لم تكن كلمة دولة الإمارات في الأمم المتحدة مجرد حديث سياسي عام، إنما تأطير لرؤيتها ومقاربتها النظرية والعملية في ملفات عدة، منها الوضع المأزوم في السودان. وتكاد أن تكون رؤية أبوظبي قائمة على نسق يتمتع بالثبات والمرونة كما يجمع بين الاستقرار والتنمية لتحقيق نتائج مستدامة، بحسب مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد".
المقاربة الإماراتية
لهذا، لم يكن مباغتًا أن يبرز في خطاب وزير الدولة بوزارة الخارجية الإماراتية خليفة بن شاهين المرر، جملة ثوابت السياسة الخارجية لأبوظبي، وانخراطها في نطاقات إقليمية عديدة، بجانب جاهزيتها لأداء دورها الفاعل بمجالها الحيوي والإستراتيجي بالإقليم.
وكان وزير الدولة الإماراتي قد شدد في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على موقف بلاده إزاء ضرورة إنهاء الكارثة الإنسانية في السودان، والتوصل إلى وقف دائم وغير مشروط لإطلاق النار، بما يضع حدًا للحرب الأهلية. ويشمل ذلك إطلاق عملية سياسية شاملة وذات مصداقية بقيادة مدنية، تفضي إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة ثم يقرر الشعب السوداني وحده مستقبل بلاده.
إذًا، تعكس المقاربة الإماراتية للأزمة السودانية، بحسب المصادر التي تحدثت لـ"المشهد" تصورًا أوسع لدور الدبلوماسية الإماراتية يقوم على ربط الاستقرار السياسي بالتنمية وحماية المدنيين.
ومن اللافت أنّ أبوظبي في الوقت الذي تركز فيه على رفض الحسم العسكري بالسودان، ودعم وقف إطلاق النار في إطار تدشين للمسار السياسي المدني، تطرح تجربتها التنموية القائمة على تنويع مصادر الدخل، والاستثمار في الإنسان، والانفتاح الاقتصادي، باعتبارها نموذجًا يمكن الاستفادة منه في تجاوز أزمات الدول التي أنهكتها الحروب والاعتماد على الموارد الأحادية.
وفي الحالة السودانية، يتقاطع هذا التصور مع الدعوات إلى إنهاء الحرب ونزع السلاح من الأطراف المتنازعة، وتهيئة الظروف أمام السودانيين لاستعادة إدارة شؤونهم وإعادة بناء دولتهم على أسس الأمن والاستقرار والتنمية، كما تشير المصادر ذاتها.
الأمن والاستقرار
وفي حديثه لـ"المشهد"، قال المحلل السياسي الإماراتي الدكتور جاسم خلفان، إنّ كلمة الوزير خليفة شاهين المرر، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عكست تصور الإمارات للعلاقات الدولية ومنهجيتها في بناء المجتمعات وتحقيق التنمية وتعزيز السلم والأمن والاستقرار بين الدول.
وفي ما يتعلق بالسودان، قال خلفان إنّ الدعوات المطالبة بإصدار قرار دولي لنزع السلاح من جميع الأطراف المتنازعة، يمكن أن تفتح المجال أمام البلاد لإعادة ترتيب أولوياتها والانتقال من الحرب إلى التنمية، بما يتيح للشعب السوداني العيش في بيئة آمنة ومستقرة.
وبحسب المحلل السياسي السوداني، فإنّ هذا التوجه يتقاطع مع الرؤية الإماراتية الداعية إلى إنهاء مظاهر التسلح والحرب في السودان، وإتاحة الفرصة للشعب السوداني لإدارة شؤونه بنفسه، بعيدًا عن الصراع المسلح، بما يمهد الطريق أمام إعادة بناء الدولة وتحقيق التنمية والاستقرار.
وأوضح خلفان، أنّ الوزير استعرض خلال كلمته تجربة الإمارات التنموية والخطط التي اتبعتها الدولة على مدى الأعوام الماضية، والتي أسهمت في تحقيق ما وصفه بـ"قفزات نوعية" جعلت الإمارات دولة آمنة ومستقرة، رغم التحديات والظروف الإقليمية والدولية المحيطة بها.
قرار إستراتيجي إماراتي
وأشار إلى أنّ الإمارات اتخذت منذ وقت مبكّر قرارًا إستراتيجيًا بعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، والعمل على بناء اقتصاد مستدام يقوم على تنويع مصادر الإيرادات، وهو ما تحقق، بالتوازي مع الاستثمار في الإنسان وتطوير منظومة التعليم بمختلف مستوياتها وتخصصاتها.
