عكست التظاهرات الحاشدة والمتواصلة في حضرموت جنوب اليمن، وجود اصطفافات سياسية ومجتمعية باتجاه التمسك الكامل بمشروع استعادة الدولة الجنوبية، باعتباره الإطار الوطني الجامع لأي تحركات مستقبلية، وفق مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد"، مؤكدين أن الحراك الجنوبي باليمن يعبر بوضوح عن موقف مباشر داعم لإقليم مستقل ضمن الدولة الجنوبية المستعادة، بما يلبي تطلعات أبنائها والشعب الجنوبي عموما.
وتبرز حضرموت اليوم كقوة فاعلة تختلف عن الماضي، بينما تسعى لإدارة مواردها ومجالاتها الحيوية عبر كوادرها المحلية، في ظل ملامح متبلورة لهذا المسار على الأرض، بحسب المصادر ذاتها. إذ يمثل الإقليم الواقع على ساحل البحر العربي ركيزة توازن إستراتيجية في أي تسوية شاملة للقضية الجنوبية، رغم ما تمر به القضية من تحديات داخلية.
قوة الانتماء الجنوبي
تعكس التظاهرات الحاشدة التي شهدتها حضرموت قوة الانتماء الجنوبي ووحدة الصف، مقدمة ما يشبه استفتاء شعبيا يؤكد أن حضرموت جزء لا يتجزأ من الجنوب العربي، ويرفض أبناؤها أي محاولات للفصل أو التهميش. كما تُضعف هذه التظاهرات الأصوات التي تدّعي عكس ذلك، وتكشف محدودية تأثيرها.
مطلع الشهر، اندلعت تظاهرات حاشدة في حضرموت شارك فيها مئات اليمنيين لدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، وهتف المحتجون بشعارات تلح على التحرير والاستقلال. كما انطلقت في منطقة بور بمديرية سيئون مسيرة ترفع أعلام اليمن الجنوبي.
ووصفت الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي الجنوبي المسيرة الجماهيرية في العاصمة عدن، الأحد الماضي، بأنها حققت نجاحا وطنيا كبيرا، وقد أعادت الجمعية فتح مقرها بعد قرار الإغلاق.
وفي بيان للجمعية، جاء أن التظاهرة تأتي رفضا لقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وإغلاقه لمقر الجمعية، معتبرة أن المشاركة الجماهيرية الواسعة عبّرت بوضوح عن إرادة شعب الجنوب ورفضه أي مساس بمؤسساته التمثيلية.
وأشار البيان إلى أن فتح المقر شكّل رسالة سياسية وشعبية "لا تحتمل التأويل"، مفادها أن صوت الشعب لا يمكن إسكاته، وأن محاولات التضييق أو الاستهداف لن تنجح في ثني الجنوبيين عن الدفاع عن مكتسباتهم الوطنية والسياسية.
وأكدت الجمعية أن أي مساس بمقرات المجلس أو التضييق على نشاطه السياسي والمؤسسي مرفوض بشكل قاطع، وسيُقابل برفض شعبي واسع. كما جددت تأكيد تمسك شعب الجنوب بخياراته النضالية ومضيّه في تحقيق تطلعاته الوطنية في استعادة دولته الجنوبية المستقلة، خلف قيادته السياسية، وبدعم من وحدة الصف الجنوبي والتفاف الجماهير حول قضيته.
وقال مقرر الجمعية الوطنية بالمجلس الانتقالي الجنوبي، نصر هرهرة، لـ"المشهد" إن التظاهرات الحاشدة في حضرموت تعكس دلالات سياسية ووطنية مهمة، أبرزها التأكيد على استمرار مسار النضال من أجل استعادة دولة الجنوب العربي، وهو المسار الذي انطلق مطلع ديسمبر الماضي وما زال متواصلا، بوصفه تحركا مرتبطا بكرامة الإنسان الجنوبي وحقوقه السياسية والوطنية.
"استعادة الدولة الجنوبية"
وأضاف: "تعبر هذه التظاهرات عن موقف رافض للمشاريع الضيقة، خصوصًا الدعوات المطالِبة بإقامة ما يُسمى بـ"الإقليم الشرقي" ضمن إطار الدولة اليمنية، وهي مشاريع أثارت منذ مطلع يناير موجة واسعة من الاستياء الشعبي في أوساط أبناء حضرموت".
