إيران من "تصدير الثورة" إلى استيراد دعم الميليشيات

شاركنا:
إيران أضعف مما كانت عليه قبل أعوام بعد تراجع نفوذ حلفائها الإقليميين (رويترز)
هايلايت
  • التوتر بين إيران وأميركا وإسرائيل يرتفع.
  • حلفاء إيران فقدوا تأثيرهم الإقليمي.
  • إيران تستخدم حرب استنزاف عبر حلفائها.
  • ضعف الميليشيات والتفوق الجوي يحد من رد طهران.
  • المستقبل مفتوح لمواجهة أو ضغط مستمر.

يتزايد النقاش حول اندلاع مواجهة واسعة بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى بحال فشل المفاوضات الأميركية الإيرانية في سلطنة عمان، أو حتى وصولها إلى حائط مسدود يستدعي ضربات عسكرية محدودة تهدف لتصحيح مسار التفاوض، ظروف تطرح سؤالا عن دور القوى الإقليمية المتحالفة مع طهران مثل "حزب الله" في لبنان و"الحوثيين" في اليمن وفصائل عراقية مسلحة، وهي قوى ساعد الحرس الثوري الإيراني على إطلاقها من ضمن إستراتيجية "تصدير الثورة".

منطق "المساومة بالقوة"

وكما يبدو، فإن تطورات المرحلة المقبلة ستحدد مدى مشاركة هذه القوى في أي مواجهة محتملة، فالحرب إذا وقعت هل ستأخذ شكل مواجهة شاملة أو غزو بري، أم ستكون ضربة محدودة هدفها تعديل شروط التفاوض الذي يصر عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالتصعيد الحالي عبر إرسال سفن البحرية الأميركية إلى المنطقة وتحريك طهران لصواريخ "خورمشهر4" البالستية الحديثة، يترافق مع مفاوضات سلطنة عُمان، ليعكس منطق "المساومة بالقوة"، حيث تستخدم التهديدات لرفع كلفة الرفض ودفع الطرف الآخر لتقديم تنازلات.

وفيما يعتبر البعض أن إيران أضعف مما كانت عليه قبل أعوام بعد تراجع نفوذ حلفائها الإقليميين، يبرز النقاش في واشنطن بين تيار قريب لإسرائيل يدعو لتشديد الضغط وربما استهداف القيادة الإيرانية، وآخر يرى أن الهدف من الضغط هو انتزاع اتفاق سياسي من دون الانزلاق إلى حرب طويلة. وبحال وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود يصبح تنفيذ ضربات "جراحية" تستهدف القيادة والبنية العسكرية لإعادة ضبط ميزان الردع. لكن رد إيران يبقى العامل الأكثر غموضا، إذ قد تختار ردا من دون توسيع الصراع، أو تسعى لجعلها مواجهة شاملة عبر حلفائها لاستهداف مصالح وقواعد أميركية وقصف إسرائيل بالصواريخ الباليستية التي أظهرت قدرة على الوصول إلى المدن الإسرائيلية خلال حرب يونيو.

بهذا المعنى، لن تكون الضربة والرد عليها فشلا للدبلوماسية، بل شرطها القاسي، والسؤال لم يعد ما إذا كانت القوة ستُستخدم، بل ما إذا كان بالإمكان استخدامها من دون إطلاق صراع لا يرغب به أي من الطرفين، وقد يجدان أنفسهما عاجزين عن احتوائه.

في هذا الإطار، يرى المحلل العسكري العميد المتقاعد حسن جوني أن "الحرب السابقة، في يونيو الماضي، شكلت نموذجا لمواجهة محدودة فضلت فيها إيران عدم توسيع المعركة وحصر الصراع بينها وبين إسرائيل من دون إدخال ما يسمى بالأذرع، لتجنب إعطاء مبرر لانخراط الولايات المتحدة بشكل أكبر في الحرب". وبحسب تقديره، فإن الضربة الأميركية آنذاك كانت رمزية أكثر منها تغييراً لموازين القوى، وهو ما سمح بانتهاء المواجهة من دون التزامات سياسية كبرى.

لكن الوضع الحالي مختلف جذرياً، واشنطن وعلى الرغم من إصرارها على التفاوض إلا أنها تهيئ لمرحلة هجومية أوسع بمشاركة إسرائيل، ما يجعل أي مواجهة مقبلة "وجودية" بالنسبة لإيران ونظامها. وفي هذا السياق، يتوقع جوني في حديثه مع منصة "المشهد" أن يجد حلفاء طهران أنفسهم مدفوعين للمشاركة بحال اندلاع حرب واسعة، ليس فقط دعما لإيران، بل "لأن نتائج الحرب قد تحدد مصيرهم أيضا".

وفيما تقلل واشنطن من عدد قواعدها العسكرية المعرضة للاستهداف، مع سحب قواتها من قاعدة التنف في سوريا باتجاه الأردن وخفض عديد قواتها بالعراق، وضغطها على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح "حزب الله"، فإنه يبقى لكل طرف أدواته الميدانية الخاصة، ويرى جوني أن القدرات "الحوثية" قد تتركز في التأثير على المضائق البحرية وإطلاق صواريخ نحو إسرائيل، بينما يمكن لفصائل عراقية استهداف ما تبقى من قواعد أميركية، في حين يمتلك "حزب الله"، قدرات صاروخية يمكن أن تؤثر في الجبهة الشمالية لإسرائيل، خصوصاً من مناطق جبلية محصنة في إقليم التفاح شمال نهر الليطاني. وبرأيه أن طهران ترى الأمور من منظار مختلف، حيث تعتبر أن عدم تفعيل "وحدة الساحات" في المراحل السابقة شكل خطأ إستراتيجيا سمح لإسرائيل بمواجهة كل طرف على حدة.

