قنبلة هيروشيما أول قصف نووي في التاريخ... كم بلغ حجم الدمار؟

شاركنا:
قبة القنبلة الذرية في هيروشيما
هايلايت
  • أميركا الدولة الوحيدة في التاريخ التي استخدمت القنبلة النووية في الحرب.
  • بدأ مشروع إنتاج قنبلة نووية قبل بداية الحرب العالمية الثانية بعدة أشهر.
  • اختيرت مدينة هيروشيما للقصف النووي كونها مركز الجيش الثاني الياباني.
  • قٌتل 140 ألف شخص جراء انفجار قنبلة هيروشيما.
رغم مرور 77 عاما على حادثة قصف الولايات المتحدة مدينة هيروشيما اليابانية بقنبلة نووية، إلا أنها تظل حاضرة في ذاكرة البشرية، بسبب حجم الدمار الذي أحدثته قنبلة هيروشيما، وأعداد القتلى، والأضرار البيئة التي ما زالت مستمرة حتى الآن.

وتعتبر الولايات المتحدة الدولة الأولى والوحيدة في التاريخ، التي استخدمت الأسلحة النووية في الحرب عندما أسقطت قنبلة نووية على مدينة هيروشيما في 6 أغسطس 1945.

ما هي قنبلة هيروشيما؟

وكيف بدأ مشروع إنتاج قنبلة الولد الصغير؟ ما حجم الدمار الذي خلّفته؟

مشروع مانهاتن

جاءت نقطة التحول في إنتاج القنبلة النووية في يناير 1939، قبل ثمانية أشهر من اندلاع الحرب العالمية الثانية، عندما أثبت العالمان الألمان أوتو هان وفريتز ستراسمان، أن تفاعل اليورانيوم بالنيوترونات يُنتج نظائر مشعة من الباريوم واللانثانوم وعناصر أخرى من منتصف الجدول الدوري، شديدة الانفجار.

وانتقل هذا الاكتشاف إلى الولايات المتحدة عن طريق العالمين اليهوديين ليز مايتنر وأوتو فريش، اللذين فرا من ألمانيا إلى كوبنهاغن.

بهذه المعلومات، أصبح المسؤولون الأميركيون على دراية تامة بالطموحات الذرية لأدولف هتلر. وكان البريطانيون قد بدأوا أيضا دراسة الانشطار.

بحلول أغسطس 1943، تم إنشاء لجنة مشتركة للدراسات النووية تضم كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا. في وقت لاحق من ذلك العام، انتقل عدد من علماء تلك الدول إلى أميركا للانضمام إلى المشروع الذي كان قيد التنفيذ.

في عام 1940، بدأت الحكومة الأميركية في تمويل برنامج سري لتطوير الأسلحة الذرية الخاص بها، عُرف باسم "مشروع مانهاتن" تحت إشراف مكتب البحث العلمي ووزارة الحرب.

وتم تكليف سلاح المهندسين بالجيش الأميركي ببناء المرافق الشاسعة اللازمة لبرنامج "مشروع مانهاتن" النووي.

على مدى السنوات العديدة التالية، عمل العلماء الأميركيون على إنتاج المواد الرئيسية للانشطار النووي وهي: اليورانيوم 235 والبلوتونيوم 239، ثم أرسلوها إلى المختبرات في لوس ألاموس بولاية نيو مكسيكو، حيث عمل فريق بقيادة عالم الفيزياء الأميركي جيه.روبرت أوبنهايمر، على تحويل هذه المواد إلى قنبلة ذرية عملية.

في وقت مبكر من صباح يوم 16 يوليو 1945، أجرى مشروع مانهاتن أول اختبار ناجح لقنبلة ذرية في صحراء ألاموغوردو في ولاية نيو مكسيكو.

بحلول وقت الاختبار الثالث، كانت دول الحلفاء قد هزمت ألمانيا بالفعل في أوروبا، إلا أن اليابان تعهدت بالقتال في المحيط الهادئ حتى النهاية، على الرغم من أن جميع المؤشرات في مطلع عام 1944 أكدت أن فرصها في الانتصار ضئيلة.

 وعندما تولى الرئيس الأميركي هاري ترومان، منصبه في مطلع 1945، أوقعت القوات اليابانية خسائر فادحة في صفوف الحلفاء بلغت نصف الخسائر التي تكبدتها في ثلاث سنوات من الحرب، مما أثبت أن اليابان أصبحت أكثر فتكا عندما اقتربت من الهزيمة.

وفي أواخر يوليو 1945، رفضت الحكومة العسكرية اليابانية إعلان "بوتسدام"، الذي هدد اليابانيين بـ "التدمير الفوري والمطلق" في حالة عدم الاستسلام، وأعلنوا استمرار المعارك في المحيط الهادئ.

