يشهد العراق منذ سنوات عدة، سلسلة اغتيالات وتصفيات تطال النساء المشهورات والمؤثرات على وسائل التواصل الاجتماعي، كان آخرهنّ البلوغر العراقية المعروفة بـ"أم فهد"، التي تمت تصفيتها بطلقات نارية في مختلف أنحاء جسدها، أثناء جلوسها داخل سيارتها في بغداد.
وفي منتصف شهر أبريل الماضي، أعلن مصدر في قوات الأسايش الكردية، مقتل البلوغر و"التيك توكر" فيروز آزاد، بطلقات نارية عدة، حيث وُجدت الشابة مقتولة في شقتها بحيّ دارتو جنوب شرق أربيل، بعد أن اقتحم أقاربها الشقة وأطلقوا عليها الرصاص وهي نائمة.
وفي بداية شهر إبريل الماضي كذلك، وثّقت كاميرات المراقبة لحظة اختطاف البلوغر العراقية المشهورة بـ اسم "باربي العراق"، داليا نعيم، في منطقة المنصور غرب بغداد، وتداولت مواقع التواصل الاجتماعيّ صورًا لباربي العراق بعد حادثة الاختطاف، وهي مصابة بالوجه والفم وكدمات في مختلف أنحاء جسدها.
وفي نهاية شهر مارس الماضي، ضجت مواقع التواصل الاجتماعيّ في العراق، خصوصًا تطبيق "تيك توك"، بأخبار تعرّض التيكتوكرز حسين وزوجته شاهندة، لمحاولة تصفية رميًا بالرصاص، قرب منطقة الدورة في بغداد.
جرائم شرف
وتحت عنوان "جريمة الشرف"، أقدم والد اليوتيوبر العراقية طيبة العلي على خنقها حتى الموت، بداية العام الماضي 2023، وذلك بعد عودتها من تركيا إلى العراق، لتشارك في حضور الحدث الرياضي "خليجي 25"، لكنها تعرضت للتهديد من عائلتها بالقتل، لأنها تنشر مقاطع من حياتها اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي نهاية العام 2018، تمت تصفية عارضة الأزياء والبلوغر العراقية تارا فارس، بثلاث طلقات بالرأس، أثناء قيادتها لسيارتها في أحد شوارع بغداد، حيث بلغ عدد متابعي تارا على "إنستغرام"، 3 ملايين متابع، وكانت تنشر محتوًى مرتبطًا بحياتها وصورها الشخصية.
وفي شهر سبتمبر من العام ذاته، تمت تصفية الناشطة العراقية سعاد العلي، بإطلاق النار عليها أثناء قيادتها لسيارتها في مدينة البصرة، حيث كانت العلي من مؤيدي التظاهرات ضد الحكومة المركزية، بسبب نقص مياه الشرب والكهرباء والخدمات الرئيسية في مدينة البصرة.
وأدت سلسلة التصفيات التي تطال النساء العراقيات المؤثرات، إلى التساؤل، هل سيكون الموت هو مصير كل امرأة عراقية تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي؟
تهديد بالقتل
وتقول البلوغر والمؤثرة العراقية لينا علي حسين، إنّ "عملية تصفية النساء المؤثرات واحدة تلوى الأخرى، تبدو وكأنها رسالة تهديد لكل امرأة عراقية ترفض العيش وفقًا للباس الذي فصّله لها المجتمع، وهو محاولة لقتل أيّ تغيّر تسعى إليه المرأة العراقية، في ظل مجتمع ذكوريّ يرفض إلى الآن أن يرى المرأة خارج جدران منزلها".
وتكشف البلوغر العراقية لينا علي حسين في حديثها لمنصة "المشهد"، عن تعرّضها للتهديد بالقتل، واستلامها رسائل تهدد بقتلها، من دون أيّ سبب واضح، تقول: "أقدّم محتوًى خاصًا بحقوق المرأة العراقية، وجرائم غسل العار، وحضانة الأمهات، والعنف الأسري، والتحرش والتنمّر والمخدرات، والاتجار بالنساء والسحر والشعوذة وزواج المتعة، وغيرها من القضايا التي يعانيها المجتمع العراقي".
وتضيف حسين: "بلغ عدد متابعيّ على منصة "إنستغرام"، نحو نصف مليون متابع، ومنذ فترة تلقيت رسالة من حساب مجهول تهدد بقتلي، كُتب فيها: الدور سيكون دورك!، رغم أنني لم أسبّب أيّ إساءة لأيّ أحد، ما يدلّ على أنهم يستهدفون أيّ إمرأة عراقية تخرج لتقول لا للمجتمع الذكوري".
وتؤكد لينا أنها تنشر مقاطع من حياتها اليومية عبر منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى صورها الشخصية، تقول: "مشاركة حياتي الشخصية لا تضرّ المجتمع بأيّ طريقة، ورغم ذلك سلسلة التصفيات جعلتنا نشعر بالخوف من قتلنا بأيّ لحظة، فقط لأننا مؤثّرات ونحاول إحداث بعض التغيير".
