في مشهد يتكرر يومياً تقريباً في أزقة البلدة القديمة في مدينة القدس، يقف رهبان مسيحيون مسنون بثيابهم السوداء الطويلة، حاملين صلبانهم ليفاجأوا بمارة يهود متطرفين بمن فيهم أطفال ومراهقون، يتعمدون البصق على الأرض أمامهم مباشرة أو في معظم الأحيان على ثيابهم وسط عبارات استهزاء وشتائم تطال السيد المسيح والعذراء بألفاظ نابية.
يمسح أحد الرهبان بصمت بصاقاً أصاب رداءه وآخر يتوقف لبرهة ثم يكمل طريقه نحو كنيسة القيامة، وكأنه اعتاد على هذه الانتهاكات اليومية التي تتسع رقعتها لتطال رجال الدين والحجاج وممتلكات الكنائس، والمسيحيين الفلسطينيين أثناء مرورهم حواري القدس نحو منازلهم وأعمالهم اليومية.
تكشف تحقيقات ميدانية لمنصة "المشهد" أن جذور هذه الظاهرة العنصرية تمتد إلى مناهج تعليمية في بعض المدارس الدينية الإسرائيلية المتطرفة "الحريدية"، حيث تتم تغذية أجيال من التلاميذ بثقافة الكراهية تجاه المسيحيين، ويتعلمون أن البصق على رجال الدين هو "سلوك ديني مستحب" و"عادة يهودية قديمة"، بل إن بعض الحاخامات المتطرفين يزعمون وجود "صلاة خاصة" تقال عند رؤية كنيسة تمجد الله على صبره على "عبدة الأوثان".
بصق على الكهنة
أكد المطران عطا لله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس، لمنصة "المشهد" بأن "ظاهرة بصق المستوطنين المتطرفين على الكهنة المسيحيين ليست وليدة اللحظة وتستهدف الجميع"، مشيراً إلى أنه تعرض شخصياً لهذه الإهانات مراراً وتكراراً في شوارع القدس، ويضيف، "هذه الهجمات تستهدف الرموز المسيحية كجزء من استهداف أوسع لكل مكونات المجتمع الفلسطيني، ونحن نرفض مظاهر العنصرية بكل أشكالها وألوانها، أياً كانت الجهة التي تقف خلفها".
وفي السياق ذاته، يشرح المطران حنا لـ"المشهد" قائلاً "إنهم يبصقون علينا في الشوارع، يهينوننا ويهينون رموزنا الدينية ويعتدون عليها، وهذه الممارسات يكابدها الفلسطينيون في القدس منذ عقود، في جو من الكراهية والعنصرية، إلا أن قيم المحبة والتسامح في المسيحية لا تعني الاستسلام للشر أو قبول العنصرية".
وأدان خلال حديثه لـ"المشهد" تصرفات حاخامات ويهود متطرفين يسيئون للمسيح والسيدة العذراء، مؤكداً أن "هذه الأفعال تأتي من مدرسة عنصرية كارهة، حيث هناك شريحة من اليهود ترفض هذه الأعمال وهذه المواقف غير المتحضرة واللا إنسانية، فليس كل اليهود يقومون بهذه الأعمال".
ووفق المطران حنا يضيف لـ"المشهد" بأن "الانتهاكات التي تطال المسيحيين في القدس وعموم فلسطين، تتصاعد في ظل الحكومة الفاشية، تترافق معها محاولات تهجير الوجود المسيحي والعربي من القدس، وفي حال استمرت هذه السياسات ستكون هناك خسائر وخيمة على الثبات والوجود المسيحي في المدينة المقدسة".
إدانة ورفض
أصدرت الهيئات المسيحية الأكثر تمثيلاً في القدس بيانات رسمية تدين ظاهرة بصق اليهود المتطرفين على رجال الدين والمسيحيين في القدس، حيث أعرب المجلس الأعلى الذي يمثل الطوائف المسيحية الرئيسية في القدس "بطاركة ورؤساء الكنائس" عن "قلقهم العميق وإدانتهم الثابتة للعنف المتزايد ضد المسيحيين، مشيرين إلى أن هذه الحوادث تشكل نمطاً مقلقاً من العنف".
