تكشف الحرب الدائرة على إيران عن تحول عميق في طبيعة الصراعات العسكرية الحديثة، حيث لم تعد المعارك تعتمد فقط على الأسلحة التقليدية، بل بات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والبيانات الضخمة عناصر حاسمة في إدارة العمليات القتالية.
وترسم هذه التطورات ملامح حروب المستقبل التي قد تدار بسرعة الخوارزميات وقوة التكنولوجيا أكثر من أي وقت مضى.
واستعرضت صحيفة "آي بيبر" البريطانية وموقع "واي نت" الإلكتروني -التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، المشهدَ الميداني والتقني للحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، والدور المحوري للذكاء الاصطناعي في قيادة العمليات العسكرية.
تطور عسكري
وفي تقريره لصحيفة آي بيبر، سلط الكاتب ماثيو بيلي الضوء على إستراتيجية أميركية جديدة تعتمد على "الابتكار لخلق مآزق للعدو"، وفقا لتعبير قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر.
ونقلت الصحيفة عن كوبر قوله: "القوات الأميركية استهدفت بالفعل ما يقارب 2000 هدف في إطار الحملة العسكرية الجارية".
ووفقا للصحيفة البريطانية، فقد استخدمت الولايات المتحدة في حربها الأخيرة على إيران أسلحة تظهر لأول مرة في ميدان القتال، لعل أبرزها طائرة "لوكاس" المسيّرة، وهي طائرة هجومية انتحارية ذات اتجاه واحد استُنسخت تقنياتها من المسيّرة الإيرانية الشهيرة "شاهد" التي استخدمتها روسيا على نطاق واسع في حربها ضد أوكرانيا.
وأوضح المستشار البارز في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن مارك كانسيان أن الولايات المتحدة بدأت التفكير في تطوير هذا النوع من الطائرات، بعد أن لاحظت فعاليتها في الحرب الأوكرانية.
وأشار بيلي إلى أن المسؤولين الأميركيين أدركوا أن هناك فجوة في ترسانات أسلحتهم التي تمتلئ بصواريخ باهظة الثمن لكنها تفتقر إلى البدائل الرخيصة.
فبينما يكلف صاروخ توماهوك أكثر من مليون دولار، لا تتجاوز تكلفة مسيرة لوكاس 40 ألف دولار، مما يسمح بإطلاق أسراب ضخمة تستطيع استنزاف الدفاعات الجوية للعدو، وشلّ حركتها بفاعلية اقتصادية مذهلة.
وتستطيع طائرة "لوكاس" قطع ما يقارب 720 كيلومترا، ويمكنها حمل رأس حربي يصل وزنه إلى نحو 18 كيلوغراما.
ويشير التقرير إلى أن هذه المسيّرات يمكن إطلاقها من السفن البحرية أو من منصات أرضية، إلا أن المؤشرات الحالية تدل على أن تلك التي استُخدمت في الضربات ضد إيران انطلقت من وحدات برية.
إلى جانب الطائرات المسيّرة، تحدثت صحيفة آي بيبر عن أن الولايات المتحدة استخدمت صاروخا جديدا يعرف باسم "صاروخ الضربة الدقيقة" (PrSM)، وهو خليفة لمنظومة الصواريخ التكتيكية المعروفة باسم "أتاكمز" التي ظل الجيش الأميركي يستعملها لسنوات طويلة.
استخدام الولايات المتحدة لصاروخ توماهوك باللون الأسود قد يمثل الظهور الأول لنسخة مطورة من طراز "ماريتيم سترايك توماهوك" المضاد للسفن
ويتميز الصاروخ الجديد بمدى أطول بكثير من سلفه، إذ يصل إلى ما لا يقل عن 496 كيلومترا، وهو مدى أصبح ممكنا بعد انسحاب الولايات المتحدة عام 2019 من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى الموقعة عام 1987.
كما يتميز الصاروخ بقُطر أصغر من صاروخ منظومة "أتاكمز"، مما يسمح بحمل صاروخين في منصة الإطلاق الواحدة، وهو ما يضاعف القدرة النارية للمنظومة.
وقد أثار هذا الظهور غير المعتاد تكهنات المحللين، خاصة أن صواريخ توماهوك تُطلى عادة باللون الرمادي، حيث أشاروا إلى أن الطلاء الأسود ربما هدفه أن يجعل من الصعب رصد الصاروخ بالعين المجردة، أو ربما يعمل على تضليل أنظمة الرادار أو كبح أدوات التتبع بالأشعة تحت الحمراء.
حرب الذكاء الاصطناعي
من جانبه، يصف الصحفي يسرائيل وولمان -في تقريره لموقع "واي نت" الإخباري العمليات الحالية بأنها "أول حرب ذكاء اصطناعي كاملة في التاريخ".
وبحسب وولمان، لم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على تحليل البيانات، بل أصبح عنصرا أساسيا في تسريع وتيرة العمليات العسكرية.
بينما كان غزو العراق يتطلب وحدة استخبارات قوامها 2000 جندي لتحديد الأهداف، تتطلب العمليات الحالية ضد إيران 20 جنديا فقط بفضل أنظمة مثل "مشروع مافن" التابع للقيادة المركزية الأميركية
فهذه الأنظمة قادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة ووسائل الاستطلاع المختلفة، ثم تلخيصها وتقديم توصيات عملياتية للقادة العسكريين.
هذه الأنظمة تستخدم نماذج لغوية ضخمة مثل تطبيق الذكاء الاصطناعي "كلود"، الذي طورته شركة "أنثروبيك" لتلخيص آلاف المصادر الاستخباراتية وتحديد التهديدات في أجزاء من الثانية.
إسرائيل بدورها طوّرت نظام ذكاء اصطناعي يُعرف باسم "هابسورا" يقوم بتحليل الصور الفضائية والبيانات الاستخباراتية لتحديد المباني والمنشآت التي قد تستخدم لأغراض عسكرية
ويشير التقرير إلى أن بعض هذه الأنظمة قد يكون مشاركا بالفعل في العمليات العسكرية الجارية، بما في ذلك أسراب الطائرات المسيّرة التي يمكنها التواصل مع بعضها البعض وتقسيم المهام فيما بينها أثناء الطيران.
(ترجمات)