالفات في المنطقة بالطريقة نفسها التي كانت عليها الإدارات السابقة بعد الحرب العالمية الثانية.
ويوضح أن الولايات المتحدة تريد الاقتراب أكثر من الجزائر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقتها القوية مع المغرب، حليفها الآخر، في ظل تنافسها المستمر مع روسيا.
بين سياسة تنويع التسليح ولعبة توازن خطرة
يقول المتحدث إن الجميع أصبح واعيا لقدرات الأسلحة والأنظمة الروسية في ساحات عدة، من بينها الحرب في أوكرانيا، وكذلك في إيران وفنزويلا.
ويضيف أن هذه الدول اعتمدت بشكل كبير على أنظمة الدفاع الجوي الروسية والصينية، وتبيّن أنها لم تكن دقيقة أو فعالة كما كان متوقعًا.
ويرى أن اعتماد الجزائر على هذه الأنظمة، رغم محاولة الموازنة بين جميع الأطراف، قد لا يكون الخيار الأفضل على المدى الطويل، إذا كانت هذه الأنظمة الروسية على هذا المستوى من الأداء.
(المشهد)