كما أدان مسؤولون كبار بشكل فردي هذه الممارسة، فالبطريرك اللاتيني في القدس، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، وصفها بأنها "جزء من واقع يومي مؤلم، وأكد على أهمية توثيق هذه الانتهاكات لمطالبة السلطات بالتحرك".
"نحن في القدس نريد الحرية، وحرية العبادة حق أعطانا إياه الرب ولا يحق لأي إنسان تقييد حرية إنسان آخر، عندما يقوم بالعبادة"، يؤكد متحدث كنيسة الروم الأرثوذكس بالقدس، الأب عيسى مصلح، لمنصة "المشهد".
ويردف قائلاً، إن "ظاهرة البصق على الكهنة والمسيحيين ليست حوادث فردية منعزلة، بل تمثل نمطاً ممنهجاً من المضايقات اليومية التي يمارسها متطرفون يشعرون بالحماية السياسية في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، وسط غياب الردع القانوني الفعال من قبل السلطات الإسرائيلية حيال هذه الأعمال المقيتة".
ويكشف الأب مصلح لـ"المشهد"، بأن "أحد رجال الدين من الطائفة الأرمنية في مدينة القدس، تعرض للبصق في وجهه وعلى ملابسه أكثر من 70 مرة خلال عام واحد، فحوادث البصق والاعتداء بشكل مباشر على الكهنة والمسيحيين والأماكن الدينية آخذة بالتصاعد، وتنذر بأخطار قادمة".
بدوره، أكد الأب مصلح أن بصق المستوطنين على الكهنة والمسيحية ليس ظاهرة جديدة، لكنها "أصبحت أكثر شيوعاً في الآونة الأخيرة، بل وشبه يومية، وذلك بسبب زيادة أعداد مجموعات اليهود الحريديم والصهيونية الدينية في البلدة القديمة بالقدس، بالإضافة أن هناك بعض الحاخامات يؤيدون ذلك أو حتى يشجعونه، ناهيك عن صعود اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية جعل المستوطنين المعتدين يشعرون بأنهم محميون".
ظاهرة غير أخلاقية
كشف منسق مجلس الكنائس العالمي في القدس، د. جورج سحَار لمنصة "المشهد"، عن أرقام مجمل الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين في مدينة القدس مؤخراً، والتي تصل لعشرات المرات أسبوعياً وتشمل الكنائس والأديرة والمدارس، بالإضافة إلى "تسجيل انتهاكات بشكل دائم على الممتلكات الكنسية، أما البصق فهو مستمر ويزداد، أسبوعياً هناك حادثة أو حادثتان على الأقل".
وشدد لـ"المشهد" أن "عملية البصق التي تحدث، والتي تحمل في تبعاتها الإهانة والتحقير، تترافق بالعادة مع وابل من الشتم، والقذف، والسب، والحركات اليدوية المشينة، تطال السيد المسيح والسيدة العذراء، وكذلك الكنائس ودور العبادة، وهي تشكل جزءاً رئيسياً من عمليات الاعتداء، والانتهاك، والتنكيل، التي يتعرض لها المسيحيون الفلسطينيون ومقدساتهم في مدينة القدس".
واستنكر د. سحَار ظاهرة بصق المستوطنين على الكنائس ورجال الدين، قائلاً إن "قيام المستوطنين اليهود بالبصق على المسيحيين هو أمر غير أخلاقي، وكل الأديان بريئة من هذه الأفعال، التي تصاحب التحقير والإهانة، بالفعل نشعر باستياء شديد لعدم تدخل العالم لوضع حد لهذه الاعتداءات التي تتكرر بشكل كبير، حيث إن الانتهاكات على المسيحيين تزايدت في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، حتى أن الحجاج المسيحيين في القدس يتعرضون لاعتداءات وممارسات متكررة حالهم حال المسيحيين الفلسطينيين في القدس".
(المشهد)