تهديد وجودي للإنسانية.. ماذا يعني عصر الغليان العالمي؟

شاركنا:
علماء يدقون ناقوس الخطر بشأن الآثار المدمرة للتغير المناخي
هايلايت
  • الأمم المتحدة تعلن بدء "عصر الغليان العالمي".
  • خبير: عصر الغليان العالمي هو تهديد وجودي للإنسانية جمعاء.
  • خبير: ليس هناك مبالغة في التنبؤ بنهاية العالم، تغير المناخ يصعّب من ظروف العيش.

"تغير المناخ هنا. إنه أمر مرعب، وهذه مجرد البداية"، كلمات جاءت في بيان مقلق للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تزامنا مع تقرير آخر يشير إلى أن شهر يوليو سجّل أعلى درجات حرارة في التاريخ.

"لقد انتهى عصر الاحتباس الحراري، ووصل عصر الغليان العالمي"، يقول غوتيريش في مؤتمر صحفي يوم الخميس، في وقت تشتعل حرائق بعض دول البحر الأبيض المتوسط ويتراجع جليد القارة القطبية الجنوبية إلى أدنى مستوياته عبر التاريخ. 

هذه التأثيرات الشديدة للتغير المناخي يراها الأمين العام للأمم المتحدة تتماشى مع "التوقعات والتحذيرات المتكررة" من قبل العلماء، "المفاجأة الوحيدة هي سرعة التغيير"، وفقا لغوتيريش.

في ظل هذا الوضع، يخشى خبراء أن يكون التحول "الصادم" في المناخ بداية لآثار مدمّرة لا يمكن للبشر التحكم فيها أو وقفها.

في المقابل، يقول عالم المناخ والجيوفيزيائي الأميركي مايكل إي مان في مقابلة مع صحيفة "لوموند" الفرنسية: "لم نقترب بعد من أي رد فعل مرعب ولا شيء يثبت أنه تم تجاوز نقاط اللاعودة".

لكن العالم الأميركي يؤكد في الوقت نفسه أنه من دون مبادرات قوية لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون يمكن تجاوز نقاط التحول المناخي بسرعة ومن تم الوصول إلى مرحلة اللاعودة.

للوقوف عند ما يعنيه عصر الغليان العالمي وأبرز تبعاته ومدى خطورتها، حاورت منصة "المشهد" الخبير في المناخ والتنمية المستدامة المهندس محمد بنعبو.

عصر الغليان العالمي

ماذا يعني دخول العالم عصر الغليان العالمي؟ وهل هذا يدلّ على تسارع التغير المناخي؟

المهندس محمد بنعبو: دخول العالم عصر "الغليان العالمي"، يعني تخطينا المستوى البرتقالي وأصبحنا نعيش في مجال أحمر يتميز بتحطيم درجات الحرارة لأرقام قياسية على مستوى اليابسة وعلى مستوى البحار والمحيطات، عصر الغليان تم إعلانه منذ تجاوز متوسط درجة حرارة كوكب الأرض 17.24 مئوية خلال الأسبوع الأول من شهر يوليو، هذا الشهر الذي تم تصنيفه الشهر الأكثر سخونة على الإطلاق وهو دلالة عن الطقس الحار المتطرف الذي يشهده العالم والارتفاع القياسي في درجات الحرارة العالمية التي سجلها شهر يوليو. عصر الغليان العالمي هو إعلان رسمي عن نهاية عصر الاحترار المناخي العالمي.

إذا لقد انتقلنا سريعا من عصر مناخي إلى آخر أكثر تطرفا بفعل الأنشطة البشرية المتسارعة وبفعل التزايد التراكمي لكميات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، عصر الغليان العالمي هو تهديد وجودي للإنسانية جمعاء، وتجدر الإشارة إلى أن إعلان دخول عصر الغليان العالمي حيز الوجود هو مبني على ما تظهره أهم مراكز الدراسات في العالم، ومن بينها "ناسا" ومرصد "كوبيرنيكوس" المناخي، لذا من الواضح جدا أن نقول إن عصر الاحترار العالمي انتهى ونحن نتجه نحو خطر أكبر في السنوات المقبلة. 

ما الفرق بين عصر الاحترار وعصر الغليان؟ وما الذي قد يتبع هذا الأخير؟

المهندس محمد بنعبو: هناك من يربط بين التغير المناخي والتغير الفيزيائي للموارد الطبيعية على كوكب الأرض، فعلى المستوى الفيزيائي يمكن اعتبار درجة الانصهار هي الدرجة التي نفقد فيها المادة الصلبة بينما عند درجة الغليان تحدث تغيرات مهمة على مستوى أطوار المادة، وأطوار المادة هي الحالة التي تكون فيها المادة مثل الحالة الصلبة والسائلة والغازية. على المستوى المناخي فالمسألة شبيهة جدا بالمستوى الفيزيائي، اليوم نفقد ملايين الهكتارات من المنظومات الغابوية الهشة، وموجات الحر أصبحت أكثر تواترا وأكثر تطرفا مما سيؤثر مباشرة على الأمن المائي والغذائي للإنسان على ربوع الكوكب، درجة الغليان الذي يعيش على إيقاعه حوض البحر الأبيض المتوسط أكبر دليل على ما يقع اليوم. 

عصر الغليان العالمي هو عبارة عن دق ناقوس الخطر وتنبيه الدول المسؤولة تاريخيا عن الاحتباس الحراري إلى الواقع القائم من أجل ضمان اتخاذ إجراءات فورية وسريعة، عصر الغليان العالمي هو الرفع من مستوى التحذير من الخطر القائم، ودفع الدول من أجل التحرك السريع وتقديم التزامات بشأن التغير المناخي تكون طموحة أكثر، لأن التزامات الدول النامية ليست كافية. 

