وتيرة متصاعدة من الحروب والتوترات والتحولات المتسارعة تشهدها المنطقة العربية في هذه الفترة، والتي على ما يبدو على أعتاب مفترق طرق يسعى لإعادة رسم ملامح الإقليم والهيمنة على تلك المنطقة.
وفي خضم المواجهة المفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى، تدخل المنطقة في أتون مرحلة تصعيد غير مسبوقة، بيد أنّ هذا التصعيد لا يقتصر على البعد العسكري المباشر، بل يترافق مع تحرك غربي أوسع، حيث دفعت قوى أوروبية بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بقطع بحرية وحاملات طائرات إلى المنطقة، في خطوة تُفهم على أنها دعم مباشر للمشروع الأميركي الإسرائيلي في مواجهة طهران.
ففي الوقت الذي يقف العالم فيه على أطراف أصابعه في هذه الأثناء، انتظارًا لما ستؤول إليه نتائج الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، برز الحديث مجددا عن مستقبل المشروع الذي تريد إيران صياغته على دول المنطقة، والتي بذلت فيه جهودا ضخمة لسنوات طويلة من أجل فرضه وتمريره.
ملامح النظام الإيراني الجديد هو الفاصل
وحول المصير الذي ينتظر المشروع الإيراني التوسعي، يرى الخبير في العلاقات الدولية الدكتور محمد خالد في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، أنّ نجاح أو فشل المشروع الإيراني داخل المنطقة، يتوقف على ملامح النظام الإيراني الجديد الذي سيتولى مقاليد الأمور بعد انتهاء الحرب الدائرة رحاها في تلك الأثناء، ومعرفة توجهات هذا النظام أولًا، من أجل الحكم على مستقبل المشروع الإيراني، مضيفًا أنه "إذا كان القائد الجديد لهذا النظام من خارج عباءة الحرس الثوري ومناهض له، فلن يكون لديه فكر توسعي".
وأشار إلى أنّ الولايات المتحدة تسعى جاهدة بالتوازي مع الحرب التي تخوضها ضد إيران، إلى جلب نظام موالٍ لها في الداخل الإيراني مثل النظام الفنزويلي الحالي، موضحًا أنّ أميركا ترغب في أن يكون القائد الجديد لإيران ليس لديه أحلام وأفكار توسعية، وأن يكون مناهضًا للحرس الثوري الإيراني، لأنها تعتبر أنّ الحرس الثوري هو الخطر الحقيقي لها داخل المنطقة، وبالتالي إذا نجحت أميركا في ذلك سيكون له تأثير مباشر على الحد من أحلام إيران التوسعية شيئا فشيئا، وسيقلل من النفوذ الصيني والروسي في الشرق الأوسط، لأنّ إيران تعد أكبر حليف لهذين البلدين، ومن ثم فإن تغيير النظام الإيراني وموالاته للمعسكر الغربي سيجعل الأحلام التوسعية لإيران تتلاشى إلى حد كبير.
تفاصيل المشروع الإيراني التوسعي
وفيما يتعلق بالمشروع الإيراني في المنطقة العربية، فيشير المتخصص في الشؤون الإيرانية الدكتور وجدان عبد الرحمن في حديثه لـ"المشهد"، أنّ هذا المشروع ليس وليد اللحظة، بل يمتد لأكثر من 47 عام، أي منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، ومنذ ذلك الحين تبنّى النظام رؤية تقوم على تصدير الثورة وتوسيع النفوذ خارج حدوده، وهو ما تجلّى مبكرًا في سياق الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، التي اندلعت في ظل مناخ إقليمي مشحون بالتوترات السياسية والأيديولوجية.
ويضيف: "خلال تلك المرحلة، تشكّلت ملامح إستراتيجية إيرانية تقوم على تسيس الإسلام السياسي، وتوظيف البعد المذهبي في الصراع الجيوسياسي، ما أدّى إلى تعميق الانقسامات الأيديولوجية والدينية داخل عدد من الدول العربية. وبالتوازي مع ذلك، تبنّت طهران مشروعًا إقليميًا يسعى إلى توسيع مجالها الحيوي وصولًا إلى شرق البحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان، في إطار رؤية أمنية-قومية بعيدة المدى".
أحلام إيرانية قديمة متجددة
ووفقًا لعبد الرحمن، فإنّ المشروع الإيراني ليس جديدا، بل هو مشروع قديم يتجدّد بأدوات مختلفة، حتى في الفترات التي شهدت محاولات لإعادة أو تحسين العلاقات بين طهران وبعض العواصم العربية، فطبيعة النظام كما يراها خصومه تقوم على مراكمة النفوذ لا على إعادة تعريفه، موضحًا أنّ النظام الإيراني يمر اليوم بمرحلة شديدة الحساسية في ظل الضغوط الدولية والتصعيد العسكري المتزايد، ومن منظور إستراتيجي قد ينظر صانع القرار في طهران إلى جزء من البيئة العربية، باعتبارها ساحة صراع ممتدة لا ساحة شراكة مستقرة، خصوصًا في ظل إرث الحرب الطويلة مع العراق وما تبعها من اصطفافات إقليمية.