ودفع الرفض الياباني الجنرال الأميركي دوغلاس ماكارثر وغيره من كبار القادة العسكريين، إلى المطالبة بمواصلة القصف التقليدي على اليابان ومتابعته بغزو واسع، أُطلِق عليه اسم "عملية السقوط".

لكن وزير الحرب هنري ستيمسون، والجنرال دوايت أيزنهاور وعدد من علماء مشروع مانهاتن، نصحوا ترومان استخدام القنبلة الذرية على أمل إنهاء الحرب بسرعة؛ لأن استمرار المعارك التقليدية سيؤدي إلى خسائر في صفوف الولايات المتحدة تصل إلى مليون شخص.

كما أخبره جيمس بيرنز، وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك، أن قوة القنبلة النووية المدمرة لن تنهي الحرب فحسب، بل ستضع الولايات المتحدة أيضا في موقع مُهيمن لتحديد مسار عالم ما بعد الحرب.

في 16 يوليو 1945، بعد ساعات فقط من الانتهاء الناجح لاختبار ترينيتي - الاسم الذي أطلق على أول عملية تفجير لسلاح نووي- غادر الطراد الثقيل "يو إس إس إنديانابوليس" الميناء في سان فرانسيسكو محملا باليورانيوم وآلية تجميع القنبلة وعدد من الفنيين، إلى جزيرة تينيان في المحيط الهادئ.

بعد وصول السفينة إنديانابوليس إلى جزيرة تينيان في 26 يوليو، بدأت عملية تجميع القنبلة التي أطلق عليها اسم "ليتل بوي" "الولد الصغير".

وتم نقل مكونات القنبلة الثانية التي يُطلق عليه اسم "فات مان" "الرجل البدين"، إلى جزيرة تينيان عن طريق الجو.

بحلول 2 أغسطس 1945، وصلت كلتا القنبلتين إلى جزيرة تينيان، وأصبحتا جاهزتين للتفجير، لكن القادة الأميركيين تأخروا بسبب الطقس.

لماذا تم اختيار مدينة هيروشيما كهدف لأول قنبلة نووية في العالم؟

في حلول نهاية مايو 1945، ترأس الجنرال ليزلي غروفز، اللجنة المسؤولة عن اختيار أهداف القصف النووي، وحصرت اللجنة القائمة في عدة مدن هي: كيوتو وهيروشيما ويوكوهاما وكوكورا، وجميع المدن التي لم تخضع لحملة القصف الإستراتيجي للجنرال كورتيس ليماي.

لكن اٌستبعدت مدينة كيتو بسبب أهميتها الثقافية، واختارت اللجنة مدينة ناكازاكي بدلا منها.

واختارت اللجنة الأميركية مدينة هيروشيما كهدف لهذه العملية بسبب قيمتها العسكرية، فقد كانت بمثابة المقر الرئيسي للجيش الثاني الياباني. كما أنها مدينة مسكونة وتدميرها سيظهر القوة التدميرية للقنبلة، بالإضافة إلى كونها مركز تصنيع يضم حوالي 350 ألف شخص وتقع على بعد حوالي 500 ميل من طوكيو.

إلقاء قنبلة هيروشيما

في صباح يوم 6 أغسطس، انطلق سرب الطائرات الذي أطلق عليه "إينولا جاي"- تيمنا باسم والدة قائد السرب الكولونيل بول تيبتس- من القاعدة الجوية الشمالية في جزيرة تينيان، غرب المحيط الهادئ حاملا قنبلة "ليتل بوي".

ولم يواجه سرب "إينولا جاي" أي معارضة أثناء اقترابه من مدينة هيروشيما. وكانت الرؤية واضحة على ارتفاع 9855 مترا.

وقبل 30 دقيقة من عملية القصف، جهز الكابتن وليام بارسونز القنبلة، حيث لم يكن تم تسليحها بعد لتقليل المخاطر أثناء الإقلاع. وأزال الملازم الثاني موريس جيبسون، أجهزة السلامة قبل الوصول إلى الهدف.

وفي تمام الساعة 8:00 صباحا شاهد طاقم سرب "إينولا جاي" مدينة هيروشيما بوضوح. وفي حوالي الساعة 8:15 (بتوقيت جزيرة تينان) أطلق طاقم السرب القنبلة النووية "ليتل بوي" التي تعمل بقوة الجاذبية وتحمل 60 كيلوغراما من اليورانيوم 235، على مدينة هيروشيما.

واستغرق الأمر ما يقرب من 45 ثانية لتقطع قنبلة هيروشيما مسافة 1900 قدم (580 مترا)، وتصل الأرض ثم تنفجر، ولكنها سقطت على مستشفى شيما بدلا من جسر "أيوي" كما كان مخططا.