مضايقات تبدأ بالتهديد
من جانبها، تقول رئيسة منظمة أيسن لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة أنسام سلمان البدري لمنصة "المشهد"، إنه "منذ سنوات طويلة يتم استهداف المرأة العراقية، خصوصًا عندما تكون ناشطة أو مدافعة عن حقوق المرأة، أو مؤثرة مشهورة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتعرض لمضايقات تبدأ بالتهديد وتنتهي بالقتل".
وترى البدري أنّ الأسباب الرئيسية التي جعلت ظاهرة قتل المؤثرات ترتفع في العراق، هي أنّ بعض هؤلاء المؤثرات "على شراكة مع الحكومة، أو مع بعض من الشخصيات الأمنية، التي جعلتهنّ أدوات بيدها، لنشر وتمرير بعض المعلومات، ثم تصفيتهنّ وقتلهنّ عندما تنتهي مهمتهنّ، اعتقد أنها بالدرجة الأولى تصفية حسابات".
وتضيف البدري: "الأسباب الأخرى تعود لأنّ المجتمع العراقيّ يعاني صدمة، هذه الصدمة تظهر في رفضه لهؤلاء النساء اللواتي تجرّأن من وجهة نظر المجتمع، على كسر العادات والخروج بمقاطع فيديو تصوّر حياتهنّ الشخصية بكل حرية، لذلك يصادر حريتهنّ وحتى حياتهن، فقط لأنهنّ اخترن الظهور بلباس معيّن، أو تصوير مقطع فيديو معين، أو طريقة حياة مختلفة".
وتشير عمليات تصفية المؤثرات، إلى أنّ المجتمع العراقيّ أصبح أكثر دموية وعنفًا ضد المرأة، تقول البدري: أصبح المجتمع العراقيّ محرّضًا ومشجعًا على القتل، ومساهمًا في قتل النساء من خلال الكلمة والفعل. لذلك نسعى من خلال عملنا الإنساني، على الحدّ من خطاب الكراهية ضد النساء.
وعن دور للجهات الأمنية، تقول البدري: من خلال عملنا نطالب بشكل مستمر الجهات الأمنية أن تأخذ دورها، ونسعى لتغيير القانون، كأن تضاف بعض الموادّ الدستورية التي تقف في وجه من يحلل قتل النساء العراقيات، وأن تساهم وزارة الداخلية في تشجيع النساء على تقديم شكوى ضد أيّ جهة تقوم بتهديدهن.
وتؤكد البدري أنّ الحل الأنسب للحدّ من ظاهرة قتل النساء والمؤثرات العراقيات، هو "محاسبة الجناة الذين ارتبكوا هذه الجرائم، مهما كان المحتوى جيدًا أو هابطًا، لا يحق لأيّ إنسان أن يسلب حياة إنسانًا آخر حقّه في ممارسة حياته كما يشاء، أو أن يسلب منه حياته بدم بارد".
أوصياء على النساء!
وترى الباحثة والناشطة الإنسانية رؤى الشمري، أنّ المشكلة الحقيقية ليست بتصدّر المرأة العراقية لوسائل التواصل الاجتماعي، فالمرأة "حجزت مكانًا لها على هذه الوسائل في مختلف الدول العربية، لكنها لم تتعرض للقتل كما يحدث في العراق".
وتضيف الشمري: "في العراق هنالك من يعتبرون أنفسهم أوصياء على النساء، يحددون للمرأة كيف يجب أن تعيش حياتها، وماذا يجب أن تلبس، وما هي المواضيع التي يمكنها الحديث عنها، وفي حال خالفتهم يقتلونها".
خطاب الكراهية
وتعليقًا على حادثة تصفية المؤثرة العراقية أم فهد، تقول الشمري، إنّ ما حدث يمكن "وصفه بالشنيع، وعدم احترام لجسد المرأة حتى بعد وفاتها، حيث قام البعض بنشر صور لجسدها وهي في مشرحة الطب العدلي، إنّ الإساءة تجاوزت سلبها حياتها، إلى الاعتداء على حرمة جسدها بعد الموت".
وترى الشمري أنّ "خطاب الكراهية والعنف يتنامي في المجتمع العراقيّ ضد المرأة، وشخصية الفرد العراقيّ تغيّرت واتجهت نحو العنف، ما جعل الكثير من المدافعين عن حقوق المرأة يشعرون بالقلق، من تفاقم هذه الظاهرة".
وتطالب الشمري عبر منصة "المشهد"، الجهات الأمنية والحكومية بتهذيب المجتمع وضبطه، من خلال قوانين جديدة تجعل سلطة القانون فوق السلطة المجتمعية، أو غيرها من السلطات أو الجهات المتورطة في عميات قتل وتصفية المؤثرات والناشطات العراقيات.
(المشهد - أربيل)