قمة بوتين وإردوغان المُرتقبة.. ماذا وراء إصرار أنقرة على إحياء اتفاق تصدير الحبوب؟

شاركنا:
روسيا تُغلق الموانئ الأوكرانية وتُهدد باعتبار السفن أهدافا عسكرية منذ الانسحاب من الاتفاق (رويترز)
هايلايت
  • خبراء روس يؤكدون أن إصرار إردوغان نابع من مكاسب بلاده الاقتصادية والسياسية.
  • محللون أتراك يدافعون عن رغبة بلادهم لإحياء الاتفاق: من أجل منع أزمة غذاء عالمية.
  • مسؤول سابق في الخارجية الروسية يستبعد عودة موسكو إلى صفقة تصدير الحبوب.

قبل أكثر من شهر تقريبا روج الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لزيارة مرتقبة سيجريها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بلاده من أجل التباحث حول إعادة إحياء اتفاق تصدير الحبوب من البحر الأسود الذي انسحبت منه موسكو، قائلا في تصريحات تناقلتها وسائل الإعلام: "اللقاء سيتم خلال شهر أغسطس".

لكن، هذه الزيارة المزعومة لم تتم، وبدلا من ذلك سيتوجه إردوغان إلى منتجع سوتشي الروسي المطل على البحر الأسود للقاء بوتين خلال الأيام القليلة المقبلة، في محاولة يعتبرها مراقبون إصرارا من رئيس الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، لإعادة تفعيل مبادرة تصدير حبوب البحر الأسود.

ومنذ يوليو الماضي، تُغلق روسيا الموانئ الأوكرانية وتُهدد باعتبار السفن كافة أهدافا عسكرية محتملة بعد انسحابها من اتفاق توفير ممر آمن لتصدير الحبوب كانت تدعمه الأمم المتحدة، مبررة ذلك بالعقوبات الغربية التي تعرقل صادراتها بما يخالف مذكرة تفاهم موازية تعهدت بموجبها الأمم المتحدة على مساعدة موسكو في صادراتها من المواد الغذائية والأسمدة.

وخلال الساعات القليلة الماضية، التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في موسكو لبحث قضية الحبوب قبيل اجتماع الزعيمين، حيث قال فيدان قبل ذلك اللقاء إن إحياء اتفاق تصدير الحبوب مهم للعالم.

إصرار إردوغان

لعب الرئيس التركي الذي تربطه علاقات جيدة بنظيره الروسي دور الوسيط إلى جانب الأمم المتحدة للتوصل إلى الاتفاق الذي سمح باستئناف صادرات الحبوب والمواد الغذائية من أوكرانيا عبر ممر بحري آمن من 3 موانئ رئيسية إلى بقية العالم.

ويكافح إردوغان منذ أسابيع للقاء الرئيس الروسي، بحسب ما يؤكد المحللون الروس الذين تحدثوا لمنصة "المشهد"، إذ يقول رئيس وكالة تنمية التجارة الدولية ومقرها موسكو تيمور دويدار إن "بوتين رفض دعوة إردوغان السابقة لزيارة أنقرة، وهو الآن قادم إلى سوتشي للقاء بوتين وهو محمل بمقترحات جديدة لإحياء الاتفاق".

ويضيف دويدار خلال حديثه مع منصة "المشهد": "إردوغان لديه إصرار مدفوع بمكاسب بلاده، وتوجيه من الدول الغربية لإقناع الزعيم الروسي بالعودة من جديد إلى الاتفاق، حيث تمارس دول حلف شمال الأطلسي ضغوطا على تركيا لإغلاق معابرها أمام الصادرات الروسية، في إطار خطة تضييق الخناق على الاقتصاد".

ويؤكد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة لوباتشيفسكي الروسية عمرو الديب خلال حديثه مع منصة "المشهد" أن الرئيس التركي لديه رغبة ملحة لإحياء اتفاق مبادرة تصدير حبوب البحر الأسود، "حيث يسعى لاستخدام كل ما يمكنه من علاقات شخصية ومن تأثير على الرئيس بوتين لاستعادة هذه الصفقة".

ومنذ انسحاب روسيا قبل 6 أسابيع من الاتفاق، تحاول أوكرانيا البحث عن ممر آمن لعبور سفن الشحن التي باتت مهددة، غير أنها لم تنجح سوى في توفير ممر مؤقت عبرته 3 سفن فقط، حسبما أعلن مسؤولون بحريون مطلع سبتمبر الجاري.

ووفق الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة، تُعد أوكرانيا واحدة من أكبر مصدري الحبوب في العالم، إذ تزود السوق العالمية عادة كل عام بحوالي 45 مليون طن من الحبوب، ولكن بعد اندلاع الحرب تراكمت جبال الحبوب في الصوامع، ولم تتمكن السفن من الحصول على ممر آمن من وإلى الموانئ الأوكرانية سوى من خلال ما وفره الاتفاق.

المكاسب

يدافع الخبراء والمحللون الأتراك عن إصرار بلادهم على إحياء الاتفاق، بهدف منع حدوث أزمة غذاء عالمية تهدد البلدان، لكنهم لا يستبعدون الاستفادة السياسية والاقتصادية لبلدهم من عودة روسيا إلى الاتفاق من جديد، إذ يقول المحلل الاقتصادي التركي علاء الدين إسماعيل شنكولر خلال حديثه مع منصة "المشهد": "تركيا تصر على إقناع روسيا بالعدول عن قرارها لأسباب إنسانية وعدم تفاقم أزمة الغذاء العالمية، خصوصا في الدول الإفريقية. العالم يسعى للوصول إلى القمح والغذاء. وهذا أمر طبيعي وإنساني في المقام الأول".