وأردف: "تجربة الإمارات شملت كذلك تطوير القطاعات الصناعية على نطاق واسع، من الصناعات الدقيقة إلى الصناعات الثقيلة والدفاعية، بما يعكس توجهًا نحو بناء اقتصاد متنوع وتعزيز القدرات الوطنية في مجالات متعددة".
ويرى خلفان أنّ الإمارات، من خلال استعراض تجربتها أمام المجتمع الدولي، لا تطرح نموذجها باعتباره تجربة خاصة بها فحسب، وإنما تدعو الدول الأخرى إلى الاستفادة من التجارب التنموية الناجحة، خصوصًا في ما يتعلق بتنويع مصادر الدخل وعدم الارتهان لمصدر اقتصادي واحد، وفتح المجال أمام الاستثمارات ورؤوس الأموال الأجنبية.
كما أكد أنّ الإمارات أصبحت، نتيجة لهذه السياسات، وجهة لرؤوس الأموال والاستثمارات من مختلف أنحاء العالم، مشيرًا إلى أنّ التجربة الإماراتية تمثل نموذجًا في الانتقال من الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، إلى جانب توفير بيئة آمنة ومستقرة للمواطنين والمقيمين.
الإمارات مع حل سياسي شامل
إلى ذلك، قال الكاتب والباحث السياسي المختص في الشأن السوداني محمد المختار محمد، إنّ موقف دولة الإمارات العربية المتحدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الأزمة السودانية، جاء متسقًا مع إستراتيجيتها الدبلوماسية المعلنة منذ اندلاع الحرب، والتي تقوم على أولوية التوصل إلى حل سياسي شامل، وحماية المدنيين، والعمل على الحد من الكارثة الإنسانية.
وأوضح المختار محمد، في تصريحات لمنصة "المشهد"، أنّ الدبلوماسية الإماراتية، رغم محاولات ممثل قائد الجيش وسلطة بورتسودان إعادة طرح روايات سياسية بشأن الحرب والتنصل من المسؤولية عن اندلاعها وإطالة أمدها، ركزت على جملة من المحاور الرئيسة، في مقدمتها رفض الحسم العسكري، ودعم المسار السياسي المدني، ومساندة الجهود والمبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى إنهاء النزاع.
وأشار إلى أنّ هذا التوجه يتجلى في الدعم المستمر لجهود الوساطة والتيسير الدولية والإقليمية لدعم القرارات الأممية المتعلقة بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود وحماية الأعيان المدنية.
وأضاف أنّ الملف الإنساني يحتل موقعًا متقدمًا في الموقف الإماراتي، لافتًا إلى تركيز أبوظبي أمام الجمعية العامة على ضرورة فتح ممرات ومعابر آمنة ومن دون عوائق أمام وصول المساعدات إلى مستحقيها في مختلف الولايات السودانية، والتنديد بانتهاكات القانون الدولي الإنساني واستخدام المنشآت المدنية لأغراض عسكرية، إلى جانب مواصلة تقديم الدعم الإغاثي والطبي للاجئين والنازحين السودانيين، سواء داخل البلاد أو في دول الجوار، ومن بينها تشاد.
معاناة المدنيين
ويرى الباحث المختص في الشأن السوداني أنّ الرؤية الإماراتية للأزمة تتعارض مع توجهات سلطة بورتسودان التي تراهن على استمرار الحرب والحسم العسكري، مؤكدًا أنّ الموقف الإماراتي ينطلق من قناعة مفادها أنه "لا يوجد حل عسكري للأزمة السودانية"، وأنّ الرهان على تحقيق نصر ميداني حاسم لأيّ طرف، لن يؤدي، في تقديره، سوى إلى مزيد من تدمير الدولة وبنيتها التحتية وتعميق معاناة المدنيين.
وتابع: "الخطاب الإماراتي في المحافل الدولية يركز، في هذا السياق، على ضرورة التوصل إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار، باعتباره مدخلًا أساسيًا للانتقال إلى المسار السياسي".
كما أشار إلى أنّ الموقف الإماراتي يؤكد ضرورة العودة إلى مسار انتقال ديمقراطي بقيادة مدنية، ورفض محاولات تكريس سلطة الأمر الواقع أو إعادة تمكين القوى الأيديولوجية الإسلاموية التي ساهمت في مصادرة المسار المدني.
وختم المختار محمد حديثه قائلًا، إنّ الإمارات تؤكد، بصورة متكررة، أنّ مستقبل السودان ينبغي أن يحدده السودانيون أنفسهم، من خلال عملية سياسية شاملة لا تستثني سوى الأطراف التي تختار العنف أو الإرهاب.
(المشهد)