حجم دمار قنبلة هيروشيما

 في غضون جزء من الثانية من التفجير، تجاوزت درجة الحرارة على مستوى الأرض 7000 درجة مئوية (12600 درجة فهرنهايت)، كما ارتفعت سحابة عيش الغراب الضخمة إلى أكثر من 40 ألف قدم (أكثر من 12 كم).

وعلى الرغم من انشطار أقل من 2 % من اليورانيوم 235 الموجود في قنبلة "ليتل بوي" فقط، إلا أن القوة التدميرية لقنبلة هيروشيما كانت مرعبة، فقد كانت القنبلة تعادل 15 ألف طن من مادة تي إن تي.

ولقي نحو 80 ألف شخص مصرعهم كنتيجة مباشرة لانفجار قنبلة هيروشيما، وأصيب 35 ألفا آخرين، وبحلول نهاية العالم لقي ما لا يقل 60 ألف شخص أخرين حتفهم من تداعيات الانفجار.

كما دمرت قنبلة هيروشيما حوالي 70% من جميع المباني، وأدت إلى مقتل وإصابة نحو 90% من الأطباء والممرضات في المدينة، كما تعطلت 42 مستشفى من أصل 45 في المستشفى عن العمل.

وأدت القنبلة إلى إصابة 70% من سكان المدينة بجروح خطيرة، لدرجة أن مستشفيات الجروح في العالم لا تكفي لعلاجهم في ذلك الوقت.

وبعد 5 إلى 6 سنوات من التفجيرات، زاد معدل الإصابة بسرطان الدم بشكل ملحوظ بين الناجين.

وبعد 10 سنوات من الانفجار، بدأ الناجون يعانون من سرطانات الغدة الدرقية والثدي والرئة بمستويات أعلى من المعتاد.

كما عانت النساء الحوامل، اللواتي تعرضن لقنبلة هيروشيما، من معدلات عالية من الإجهاض والوفاة بين أجنتهن، كما كان أطفالهن أكثر عرضة للإصابة بإعاقات ذهنية وضعف النمو وزيادة خطر الإصابة بالسرطان.

وبالنسبة لجميع الناجين من القنبلة، لا تزال السرطانات المرتبطة بالتعرض للإشعاع تتزايد طوال حياتهم، حتى يومنا هذا، بعد سبعة عقود.

قنبلة ناغازاكي 

بعد فشل تدمير هيروشيما في دفع اليابان إلى الاستسلام، قررت الولايات المتحدة إلقاء القنبلة الثانية على مدينة ناغازاكي.

واختيرت مدينة ناغازاكي لتكون الهدف الثاني للقصف النووي الأميركي، لأنها كانت المركز الرئيسي لصناعة السفن في اليابان منذ مطلع القرن العشرين.

وفي صباح 9 أغسطس، طار الرائد تشارلز سويني بالطائرة بوكسكار، التي حملت القنبلة الذرية "فات مان" من جزيرة تينيان إلى ناغازاكي.

 وفي تمام الساعة 11:02 من ذلك الصباح، أٌلقيت القنبلة "فات مان" التي تعتبر أقوى من قنبلة هيروشيما، حيث كانت تزن ما يقرب من 10 آلاف رطل.

على الرغم من أن قنبلة "فات مان" انفجرت بقوة أكبر من قنبلة الولد الصغير، إلا أن الأضرار التي لحقت بناغازاكي لم تكن كبيرة كما كانت في هيروشيما.

وساعدت تضاريس مدينة ناغازاكي الجغرافية وتفجير القنبلة في منطقة صناعية في تقليل شدة الانفجار وحماية أجزاء من المدينة. فقد نجت العديد من الطرق وخطوط السكك الحديدية من أضرار جسيمة.

ولم يتم قطع الكهرباء في بعض المناطق، وساعدت انقطاعات الكهرباء، التي اندلعت خلال الأشهر العديدة التالية للانفجار على منع انتشار الحرائق في الجنوب.

وعلى الرغم من أن الدمار في ناغازاكي حظي باهتمام عالمي أقل من ذلك الذي حدث في هيروشيما، إلا أنه كان واسع النطاق، فقد دُمّر كل شيء تقريبا على بعد نصف ميل من نقطة الصفر تماما، بما في ذلك الهياكل الخرسانية التي نجت في بعض الأحيان على مسافات مماثلة في هيروشيما.

ووفقا لتقرير لمحافظة ناغازاكي، "مات رجال وحيوانات على الفور تقريبا" في نطاق كيلومتر واحد من نقطة التفجير. كما دُمرت جميع المنازل تقريبا على بعد ميل ونصف، واشتعلت النيران على الفور في المواد الجافة والقابلة للاحتراق مثل الورق على بعد 10000 قدم من نقطة الصفر.