ويؤكد هذا الرأي أيضا الصحفي والكاتب التركي حمزة تكين، والذي يشير خلال حديثه مع منصة "المشهد" إلى "مسؤولية إنسانية لمساعدة البلدان الفقيرة الأكثر تضررا من الحرب".

لكن، تكين عاد ليضيف: "أما هدف تركيا الثاني هو إثبات أنها أصبحت دولة قادرة على لعب أدوار إقليمية ودولية مؤثرة وخصوصا في الملفات الحساسة، وهذا ما هو واضح جدا فيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية وغيرها من الملفات".

وخلال الأشهر الماضية، كانت تركيا تحاول إقناع روسيا تصدير القمح إليها لتحويله إلى دقيق ومن ثم إعادة تصديره إلى البلدان الأخرى حول العالم، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

ويعتبر المحلل الاقتصادي التركي علاء الدين شنكولر أن بلاده ترغب في الاستفادة بشكل كبير من بعض القمح الروسي في حالة إعادة إحياء الاتفاق، إلى جانب المكاسب الاقتصادية الأخرى التي ستعود إليها من تسهيل مرور سفن الشحن عبر معابر البحر الأسود.

واستفادت أنقرة كثيرا من اتفاق تصدير حبوب البحر الأسود على المستوى المالي والسياسي، بحسب ما يقول أستاذ العلاقات الدولية عمرو الديب، مضيفا: "هذه الاستفادة تدفع أنقرة لمحاولة استعادة هذه الصفقة وضغط إردوغان منذ أكثر من شهر للقاء بوتين الذي كان يرفض الاجتماع به".

ويؤكد الديب أن أنقرة تعمل أيضا على تحقيق مكاسب سياسية "وكأنها الوسيط الوحيد في هذه الفترة القادرة على التواصل مع الزعيم الروسي، حيث تعمل جاهدة في سبيل تعزيز هذه الوضعية التي تفيد علاقتها السياسية والدولية سواء في سياق حلف الناتو أو في العالم".

ويتفق مع هذا الرأي أيضا الكاتب التركي حمزة تكين، إذ يقول: " العالم يترقب ما ستسفر عنه القمة بين إردوغان وبوتين".

وقبل نهاية الأسبوع الماضي، أرسل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لروسيا "مجموعة من المقترحات المحددة" التي تستهدف إحياء الاتفاق. لكن موسكو بحسب وكالة "أسوشيتد برس" لم تكن راضية عن الرسالة، حيث قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إنه قدم لأنقرة قائمة بالإجراءات التي يتعين على الغرب اتخاذها من أجل استئناف الشحنات الأوكرانية.

وتشدد موسكو في طلب عودة البنك الزراعي الروسي إلى نظام "سويفت " للمدفوعات المصرفية الدولية، والذي أخرجه الاتحاد الأوروبي من النظام في يونيو 2022، في أعقاب العقوبات الغربية على روسيا بسبب الحرب.

هل يقتنع بوتين؟

انقسم الخبراء والمحللون خلال حديثهم مع منصة "المشهد" حول إمكانية أن تسهم قمة بوتين وإردوغان في إعادة إحياء الاتفاق، حيث يستبعد ذلك المسؤول السابق في وزارة الخارجية الروسية ألكسندر زاسيبكين خلال حديثه مع منصة "المشهد".

ويقول زاسيبكين: "العودة إلى صفقة الحبوب أمر مستبعد. لا تستطيع الأمم المتحدة أو تركيا تأمين تنفيذ المطالب الروسية لأن الدول الغربية هي التي يجب أن تتخذ الإجراءات المناسبة وهذا مستحيل".

ويشير الدبلوماسي السابق في المنطقة العربية إلى إمكانية أن تسفر المباحثات عن تعاون بين موسكو وأنقرة لتصدير الحبوب إلى الدول الإفريقية في إطار الأهداف الإنسانية.

على النقيض، يتوقع الكاتب التركي حمزة تكين أن ينجح إردوغان في إقناع بوتين بالعودة إلى الاتفاق، قائلا: "حتى هذه اللحظة هناك مؤشرات إيجابية".

بدوره، يرى رئيس وكالة تنمية التجارة الدولية بموسكو أن إردوغان سيعمل جاهدا على إيصال رسائل الكرملين إلى الغرب فيما يتعلق بالطلبات المرتبطة بالعودة إلى الاتفاق، متوقعا أن يوافق الكرملين على إعادة إحياء الاتفاق وفق بنود جديدة.

ووفق ما هو واضح من خلافات بين موسكو وأنقرة في ملفات عدة خلال الأسابيع الماضية، من الواضح أنه ستكون هناك صعوبة كبيرة في إقناع الرئيس بوتين، بحسب أستاذ العلاقات الدولية بجامعة لوباتشيفسكي عمرو الديب، مضيفا: "لكن العلاقات الشخصية بين إردوغان وبوتين لا أحد قادر على التكهن بها. ولا يمكن ترجيح إحياء الاتفاق من عدمه".

(المشهد)