لماذا قد تصبح مرتفعات علي الطاهر بؤرة المواجهة المقبلة بين إسرائيل و"حزب الله"؟

آخر تحديث:

شاركنا:
مرتفعات علي طاهر تلعب دورا حاسما في المعركة جنوب لبنان

قد تبدو مرتفعات علي الطاهر، التي ترتفع نحو 600 متر في جنوب لبنان، للوهلة الأولى مجرد منطقة مرتفعة أخرى متنازع عليها. لكن مع اقتراب إسرائيل و"حزب الله" من مواجهة جديدة قد تكون خطيرة، برزت هذه السلسلة من التلال المطلة على النبطية باعتبارها أكثر من مجرد موقع جغرافي مرتفع؛ فهي تحولت إلى هدف عسكري محتمل، وورقة تفاوضية، وربما اختبار لمدى استعداد إسرائيل لإعادة تشكيل المشهد الأمني شمال حدودها وفق موقع "عرب نيوز".


مرتفعات علي طاهر

وألمح مسؤولون عسكريون وسياسيون إسرائيليون بصورة متزايدة إلى احتمال خوض "عدة أيام من القتال" في جنوب لبنان، مع تركيز خاص على مرتفعات علي الطاهر والمنطقة المحيطة بقلعة الشقيف.

وتقول مصادر إسرائيلية إن عشرات من مقاتلي "حزب الله" يتحصنون داخل منشآت تحت الأرض أسفل المرتفعات، وإن القوات الإسرائيلية تحاول تطويق المنطقة ومنع وصول الإمدادات إليهم.

في المقابل، يقول "حزب الله" إن القوات الإسرائيلية فشلت في اختراق عمق التلال رغم القصف المتكرر بالذخائر الثقيلة، بما فيها القذائف الفوسفورية.

وتعكس الروايتان المتعارضتان سؤالاً أكبر: هل تسعى إسرائيل فقط إلى تدمير البنية التحتية لـ"حزب الله"، أم أنها تريد إقامة موطئ قدم دائم يمكن أن يصبح جزءاً من واقع أمني جديد في جنوب لبنان؟

وقد اكتسب هذا السؤال أهمية أكبر مع تجدد القتال وتعثر المفاوضات وتصاعد المخاوف في بيروت من إمكانية تحويل المكاسب الميدانية إلى أوراق ضغط سياسية.

موقع استراتيجي فوق النبطية

تقع مرتفعات علي الطاهر في محافظة النبطية، بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، شمال نهر الليطاني وعلى مسافة تتراوح بين 12 و15 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية.

وتشرف التلال على أجزاء واسعة من النبطية وإقليم التفاح وحوض الليطاني، ما يمنحها أهمية استراتيجية رغم التفوق الإسرائيلي الكبير في مجالات المراقبة والاستهداف الدقيق.

وتشكل هذه التلال مجتمعة سلسلة جبلية يبلغ طولها نحو 3 كيلومترات وتمتد من الجنوب إلى الشمال، فيما يصل عرضها إلى نحو 1.5 كيلومتر.

وتحد الجهة الغربية منها بلدات كفرتبنيت والنبطية الفوقا والنبطية وكفررمان، بينما تقل الكثافة السكانية في الجانب الشرقي.

وكانت المرتفعات من بين آخر المواقع التي أخلتها القوات الإسرائيلية عندما انسحبت من جنوب لبنان عام 2000.

وأوضح الجميّل أن أهمية المنطقة تكمن في إشرافها على النبطية والقرى المحيطة بها، فضلاً عن الممرات الشرقية المؤدية إلى جزين.

وقال إن القوات الإسرائيلية تنشط حالياً على طول خطوط المرتفعات وتسيطر على قمة تل علي الطاهر، كما وصلت إلى منطقة الدبشة، لكنها لم تتمكن حتى الآن من التوغل في عمق المنطقة.

يركز جزء كبير من الاهتمام الإسرائيلي على ما تقول إسرائيل إنه موجود أسفل هذه التلال.

وقد ظهر اسم "عماد 4" في تقارير إسرائيلية باعتباره أحد أكثر المنشآت العسكرية تحت الأرض تحصيناً في المنطقة.

وخلال الحرب السابقة، نشر "حزب الله" لقطات مصورة تظهر منشأة عسكرية كبيرة تحت الأرض، لكنه لم يكشف عن موقعها.

ووصف الجانب الإسرائيلي أجزاء من شبكة الأنفاق بأنها "مدينة تحت الأرض".

