"نقطة تحوّل".. بريطانيا توجه صفعة للجيش السوداني بسبب سردية الحرب

شاركنا:
الجيش السوداني يصر على إشعال الحرب في السودان (رويترز)
هايلايت
  • نفي بريطاني رسمي يطيح باتهامات "الدعم الإماراتي" لقوات الدعم السريع.
  • مراجعة أكثر من ألفي رخصة سلاح تفضح أهداف عسكرة الصراع بالسودان.
  • مراقبون: التدقيق المؤسسي يكشف هشاشة السردية التعبوية في بورتسودان.

لم يكن نفي وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، مؤخرًا، المزاعم المتواترة بخصوص وجود دعم إماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، أمرًا مباغتًا، إنما بدا كاشفًا للأطراف التي تواصل ترويج وتعميم معلومات مغلوطة، تم دحضها المرة تلو الأخرى بالأدلة القانونية الموثقة، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".

تعثر مبادرات التسوية

وبحسب المصادر ذاتها، فإنّ مصدر هذه الدعاية السلبية من جانب الجيش السوداني الذي يقوده عبد الفتاح البرهان، والمرتهِن لتحالف مع جماعة "الإخوان"، يكشف عن ما هو أبعد من تفنيد المزاعم بالبيانات الموثقة والمراجعات، أو بالأحرى التدقيق الدولي الذي من شأنه معرفة عمليات وصول الأسلحة لأطراف النزاع بالسودان، حيث إنّ الهدف من تعميم الاتهامات بوجود دعم إماراتي لـ"الدعم السريع"، هو تمسك الجيش والجماعة الأم للإسلام السياسي بخيار الحرب، وإطالة أمدها لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري.

ذلك ما تسبب في تعثر المبادرات الإقليمية والدولية وتضييق الهامش الدبلوماسي، بما ينذر بتداعيات خطيرة على وحدة السودان واستقراره، ويُفاقم معاناة المواطنين.

وقالت الوزيرة البريطانية إنّ الاتهامات التي تتردد بشأن دعم عسكري إماراتي لـ"الدعم السريع"، "لا أساس لها من الصحة".

وبحسب كوبر، فإنّ السلطات البريطانية قامت بمراجعة شاملة لجميع تراخيص تصدير السلاح، لافتة إلى أنه تم التدقيق في أكثر من 2000 رخصة للتأكد من عدم وصول أيّ أسلحة إلى السودان، وهو رقم يعكس حجم الفحص المؤسسي الدقيق الذي استندت إليه لندن قبل إعلان موقفها، وقالت إنّ نتائج المراجعة أثبتت عدم صحة الاتهامات السابقة.

نقطة تحول

يقول القيادي البارز في حزب الأمة القومي السوداني وعضو التحالف المدني الديمقراطي "صمود" عروة الصادق، إنّ تصريحات وزيرة الخارجية البريطانية تمثل "نقطة تحوّل" مهمة في السردية المحيطة بالصراع السوداني.

ويشير الصادق إلى أنّ دعاوى البرهان المتكررة بشأن الدعم الإماراتي لـ"الدعم السريع"، إنما هي ذريعة لـ"عسكرة القضية ورفض التسوية السياسية"، وتابع في حديثه لـ"المشهد": "التصريح البريطاني الأخير يكشف هذه الذرائع، ويفند المزاعم التي استخدمها لتبرير المماطلة وضعف الاستجابة للمبادرات الدولية، بينما يهزّ أركان سردية الحزب المحلول وواجهاته من الجماعات التي تنشط في الحرب، وهذا التذرع هو منهج في تعطيل المبادرات، بما في ذلك المبادرة الأميركية الهادفة إلى وقف إطلاق النار وإطلاق حوار سياسي شامل".

ويقول الصادق إنّ إصرار البرهان على تحالفه مع جماعات أيدولوجية متطرفة وإرهابية، وتعمّده توصيف قوات الدعم السريع "تنظيمًا متمردًا وغير شرعي، وربط أيّ هدنة بإنهاء وجود هذه القوات في كامل التراب السوداني"، يعكس توجهًا نحو التصعيد وتوسيع دائرة المواجهة، وهو موقف يتجاهل الوقائع الميدانية، ويتعارض مع الجهود الدولية الرامية إلى بلورة مخرج سلمي للأزمة. ومن ثم، هذا التشدد يرتبط بـ"تأثير تحالف المال والتنظيم "الإخواني" الذي يمثل الركيزة الأيديولوجية والتنظيمية الداعمة لسلطته.

تقويض مبادرات التسوية

وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول المحلل السياسي السوداني صلاح حسن جمعة، إنّ ما أثير وتم الترويج له على نحو مغلوط في الآونة الأخيرة، من اتهامات متكررة بشأن وجود دعم عسكري إماراتي لقوات الدعم السريع، قد انكشف تلفيقه وعدم موثوقيّته على المستوى الأممي، غير أنها فضحت الهدف المخبوء المتمثل في "استمرار الحرب كوسيلة لإدامة الأمر الواقع من دون تغيير وعدم الاستجابة للمبادرات السلمية، وإجهاض أيّ مسار يؤدي إلى هدنة أو سلام شامل".