ماهي أكثر المناطق المتضررة أو المعنية أكثر من غيرها بهذه التغيرات التي تحدث عنها غوتيريش؟

المهندس محمد بنعبو: 3 قارات وجل البحار والمحيطات بل ومعظم دول العالم تعيش على أثار الارتفاع القياسي في درجات الحرارة. آثار واضحة ومأساوية نلمسها بالعين المجردة في تونس كما في صقلية كما في اليونان أو كندا أو باكستان. وفي كوريا الجنوبية الفيضانات تجرف الأطفال بينما في الجزائر تهرب العائلات من لهيب النيران أما نيران إقليم كيبيك الكندي تنتظر أمطار فصل الخريف لتنطفئ، لذا من السهل جدا أن نجزم أن الأمر بما وصل إليه من خطورة بات بحاجة إلى إعلان حالة طوارئ مناخية وطوارئ علمية وبذل جهود حثيثة خصوصا في السنوات الـ5 المقبلة التي سنشهد خلالها احترارا عالميا غير مسبوق.

اليوم أميركا الشمالية مثلها مثل إفريقيا الشمالية أو أوروبا كلها تعيش على إيقاع احترار غير متوقع انصهرت معه الأنهار الجليدية بأوروبا الغربية ودول شرق آسيا، بينما تئن دول أخرى تحت وطأة الجفاف والندرة المطلقة للمياه فيما مناطق أخرى من الكوكب تحتر مياهه وتزداد حموضة، نتكلم هنا عن المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط من دون أن ننسى بلوغ درجات حرارة القطب الجنوبي إلى درجات قياسية تنبؤ بأن الأسوأ قادم. 

درجات حرارة قياسية

تقرير حديث كشف أن شهر يوليو سجل أعلى درجات حرارة في التاريخ، هل يمكن الحسم في حقيقة هذه المعلومة في وقت يرى مشككون أنه في عصور مضت لم يتم متابعة حرارة مناطق مختلفة؟

المهندس محمد بنعبو: الأرقام تتحدث عن نفسها وشهر يوليو لعام 2023 حطم جميع الأرقام على جميع الأصعدة، بينما تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وخدمة كوبرنيكوس الأوروبية للأرصاد الجوية حسمت الأمر مبكرا بكون شهر يوليو 2023 هو أحرّ شهر تمّ تسجيله على الأطلاق، هذا الحسم جاء بناء على متابعة عن كثب لدرجات الحرارة الخانقة طيلة 3 أسابيع من الحر الخانق الذي سجل في البحور وفي 3 قارات، أدى إلى حرائق مدمرة، خصوصا في حوض المتوسط وكندا.

في ظل تسجيل درجات حرارة قياسية، هل ستواصل درجات الحرارة في الارتفاع عاما تلو الآخر؟

المهندس محمد بنعبو: نعم بالطبع ستواصل الارتفاع ما دام استهلاك الوقود الأحفوري في ارتفاع، والدول الأكثر تصنيعا لم تتراجع عن استعمال الفحم الحجري في التصنيع وإنتاج الكهرباء، فسيناريو 2015 مع ظاهرة النينيو من المحتمل جدا أن يحدث هذه السنة حيث ستكون سنوات 2024 و2025 و2026 أشد وطأة على المنظومات البيئية وعلى الإنسان، لكن يبقى من المرجح أن ترتفع درجات الحرارة العالمية في السنوات الـ5 المقبلة، بفعل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وظاهرة النينيو الطبيعية، لتصل إلى مستويات قياسية.

وبينما يمكننا تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية من المحتمل أن يتجاوز المتوسط السنوي لدرجات الحرارة العالمية بالقرب من سطح الأرض مستويات ما قبل العصر الصناعي خصوصا مع دخول ظاهرة النينيو حيز الوجود، هذه الظاهرة الطبيعية التي من الممكن أن تؤدي، مقترنة بتغير المناخ البشري المنشأ، إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. وسيكون لهذا الارتفاع عواقب جسيمة على صعيد الصحة والأمن الغذائي وإدارة المياه والبيئة. 

هل يمكن للتدخل البشري أن يمنع ما يحدث من تغيرات مناخية أو يبطئ على الأقل من تسارعها؟

المهندس محمد بنعبو: يمكن بالطبع كبح هذا التسارع عبر الرجوع إلى مخرجات اتفاق باريس التاريخي وتفعيل الالتزامات التي أخذتها الدول المسؤولة تاريخيا عن هذا الغليان العالمي عبر التخفيف من الانبعاثات لغازاتها الدفيئة. 

هناك من يربط بين ما يحدث في العالم من حرائق ودرجات حرارة قياسية وتغير مناخي بنهاية العالم، علميا هل الظواهر التي نشهدها اليوم ستقضي على البشرية على المدى القريب والمتوسط أم أن هذه التنبؤات مبالغ فيها؟ 

المهندس محمد بنعبو: ليس هناك مبالغة في التنبؤ بنهاية العالم، تغير المناخ ظاهرة تصعّب من ظروف العيش على كوكب الأرض، وتزيد من فقدان عدد كبير من الأنواع البيولوجية وتهدّد الأمنين المائي والغدائي لسكان العالم، لكن تبقى للدول خططها وبرامجها للتكيف مع هذه الظاهرة ومخططاتها للحفاظ على الموارد المائية والطبيعية واستدامتها لفائدة الأجيال القادمة.

(المشهد)