سيناريوهات خطيرة.. أيّ أزمة تواجه ليبيا جراء أزمة النيجر؟

شاركنا:
ليبيا شهدت اضطرابات أمنية واسعة خلال الفترة الأخيرة (رويترز)
هايلايت
  • النيجر تصدّر أزمة الانقلاب العسكري إلى جنوب ليبيا.
  • الجيش الليبي يعلن تكثيف الاستعدادات والحماية القصوى للحدود.
  • نزوح عشرات الآلاف من النيجر نحو مناطق الجنوب الليبي.

طبول الحرب تدق في نيامي ويُسمع صداها في طرابلس، وعن قرب، على طول امتداد شريط الصحراء الكبرى الليبية تعصف رياح جنوبية مخيفة، في أرجاء إقليم فزّان، تطغى عليها رائحة الحرب.

وتشهد الحدود الليبية الجنوبية عدم استقرار أمني، تزايد مؤخّرا على إثر الانقلاب العسكري في دولة النيجر.

ونشرت تقارير ليبية محلّية إعلان وزارة الداخلية بالحكومة الليبية التابعة لمجلس النواب رفع حالة الطوارئ والاستعداد إلى الدرجات القصوى في المنطقة الجنوبية، خاصةً بالمدن الواقعة قرب حدود النيجر.

وأوضحت الوزارة في بيان لها، أنّها قدّمت دعما إضافيا إلى مديريات الأمن بالمنطقة الجنوبية، بغية ضمان سير العمل بشكل طبيعي بالمنطقة، إلى جانب أن تكون جاهزة إذا حدث تصعيد في النيجر.

ويذكر أنّ النيجر تعيش على وقع انقلاب عسكري منذ يوليو الماضي، أحدث ارتباكا دوليا وإقليميا، وأطاح بالرئيس محمد بازوم، وانتهت السلطة إلى يد قائد الحرس الرئاسي الجنرال عبد الرحمن تشيناي الذي عيّن نفسه قائدًا للمجلس العسكري الجديد.

ويُعد الانقلاب العسكري في النيجر الخامسَ منذ حصول البلاد على استقلالها عام 1960.

فأي خطر يتهدّد ليبيا من أزمة النيجر؟ وإلى أين تتجه الأوضاع الأمنية للبلاد في ظلّ ارتدادات فوضى الحزام السوداني؟

توغّل أجنبي؟

تشهد ليبيا عدم استقرار سياسي وأمني داخلي، وتعيش تحت وطأة مرحلة انتقال ديمقراطي لا تنتهي، ومحاولات متكرّرة لتحقيق الوحدة الوطنية.

وينعكس غياب الاستقرار السياسي في ليبيا والوضع الراهن المرتبط بوجود حكومتين، على جانبها الأمني الذي يقيّمه الخبراء "بالحرج".

وفي ظلّ ما تشهد منطقة الساحل الإفريقي من تطورات عسكرية وسياسية وتحولات اجتماعية واقتصادية، تحوّلت مخاوف من انعكاسات وضع الحزام الإفريقي الأزوم إلى حقيقة تتهدّد دول شمال إفريقيا وعلى رأسها ليبيا.

ووفق معطيات، يقدّر عدد النازحين من النيجر الى ليبيا بعد الانقلاب بعشرات الآلاف يتمركزوا بمناطق الجنوب الغربي.

وبحسب مصادر محلّية هناك توغّل تشادي فرنسي بـ ما يفوق 300 كلم داخل الصحراء الجنوبية.

وكان نفّذ الجيش التشادي عملية عسكرية داخل الجنوب الليبي ضد عناصر معارضة للنظام التشادي، وفق تقارير.

وكانت من جانبها قد أعلنت "جبهة الوفاق من أجل التغيير" المعارضة للنظام التشادي والمعروفة بـ "الفاكت" أن "الجيش التشادي يستعد للتوغل داخل الأراضي الليبية لمهاجمة قواعدها الخلفية بهدف إسكات أي صوت معارض".

في المقابل أفاد المتحدث باسم القيادة العامة للجيش الليبي اللواء أحمد المسماري، إن الطيران الحربي التابع للقيادة العامة للجيش الليبي وجّه ضربات لمقاتلي المعارضة التشادية على الحدود الليبية.

وأكّد المسماري في تصريحات إعلامية عدم قيام الجيش التشادي بأي تدخل بري في البلاد، مشيرا إلى عدم صحة الفيديوهات حول مواجهة بين الجيش والمعارضة التشادية داخل ليبيا.

ارتدادات عنيفة

يوضح المحلل السياسي الليبي، فرج دردور، انعكاسات الفوضى الأمنية في النيجر والتشاد على حدود ليبيا والمناطق الصحراوية التي "للأسف أصبحت تابعة لشعوب أخرى " وفق قوله.

