في ربيع عام 1942، كان الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت يواجه تحديات جسيمة وهو يقود بلاده نحو حرب عالمية طويلة ضد قوى المحور.
وكان السؤال الأشد إلحاحا آنذاك هو: كيف ستدفع الولايات المتحدة فاتورة حرب تلتهم يوميا ما يعادل 250 مليون دولار؟
ورفض روزفلت آنذاك أن تُلقى الأعباء على الأجيال المقبلة، فاختار تمويل الحرب عبر ضرائب مرتفعة على الشركات والأثرياء، مؤكدا أن التضحية يجب أن تكون مشتركة.
وبحسب وكالة "بلومبرغ، فإن المشهد تغير جذريا في العقود الأخيرة.
الاقتراض
وبينما كان الرؤساء السابقون يرفعون الضرائب لتمويل النزاعات، اتجهت الإدارات الحديثة إلى خيار الاقتراض ما جعل الدين العام يتضخم بشكل غير مسبوق.
وبدا هذا التحول واضحا في مغامرات الرئيس دونالد ترامب الخارجية، من فنزويلا إلى إيران وصولا إلى غرينلاند، حيث تراكمت النفقات العسكرية والاقتصادية دون أن تُطرح بجدية مسألة كيفية تغطية تكاليفها.
في فنزويلا، على سبيل المثال، بلغت تكلفة العمليات العسكرية الأميركية أكثر من 31 مليون دولار يوميا أي ما يتجاوز 11 مليار دولار سنويا، فيما دفع ترامب شركات النفط الأميركية إلى استثمار 100 مليار دولار لإعادة بناء القطاع النفطي هناك.
أما في إيران، فقد وصلت كلفة نشر مجموعة حاملات الطائرات إلى نحو 8 ملايين دولار يوميا، أي ما يقارب 3 مليارات دولار سنويا إضافة إلى مليارات أخرى أنفقت على ضربات جوية وعمليات ضد وكلاء طهران.
وفي غرينلاند، طرحت الإدارة الأميركية فكرة شراء الجزيرة بمبلغ قد يصل إلى 700 مليار دولار وهو ما يعادل 3 أرباع ميزانية وزارة الدفاع.
حروب بالتريليونات
ولا تعكس هذه الأرقام، وإن بدت ضخمة، سوى جزء من الصورة الكاملة. فالتجربة المريرة في العراق أثبتت أن التقديرات الأولية غالبا ما تكون أقل بكثير من الواقع.
وقيل حينها إن الحرب ستكلف 50 مليار دولار، لكنها انتهت بفاتورة تقارب 4.5 تريليونات دولار، ومع إضافة تكاليف الرعاية الصحية للمحاربين القدامى وخدمة الدين، ارتفع المجموع إلى نحو 8 تريليونات دولار، بحسب تقديرات أكاديمية مستقلة.
وتجاوز الدين العام الأميركي 30 تريليون دولار، اليوم، أي ما يقارب 97% من الناتج المحلي الإجمالي بعدما كان عند بداية حرب العراق لا يتعدى 3.7 تريليونات دولار.
ويعكس هذا التراكم الهائل تحولا في النهج الأميركي: من دولة كانت تناقش بجدية كيفية دفع تكاليف الحروب، إلى دولة تمول مغامراتها العسكرية عبر الاقتراض تاركة عبء السداد للأجيال القادمة.
ولم تعد كلفة الحروب الأميركية، القديمة والجديدة، مجرد أرقام في ميزانية البنتاغون، بل ديونا متراكمة على "بطاقة الائتمان الوطنية" كما وصفها خبراء الاقتصاد، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول استدامة هذا النهج وقدرة الولايات المتحدة على مواصلة تمويل صراعاتها الخارجية دون أن تهتز ثقة الأسواق والمستثمرين.
(ترجمات)