حرب استنزاف محتملة

بالنسبة للخطاب السياسي الإيراني، أتت تصريحات المرشد علي خامنئي حول احتمال تحول الصراع إلى حرب إقليمية لتؤكد أن طهران هذه المرة لن تكون وحدها في المعركة، فالمقصود بكلامه يؤكد أن "محور الممانعة" سيكون شريكا وفق ما يرى المحلل السياسي الإيراني مصدق بور، ويشير إلى أن حلفاء طهران في المنطقة يدركون أن سقوط إيران سيجعلهم الهدف التالي، ما يدفعهم، بحسب تحليله، إلى التحرك إذا اندلعت الحرب.

ويعتبر بور أن

  • الإستراتيجية الإيرانية لا تهدف إلى هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل عسكريا بشكل مباشر، بل إدارة معركة استنزاف طويلة عبر حلفائها تفرض كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة على خصومها.
  • طهران تسعى في الوقت نفسه إلى طمأنة دول الجوار عبر القنوات الدبلوماسية، مع الإبقاء على خطاب الردع، بما في ذلك التلويح باستهداف المصالح الأميركية في حال تعرضها لهجوم واسع.
  • إيران تعتبر نفسها تحت ضغط اقتصادي وأمني متزايد، ما يعزز احتمال تبني مقاربة أكثر تشددا إذا فشلت المسارات التفاوضية.
  • القيادة الإيرانية قد ترى في أي مواجهة مقبلة اختبارا مصيرياً للنظام.

حرب المسارح المتعددة

وكما يبدو فإن أي حرب كبيرة قد تتجاوز حدود إيران وإسرائيل، لتشمل مسارح متعددة عبر حلفاء طهران، وهو ما يثير مخاوف إقليمية من تحول الصراع إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

يبقى السؤال عن مدى قدرة الميليشيات على تغيير مسار الصراع، فبينما يرى جوني أن مشاركة الحلفاء قد تعزز قدرة إيران في حرب غير متماثلة، يعتبر بور أن دورهم قد يكون جزءا من إستراتيجية استنزاف أوسع، تهدف إلى رفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي الحالتين، يظل قرار المشاركة مرتبطا بحسابات إقليمية، تشمل توازن الردع، والضغوط الداخلية في دول هذه الميليشيات، والمخاوف من توسع الحرب إلى ساحات جديدة.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين استمرار الضغط السياسي والعسكري المتبادل، أو الانزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع، يكون للميليشيات المتحالفة مع إيران دور محوري في رسم مسارها.

ولكن إيران لا تبدو في وضع يسمح لها بالعمل وفق شعار "تصدير الثورة" بقدر ما تحتاج إلى استيراد الدعم والمساعدة العسكرية، حيث يواجه النظام تحديات غير مسبوقة تهدد وجوده. في الداخل "ثورة البازار" التي أظهرت تضعضعا اجتماعيا واقتصاديا كبيرا وانهيارا كبيرا بالعملة الوطنية، وتآكل الردع التقليدي والنووي بعد الضربات الجوية في يونيو الماضي، فيما تتبنى واشنطن إستراتيجية "التدخل الذكي"، التي تعتمد على التفوق الجوي المطلق والحرب السيبرانية لشل مفاصل النظام من دون غزو بري، مما يضع طهران في مأزق، كيفية الرد على عدو لا يمكنها الوصول إليه بأدوات تقليدية، إلا الصواريخ الباليستية التي يمكن أن تتعرض لضربة قبل بدء أي حرب.

نهاية دور ميليشيات إيران

دور الميليشيات الحليفة لم يعد نفسه كما كان قبل أكثر من عامين، لطالما اعتبر حزب الله "درة التاج" في مشروع "تصدير الثورة"، لكنه يعيش أسوأ فتراته تنظيميا وعسكريا وسياسيا، الحزب الذي كان يهدد بـ"إزالة إسرائيل" بات يقاتل للحفاظ على تماسكه الداخلي، في ظل إبعاد قادة ومسؤولين عن مواقع القرار، وخسارته الجزء الأكبر من الترسانة الصاروخية التي كانت تقدر بـ150 ألف صاروخ بفعل الضربات المستمرة وصعوبة التعويض بعد إغلاق الممر السوري. حيث يعد سقوط نظام الأسد الحدث الأكثر تأثيرا على قدرات المحور، لقد كانت سوريا لعقود بمثابة "الرئة" التي يتنفس منها "حزب الله"، والممر البري الوحيد الذي يربط طهران ببيروت عبر بغداد. بينما يعيش "الحوثيون" حصارا ومراقبة أميركية إسرائيلية، يتصارع العراقيون على "الحياد" والغرق بمشاكل سياسية داخلية بعيدا عن طهران.

لم يكن تآكل دور ميليشيات المحور وليد لحظة، بل جاء نتاج سلسلة من الضربات منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، حيث تبنت إسرائيل، عقيدة أمنية تقوم على "الأمن المطلق"، هذا التحول تجلى في الانتقال إلى الضربات الوقائية الواسعة، والتي شملت استهداف القنصلية الإيرانية في سوريا، واغتيال قيادات الصف الأول في الحرس الثوري و"حزب الله" و"الحوثيين"، وصولا إلى الحرب المباشرة مع إيران في منتصف 2025. هذا الضغط المستمر يؤدي إلى تجريد إيران من "الغموض الإستراتيجي" الذي كانت تتمتع به، وكشف عن محدودية قدرة وكلائها على ردع إسرائيل عن استهداف الرأس الإيراني مباشرة.

(المشهد)