وفي حديثه لمنصة "المشهد" بيّن المتحدّث أنّ ما يحصل في الجنوب هو "اجتياح تشادي فرنسي للحدود الليبية، وأنّ القوات الفرنسية تستخدم في قاعدة لويغ الجوية العسكرية في الجنوب الليبي للقيام بعملياتها العسكرية".

ويرى المحلّل أنّ التأثير الأمني في الجنوب الليبي سبق أحداث النيجر وأنّ المنطقة خارج سيطرة الحكومات وأنّ أي قوة خارجية قادرة على الدخول والخروج في المناطق الصحراوية المفتوحة بسهولة.

وبحسب دردور فإنه من أبرز انعكاسات تذبذب الأوضاع الأمنية ما وراء الحدود الجنوبية الليبية "هو استباحة المجال واعتماده لتهريب الاسلحة والخردة والمخدرات والوقود المنهوب من قوت الشعب الليبي من قبل التنظيمات المسلحة".

وبالتالي ينفي المتحدّث الأنباء عن وجود تمركز أمني ليبي بالمنطقة من أجل تكثيف الاستعدادات والحماية القصوى للحدود ويعتبرها مغالطات، قائلا "أنه لم يتم الانطلاق في الاستعدادات وليس هناك نيّة لإحكام السيطرة الأمنية الوطنية على الحدود".

كما اعتبر أنّ الجنوب الليبي "محتلُ منذ سنوات من الأفارقة وقد أصبحوا يضغطون على الحكومات للحصول على الجنسية الليبية مقابل السيطرة على بعض الثروات، وكانوا قد سيطرو على بعض من مناجم الذهب والحقول النفطية".

السيناريو الأسوأ

من جهة أخرى يرى الكاتب السياسي الليبي، محمد بويصير، أنّ الحرب الأوروبية بين روسيا والغرب هي حرب لا يمكن أن يرتفع سقفها بسبب وجود الرعب النووي، في حين وجود حيل "الالتفاف في التخوم والحصول على مناطق نفوذ جديدة".

وباعتبار أنّ الأزمات تتنقل عبر بساط الامتداد الديمغرافي والسكان، يعتبر المتحدّث من خلال تصريح خاص لمنصة "المشهد" بأنّه قد تم تهجير الأزمة الى إقليم فزّان الذي يضمّ 85% من السكان ذوي الأصول النيجيرية.

في تصور بويصير لأسوأ سيناريو يمكنه الحدوث يكشف أنّ ما يجري الآن هو إعداد لساحة معركة داخل فزان، مشيرا إلى أنه "لم يحدث من قبل أن ثارت معارك بالحجم وأتوقع أن تكون فزان جائزة المنتصر".

ويتوقّع المحلّل صداما بين "الفاكت" والجيش الوطني التابع للمشير حفتر والروس من جهة وبين الجيش التشادي المدعوم فرنسيا من الجهة المقابلة.

ويؤكّد المتحدّث على أنّ "الخطر الحقيقي يتمثل في إمكانية سلخ فزان من ليبيا"، مذكّرا بأنّ "البوابات التي تحمي جنوب سبها عاصمة فزان على بعد 20 كلم تحت سلطة عناصر لا تتحدث العربية أصلا".

مضيفا بأنّ فزان المكون الثالث لليبيا وموطن معظم ثروات البلاد من موارد مائية ونفط ومعادن ثمينة في خطر، مشدّدا أنّه قد سبق وأن قال عنها روبرت شومان وزير خارجية فرنسا عام 1952 "إنها أقرب لأن تكون جزءا من إفريقيا الفرنسية من أن تكون جزءا من ليبيا".

وعلى عكس دردور، لا ينفي محمد بويصير وجود إمكانية المضي في تكثيف الاستعدادات الأمنية، في المقابل يذهب بالظنّ إلى أنّ الحدود الموجودة في ليبيا الآن لا يستطيع أحد حمايتها لأنها تفتقر الى المنشآت وأنّ " الأمر أكبر بكثير من أن يقرره وزير الداخلية الليبي أو الجيش".

وأشار بويصير في تصريحه للمشهد "أنّ الوضع الأمني أكبر من قدرة وزارة الداخلية الليبية وقدرة ليبيا، ونحن سندخل في معركة تقودها أطراف دولية هدفها الحسم في خارطة بسط النفوذ في المنطقة".

وتعيش ليبيا على صفيح ساخن فوق نار الحرب والفوضى الأمنية المشتعلة على طول الشريط الحدودي الصحراوي للبلاد، في النيجر وتشاد والسودان، والتي يتوقع خبراء امتدادها مستقبلا نحو السنغال ونيجيريا وساحل العاج.

وتبقى التساؤلات المطروحة حول أمن ليبيا المهدد خارجيا رهينة مآل حرب النفوذ بقيادة الدول العظمى في المنطقة. 

(المشهد)