وتابع جمعة: "وقف القتال، وفق هذا المنظور، يعني فتح الباب أمام مساءلات سياسية وقانونية، ويقوّض فرص بقاء هذه القوى في المشهد السياسي أو استمرار هيمنتها العسكرية".

وخلال الأشهر الماضية، اتُّهمت السلطة القائمة بـ"المماطلة في التعاطي مع المبادرات الإقليمية والدولية، والتنقل من منبر إلى آخر من دون إبداء التزام واضح بحلول جادة"، وفق المحلل السياسي السوداني، موضحًا: "كان آخر تلك المحطات المبادرة الأميركية ، التي أُعلن في البداية القبول بها، قبل أن يجري الالتفاف عليها لاحقًا بذريعة الاعتراض على مشاركة أطراف بعينها، وفي مقدمتها المجموعة الرباعية".

حكم الأمر الواقع

كما أنّ البرهان يسعى إلى تكريس "حكم الأمر الواقع وشرعنته"، عبر إقصاء بقية القوى السياسية والمدنية، مستندًا في ذلك إلى شرعية مستمدة من استمرار حالة الحرب، بحسب المصدر ذاته، مضيفًا أنه يعمل على "كسب الوقت" أملًا في الحصول على دعم سياسي أو عسكري من حلفاء إقليميين، يعزز موقعه التفاوضي ويطيل أمد سيطرته. ومن ثم، ناقش الاتحاد الإفريقي خلال اجتماعاته الأخيرة تطورات الأزمة السودانية، من دون أن تفضي تلك المداولات إلى رفع تعليق عضوية السودان، أو الاعتراف بالسلطة القائمة، ما ضيّق من هامش المناورة أمامها على الصعيد القاري.

وعليه، فإنّ إصرار القيادة العسكرية على المضيّ في خيار الحرب، يعود إلى سعيها لاستعادة السلطة التي فقدها النظام السابق عقب ثورة شعبية واسعة، معتبرين أنّ إشعال الصراع كان وسيلة للعودة إلى المشهد عبر البوابة العسكرية، تحت شعار "القضاء على التمرد"، وفق ما يوضح حسن جمعة.

تبديد الخطاب التعبوي

يتفق والرأي ذاته المحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد، والذي يقول إنّ هذه الشهادات الدولية تمثل "نقطة تحوّل إستراتيجية" في مسار الأزمة السودانية، إذ لا تقتصر دلالتها على نفي الاتهامات الموجهة إلى طرف خارجي بعينه، بل تسقط الذريعة التي تستند إليها سلطات بورتسودان في تبرير استمرار الحرب تحت عنوان "المؤامرة الخارجية".

إذ يأتي حديث وزيرة الداخلية البريطانية، ليُضعف الخطاب التعبوي القائم على تحميل أطراف خارجية مسؤولية الصراع، وفق المختار محمد، مؤكدًا لـ"المشهد": "في المقابل أهمية دور الإمارات كطرف فاعل في جهود التسوية، لا يمكن تجاوزه في أيّ مسار سياسي مقبل".

وفي ما يبدو أنّ كامل إدريس، الذي يُنظر إليه بوصفه واجهة مدنية لمعسكر استمرار الحرب، لم ينجح خلال مشاركته في مؤتمر ميونخ، في تسويق الرواية ذاتها، خصوصًا مع طرح شروط اعتُبرت غير واقعية، من بينها مطالبة قوات "الدعم السريع" بتسليم سلاحها رغم سيطرتها على مساحات واسعة من البلاد، وقدرتها على تهديد مناطق نفوذ الجيش، وفق المحلل السياسي السوداني، حيث تكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية، لأنها تضع المجتمع الدولي أمام معادلة مختلفة، مفادها أنّ استمرار القتال لا يرتبط بعوامل خارجية، بقدر ما يعكس خيارًا داخليًا لدى تحالف داخل المؤسسة العسكرية وتيارات محسوبة على جماعة "الإخوان"، يفضّل الحسم العسكري على الانخراط في تسوية سياسية.

ووفق المحلل السياسي السوداني، تشير مؤشرات إلى احتمال تصاعد التباين بين القيادة العسكرية السودانية وبعض العواصم الغربية، في ظل تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبّر فيها عن رغبته في إنهاء الحرب السودانية، ما قد يضع البرهان أمام ضغوط دولية متزايدة للقبول بمسار سياسي.

كما يُنظر إلى هذه الشهادات باعتبارها رسالة إلى أطراف خارجية تبنّت خطابًا قريبًا من رواية "الإخوان"، وروّجت لاتهامات سياسية ضد الإمارات، في سياق يُتهم بأنه يفتقر إلى الحياد ويغفل تعقيدات المشهد.

(المشهد)