ومن بين 52000 منزل في ناغازاكي، دُمر 14000 منزل ولحقت أضرار جسيمة بـ 5400 منزل.

وعلى الرغم من عدم وجود عاصفة نارية، اندلع العديد من الحرائق الثانوية في جميع أنحاء المدينة. وتعرقلت جهود مكافحة الحرائق بسبب انقطاع خطوط المياه، وبعد ستة أسابيع كانت المدينة لا تزال تعاني من نقص في المياه.

وذكر ضابط في البحرية الأميركية زار المدينة في منتصف سبتمبر 1945، أنه حتى بعد مرور أكثر من شهر على الهجوم، كانت "رائحة الموت تسود المدينة".

تأثيرات قنبلة هيروشيما على مسار الحرب العالمية الثانية

في ظهر يوم 15 أغسطس 1945، أعلن الإمبراطور الياباني هيروهيتو، في بث إذاعي استسلام بلاده. وانتشرت الأخبار بسرعة، وانطلقت احتفالات النصر في الولايات المتحدة وجميع أنحاء دول الحلفاء الأخرى.

ووقعت اتفاقية الاستسلام الرسمية في 2 سبتمبر، على متن البارجة الأميركية ميسوري، الراسية في خليج طوكيو.

التحقيق الأميركي عن آثار قنبلة هيروشيما

في 30 يونيو 1946، أعلنت وزارة الحرب الأميركية نتائج التحقيق الرسمي في تفجيري هيروشيما وناغازاكي، الذي أجراه المهندسون والعلماء في مشروع مانهاتن، الذين نجحوا في الوصول لكثير من البيانات عن نتائج الانفجار من خلال مسح القصف الاستراتيجي الأميركي، والبعثة البريطانية إلى اليابان، ولجنة إصابات القنبلة الذرية.

وكشفت نتائج التحقيق أن هيروشيما تكبدت 135 ألف ضحية أي أكثر من نصف سكانها. كما تكبدت مدينة ناغازاكي 64000 ضحية.

وأشار التقرير إلى أن آثار قنبلتي هيروشيما وناغازاكي على الإنسان كانت من خلال ثلاثة أضرار:

1-   الحروق: تسببت في حوالي 60% من الوفيات في هيروشيما، وحوالي 80 % في ناغازاكي.

2-  الإصابات الناتجة عن الحطام المتطاير وسقوط المباني وآثار الانفجارات: وتسببت في 30% من الوفيات في هيروشيما و14% في ناغازاكي.

3-  الإصابات الإشعاعية الناجمة بالكامل عن أشعة غاما والنيوترونات المنبعثة في لحظة الانفجار: تسببت في 10% من الوفيات في هيروشيما، و6% في ناغازاكي.

وخلص التقرير إلى أنه في هيروشيما، دُمرت جميع المباني بالكامل في المنطقة التي تقع على بعد 1.6 كلم من نقطة سقوط القنبلة، باستثناء المباني المصنوعة من الخرسانة المسلحة.

وبحسب التقرير، تعرض أكثر من 60 ألف مبنى من أصل 90 ألف مبنى في هيروشيما للتدمير أو لأضرار بالغة.

أما في ناغازاكي، انهارت المباني الخرسانية المسلحة التي تقع على بعد أكثر من 600 متر من منطقة سقوط القنبلة.

ما مصير الناجين من قنبلة هيروشيما؟ 

يعتبر المؤرخون الناجون من انفجار قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، الذين يطلق عليهم "الهيباكوشا" جزءا لا يتجزأ من تاريخ القصف الذري لهذه المدن، ليس بسبب عددهم القليل ممن عانوا من التأثير الفعلي لهذه الأسلحة، ولكن أيضا بسبب الجهود الدؤوبة التي يبذلونها لإزالة الأسلحة النووية.

 كما أن الناجين من القصف النووي على هيروشيما وناغازاكي هم شهود عيان أحياء على رعب الحرب النووية وعلى تأثيراتها على البشر.

 وبعد عقود من النضال من أجل عالم خال من الأسلحة النووية، اعتبرت معاهدة حظر الأسلحة النووية المعتمدة في عام 2017 ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى الهيباكوشا.

 وأظهر استطلاع بين 6000 هيباكوشا أجرته وكالة أنباء "كيودو" أن الغالبية العظمى منهم يؤيدون انضمام اليابان لمعاهدة حظر الأسلحة النووية.

 ومع تصاعد التوترات في العالم بين الدول الكبرى، التي تمتلك أسلحة نووية مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة، يحذر المراقبون من تكرر تجربة هيروشيما وناغازاكي

(المشهد)