وتعبر التظاهرات أيضًا عن امتعاض شديد لما تعرضت له القوات الجنوبية في وادي وصحراء وساحل حضرموت، بحسب منظمي الاحتجاجات، من سقوط مئات القتلى من صفوف القوات الجنوبية، بالتوازي مع عودة قوات شمالية اتُّهمت بممارسة أعمال نهب وانتهاكات بحق السكان المحليين، وفق هرهرة.
كما تؤكد التحركات الشعبية تمسكها بالقيادة السياسية الجنوبية الممثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس قاسم الزبيدي، مع تجديد التفويض له لمواصلة العمل من أجل إعلان دولة الجنوب العربي على كامل أراضيها بحدود ما قبل 22 مايو 1990.
وقال هرهرة: "تعبّر التظاهرات عن رفض قاطع لأي مساس بالمكتسبات التي حققها المجلس، وعن معارضة ما يُعرف بـ"إعلان الرياض" وما تضمنه من خطوات وُصفت بمحاولة حل المجلس وإغلاق مقراته، فضلًا عن رفض محاولات استقطاب أبناء حضرموت خارج إطارهم الوطني والسياسي".
وأكد الكاتب اليمني شائع بن وبر، لمنصة "المشهد"، أن حضرموت ستظل داعمة تمامًا لمشروع استعادة الدولة الجنوبية، مشددا على أن أي تحركات أو مظاهرات مستقبلية ستأتي في إطار هذا المشروع الوطني.
وأضاف بن وبر أن حضرموت سبق وأن أعربت عن موقفها الرسمي تحت عنوان إقليم مستقل ضمن الدولة الجنوبية المستعادة، بعيدا عن أي مشاريع أخرى لا تلبي تطلعات الشعب الجنوبي، وطموحات حضرموت بشكل خاص، معتبرا أن المحافظة لن ترضى إلا بأن تدير مواردها ومجالاتها الحيوية عبر كوادرها المحلية، في ظل ملامح واضحة بدأت تتبلور على أرض الواقع.
وأكد بن وبر أن حضرموت تمثل ركيزة التوازن الإستراتيجي في أي تسوية شاملة للقضية الجنوبية، وأنها تستحق النصيب الأكبر من الاهتمام بعيدا عن الأجندات الحزبية أو المصالح الشخصية الضيقة، موضحا أن القضية الجنوبية تمر بفترة ضعف نتيجة "نيران صديقة" داخلية، لكن حضرموت ستظل قادرة على النهوض مجددا، خصوصا في ظل تكاتف جهود الداخل مع دعم الخارج في الحوار الجنوبي الجاد، بما يضمن استمرار صمود المحافظة ودورها المحوري في مستقبل الجنوب.
ادعاءات تفصل حضرموت
وأشار الباحث والمحلل السياسي اليمني صالح علي الدويل باراس إلى أن التظاهرات الحاشدة تعكس قوة الشعور بالانتماء للجنوب وللوحدة الجنوبية، وقد أعطت التظاهرات "استفتاءً وقياسا لاتجاهات الرأي العام" بأن حضرموت ضمن الجنوب العربي، وأنها تعايش نفس الهم الجنوبي وأن أبناءها يرفضون أي محاولات للفصل أو التهميش.
وبحسب الباحث والمحلل السياسي اليمني، فقد أثبتت هذه التظاهرات أن حضرموت جزء أصيل من الجنوب، وأن أبناءها يرفضون أي محاولات لفصلهم عن السياق الجنوبي، بينما أكدت أن الشعور بالانتماء الجنوبي قوي في حضرموت وأن أبناءها يرفضون محاولات الإقصاء.
وتابع: "تُضعف التظاهرات الحاشدة في حضرموت من موقف الأصوات التي تروّج لادعاءات تفصل المحافظة عن سياقها الجنوبي، إذ تقلّص من نفوذ الجهات الساعية إلى القفز على تمثيل حضرموت السياسي. وتحمل هذه التظاهرات رسالة واضحة برفض وإدانة ما تعرضت له القوات الجنوبية، وتفنّد المزاعم التي تصف وجودها في حضرموت بـ"الغازي".
كما تُظهر هذه التحركات، بحسب باراس على المستويين الإقليمي والدولي، أن "تلك الدعوات لا تمثل سوى فئة محدودة ذات مصالح ضيقة، بينما يكشف الحراك الشعبي والجماهيري عن تضاؤل حضور المشروع المقابل في الشارع الحضرمي، ويبرز حجم الوحدة الوطنية الجنوبية والتضامن بين أبناء الجنوب، وأن أي محاولات لفصل حضرموت عن سياقها الجنوبي لا تعكس إرادة الغالبية الساحقة من سكان المحافظة".
(المشهد)