وبذلك، أصبحت علي الطاهر أكثر من مجرد ساحة معركة؛ فهي تتحول إلى اختبار لما إذا كان الضغط العسكري قادراً على تغيير الترتيبات السياسية والأمنية التي تحكم جنوب لبنان.

مسار دبلوماسي متعثر

توقف التقدم الإسرائيلي داخل جنوب لبنان بالقرب من قلعة الشقيف خلال اشتباكات وقعت في 2 مارس، أعقبها وقف مؤقت لإطلاق النار بعد محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية في 14 أبريل

وقال مصدر عسكري لبناني إن وقف إطلاق النار حال دون استكمال إسرائيل ما كان يُعتقد أنه خطة للتقدم باتجاه النبطية، وتطويق علي الطاهر والسيطرة على المرتفعات.

وتبعد قلعة الشقيف نحو 3 إلى 4 كيلومترات فقط عن المنطقة.

وتلت ذلك سبع جولات من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، عُقدت أولاً في واشنطن ثم في روما.

لكن العمليات الإسرائيلية البرية والجوية استمرت في أنحاء جنوب لبنان، وامتدت في بعض الأحيان إلى بيروت والبقاع.

وتصاعدت حدة المواجهات في نهاية الأسبوع الماضي، بعد إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين بجروح خطيرة في منطقة علي الطاهر في هجوم بطائرة مسيرة، بحسب ما قالت إسرائيل، فيما لم يعلن حزب الله مسؤوليته عن الهجوم.

وردت إسرائيل بسلسلة من الغارات أدت، وفق وزارة الصحة اللبنانية، إلى مقتل 11 شخصاً، بينهم نساء وأطفال.

ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، نقلاً عن مصادر عسكرية، أن شن عملية أوسع ضد المرتفعات يتطلب موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية ورئيس الوزراء بنيامين نتانياهو.

وفي بيروت، تتداول معلومات تفيد بأن مسؤولين لبنانيين تلقوا رسالة من واشنطن مفادها أن الولايات المتحدة لا تستطيع منع إسرائيل بشكل كامل من التحرك، لكنها تسعى إلى إبقاء أي عملية محدودة ومركزة، وتقليل الخسائر في صفوف المدنيين، والحفاظ على إطار المفاوضات القائم.

لماذا لا تكفي التكنولوجيا؟

تسلط أهمية علي الطاهر الضوء على مفارقة واضحة.

فإسرائيل تمتلك الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة وأنظمة المراقبة الإلكترونية والطائرات الحربية والأسلحة الدقيقة، وهي أدوات تمكنها من مراقبة واستهداف مواقع في مختلف أنحاء لبنان.

وستتيح السيطرة على المرتفعات لإسرائيل مراقبة أفضل لحركة الأفراد والمعدات حول النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان، فضلاً عن نشر أنظمة مراقبة واتصالات أرضية.

سبق لإسرائيل أن أدرجت مرتفعات علي الطاهر على خرائط ضمن ما تسميه "المنطقة الصفراء" الخاضعة لسيطرتها.

لكن القتال والقصف استمرا حتى بعد إعلان إسرائيل سيطرتها على أجزاء من المرتفعات.

وبإمكان المراقبة الإسرائيلية والقوة الجوية كشف أهداف محددة وتدميرها، لكن دخول القوات البرية إلى المناطق الجبلية يواجه تحديات مختلفة، من بينها الأنفاق والملاجئ والمنحدرات الحادة ومحدودية طرق الوصول والمناطق المحجوبة عن الرؤية والمقاتلون المختبئون.

وفي المقابل، يواصل "حزب الله" رفض نزع سلاحه، كما يرفض الاعتراف بالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، ويعارض أي خطوات من شأنها تسليم مواقعه في علي الطاهر إلى الجيش اللبناني.

وهكذا، تجد المرتفعات نفسها عالقة بين إستراتيجيتين متعارضتين: محاولة إسرائيل فرض واقع أمني جديد عبر الضغط العسكري، ومساعي "حزب الله" لمنع أي سابقة من شأنها إضعاف موقعه شمال نهر الليطاني.

وقد تتجاوز أهمية ما سيحدث لاحقاً التلال الثلاث المطلة على النبطية.

فقد تصبح علي الطاهر المكان الذي تختبر فيه، في وقت واحد، حدود التفوق العسكري الإسرائيلي، وإصرار "حزب الله" على الاحتفاظ بسلاحه، ومدى قدرة المسار الدبلوماسي على الاستمرار. 

(ترجمات)