وحذر من أنه في حال شعور النظام الإيراني بأنّ وجوده مهدّد، فإنّ عقيدته الأمنية قد تدفعه إلى اعتماد سياسة تصعيدية تقوم على توسيع نطاق الاشتباك وعدم حصره في جغرافيا محددة، وهذا قد يشمل عدم الاكتفاء باستهداف مصالح عسكرية مباشرة، بل محاولة إيجاد بيئة إقليمية مضطربة عبر أدوات غير تقليدية.
مخاوف جمّة
ولفت المتخصص في الشؤون الإيرانية، إلى أنّ التحدي الأكبر أمام دول المنطقة لا يتمثل في الصواريخ أو الطائرات المسيّرة فحسب، فهذه يمكن رصدها والتعامل معها عبر أنظمة الدفاع الجوي، بل في احتمالية تفعيل شبكات نفوذ أو خلايا مرتبطة بمشاريع عابرة للحدود، تعمل على زعزعة الاستقرار من الداخل عبر عمليات أمنية أو أعمال تخريبية.
وطالب من الدول العربية في المرحلة المقبلة رفع مستوى الجاهزية الأمنية والاستخبارية، والتعامل مع التهديدات غير المتناظرة بجدية، لأنّ أخطر ما في الحروب الحديثة ليس المواجهة المباشرة، بل إدارة الفوضى داخل المجتمعات المستهدفة.
مشروع إيران توسعي متكامل
وبحسب الخبير في العلاقات الدولية الدكتور محمد خالد، فإنّ إيران لديها مشروع توسعي متكامل يعتمد على الآتي:
- السيطرة على الممرات البحرية الهامة، من خلال التحكم في مضيقي هرمز وباب المندب من أجل السيطرة على مجريات التجارة العالمية.
- زعزعة الاستقرار داخل الدول العربية، وذلك عبر دعم الجماعات المسلحة الموالية لها داخل هذه البلدان.
- محاولة تصدير النموذج السياسي الإيراني والقائم على ولاية الفقيه.
وكشف أنّ إيران حاولت مرارًا وتكرارًا لأن يكون لها قواعد عسكرية في منطقة القرن الإفريقي، ولكنها فشلت في تحقيق ذلك بسبب الرفض المصري القاطع لهذا الأمر، لأنّ القاهرة تعتبر القرن الإفريقي امتداد لأمنها القومي وخط أحمر لها، مشددا في الوقت نفسه على أنّ إيران لن تتنازل بسهولة عن أحلامها التوسعية داخل المنطقة وإحياء مشروع "الإمبراطورية الفارسية" التي تسعى إليه منذ عقود، وهو ما أدركته الولايات المتحدة خلال الأعوام القليلة الماضية، لذلك عملت على قص الأذرع المسلحة لإيران داخل المنطقة.
مرحلة مفصلية
ومن جهته، يرى المتخصص في الشؤون الإيرانية الدكتور وجدان عبد الرحمن، أنّ التداعيات التي صاحبت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران حتى اللحظة، توحي بأننا أمام مرحلة مفصلية قد تمثل بداية النهاية للنظام الإيراني، ليس فقط من حيث نفوذه الإقليمي في المنطقة العربية، بل ربما بداية تحوّل جذري في بنية النظام نفسه داخل إيران.
وذكر أنّ هناك العديد من المؤشرات التي تشير إلى هذا الأمر، حيث كان من أبرزها الآتي:
- استهداف كبار القيادات في هرم السلطة، وعلى رأسهم المرشد الإيراني علي خامنئي، باعتباره الركيزة الأساسية للنظام.
- الحديث عن استهداف مؤسسات محورية مثل مجلس خبراء القيادة، في سياق يُفهم منه السعي لمنع ترتيب انتقال منظم للسلطة أو تعيين مرشد جديد.
- ضرب القيادات العسكرية والسياسية العليا، إلى جانب استهداف مخازن السلاح ومنشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
- توسيع بنك الأهداف ليشمل البنية التحتية، وحتى وسائل الإعلام الرسمية، بما يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى ضرب رمزية الدولة وأدواتها السيادية.
التغيير في إيران بات أقرب من أي وقت مضى
ورغم أنّ تفاصيل المرحلة المقبلة في الداخل الإيراني لا تزال غير واضحة بالكامل، إلا أنّ عبد الرحمن يرى أنّ الحديث عن تغيير النظام الإيراني لم يعد مجرد طرح نظري، بل أصبح احتمالا واقعيا في ضوء تسارع التطورات، مشيرا إلى أنه من غير المرجح وفق المعطيات الحالية، أن يكون النظام البديل ملكيا كما يروّج بعض أنصار التيار الملكي، وقد عزز هذا التقدير ما أشار إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تصريحاته الأخيرة، والتي لم تمنح أفضلية واضحة لخيار عودة الحكم الملكي في إيران.
ويؤكد الخبير في الشؤون الإيرانية، أنّ التغيير في إيران بات أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى، لكن شكل الحكم المقبل، وطبيعة التوازنات الداخلية فيه، لا يزالان رهن تطورات الميدان وحسابات القوى الدولية والإقليمية.
(المشهد)