كواليس زيارة الموفد الفرنسي إلى لبنان.. دعم الجيش مقابل حصر السلاح؟

شاركنا:
لودريان التقى عون في بعبدا إلى جانب عدد من الموفدين السفراء (إكس)

تأتي زيارة المبعوث الرئاسي الفرنسي، جان إيف لودريان، إلى بيروت في وقت بالغ الحساسية بالنسبة للبنان، خروقات إسرائيلية مستمرّة، مخاوف من اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل و"حزب الله"، وجيش يحاول وضع خطّة لتنفيذ المرحلة الثانية من سحب سلاح الجماعات المسلّحة وعلى رأسها "حزب الله"، رغم كلّ المعوّقات وأبرزها العديد والعتاد.

واستهل لودريان لقاءاته بلقاء جمعه برئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، ثمّ التقى رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري وقائد الجيش العماد رودولف هيكل.

تميّزت لقاءات هذه الزيارة بتزامنها مع زيارة الموفد السعودي الى لبنان الامير يزيد بن فرحان الذي كان حاضرًا في لقاءات لودريان إلى جانب سفراء الولايات المتحدة وقطر ومصر، ما يعكس تقاطعًا لأولويات بين أبرز الفاعلين الدوليين.

وعلى الرغم من أنّ العنوان الرئيسي للزيارة يتمثّل في دعم القوات المسلّحة اللبنانية، فإنّ لقاءات لودريان مع المسؤولين اللبنانيين تكشف عن أجندة أوسع وأكثر تعقيدًا، تهدف إلى مزامنة الدعم العسكري العاجل مع الوضوح السياسي والإصلاحات الاقتصادية ضمن إطار متكامل، يُنظر إليه على أنّه أساس لتحقيق الاستقرار وحماية لبنان من التداعيات المتزايدة للصراعات الإقليمية.

من هنا، يحمل لودريان رسالة واضحة من باريس، مفادها "نافذة المساعدة الدولية مفتوحة، لكنّها مخصّصة فقط لمن هم مستعدّون للتحرّك ضمن مهل زمنية صارمة وواضحة".

قيومجيان: الزيارة عنوانها مؤتمر دعم الجيش ونزع السلاح

في حديث لـ"المشهد"، أكد وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني السابق ريشار قيومجيان أن زيارة الموفد الفرنسي جان-إيف لو دريان إلى بيروت لا تحمل في جوهرها "رسائل سياسية جديدة"، بل تندرج في إطار هدف واضح ومحدد يتمثل في التحضير لمؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر عقده في باريس في الخامس من أيار المقبل.

وأوضح قيومجيان أن هذا المؤتمر هو العنوان الأساسي لكل تحركات لو دريان، مشيرًا إلى أن الزيارة الأخيرة جاءت ضمن هذا المسار، وبمشاركة أعضاء اللجنة الخماسية، أي الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر ومصر، الذين اتفقوا على موعد المؤتمر وعلى أولوية دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية.

وعلى الرغم من أن اللقاءات قد تتطرق إلى ملفات أخرى مثل الإصلاحات الاقتصادية أو خطط الجيش لنزع السلاح، شدد قيومجيان على أن هذه المواضيع تبقى ثانوية مقارنة بالأولوية الفرنسية الأساسية، وهي تأمين الغطاء الدولي والسياسي لمؤتمر دعم الجيش. وأضاف أن "الرؤية الفرنسية تقوم على ربط تعزيز قدرات الجيش اللبناني بتقوية الحجة الدولية المطالبة بنزع سلاح "حزب الله"، إذ ترى باريس أن كلما أصبح الجيش أقوى، ازدادت القدرة على الضغط باتجاه حصر السلاح بيد الدولة".

إلا أن قيومجيان أوضح أن هذا الربط ليس دقيقًا من وجهة نظره، معتبرًا أن "نزع سلاح حزب الله لا يجب أن يكون مشروطًا بقوة الجيش، بل هو التزام قائم بحد ذاته".

وفي هذا السياق، شدد قيومجيان على أن "حزب الله ملزم بتسليم سلاحه استنادًا إلى اتفاق وقف العمليات العسكرية الموقّع في أبريل 2025، وإلى القرارات الدولية والواقع اللبناني"، مؤكدًا أن لا إصلاحات ولا استثمارات ولا دعم مالي يمكن أن يتحقق طالما استمرت "الحالة الأمنية والعسكرية" التي يمثلها "حزب الله" خارج إطار الدولة.

وعن توقيت زيارة لودريان، التي أتت بعد إعلان الجيش اللبناني انتهاء المرحلة الأولى من انتشاره جنوب الليطاني، رأى قيومجيان أن الزيارة لم تكن مرتبطة مباشرة بهذا التطور، بل كانت مبرمجة مسبقًا كجزء من استكمال تحركات لو دريان السابقة. لكنه أقرّ بأن هذه الخطوات تصب في اتجاه واحد، وهو تعزيز قدرات الجيش اللبناني بما يخدم الهدف السياسي المعلن للدول الداعمة.

وختم قيومجيان بالتأكيد أن أي دعم إضافي للجيش اللبناني هو تطور إيجابي يصب في مصلحة الدولة، لكنه أشار إلى أن نجاح مؤتمر باريس سيبقى مرتبطًا بالتطورات الإقليمية، خصوصا في إيران والمنطقة، حيث يمكن أن تفرض تحولات كبرى نفسها قبل موعد انعقاده.

زيارة لودريان في لحظة مفصلية

في الموازاة، أكدت الكاتبة السياسية روزانا بومنصف لمنصة "المشهد" أن "زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت تأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تداخل أزمات أمنية واقتصادية وسياسية أعادت لبنان إلى صدارة الاهتمام الدولي، وخصوصا الفرنسي. فباريس لم تغادر يومًا الملف اللبناني، بل تعتبره بندًا دائمًا على جدول أعمالها، خصوصًا في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون الذي منح هذا الملف بعدًا إستراتيجيًا خاصًا".

وأضافت بومنصف أن تعيين لودريان مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى لبنان لم يكن خطوة شكلية، بل جاء في سياق فرنسي واضح لملء الفراغ الدبلوماسي الذي رافق مرحلة الشغور الرئاسي، ولتعويض محدودية دور القنوات التقليدية في التعامل مع أزمة بهذا الحجم. ومنذ ذلك الحين، تسعى باريس إلى الإمساك بمفاصل متعددة في المشهد اللبناني، من السياسة إلى الأمن فالاقتصاد.

وأشارت إلى أن "أحد أبرز عناوين هذا التحرك يتمثل في الدعم المتزايد للجيش اللبناني، والذي تُوِّج بتحديد موعد مؤتمر دولي لدعمه في الخامس من مارس المقبل. فهذا المؤتمر، وفق المعطيات المتداولة، هو إلى حد كبير ثمرة إصرار فرنسي مكثف، إذ ترى باريس في الجيش حجر الزاوية لأي استقرار محتمل. لكنها في الوقت نفسه تدرك أنها لا تستطيع وحدها تأمين الدعم المالي واللوجستي المطلوب، ما يفسر سعيها الحثيث إلى إشراك الدول الخليجية، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، في هذا المسار".

ولفتت إلى أن "الرهان الفرنسي لا يقتصر على البعد الداخلي فحسب، بل يمتد إلى البعد الإقليمي، وخصوصًا في العلاقة مع إسرائيل. فتعزيز قدرات الجيش اللبناني يهدف أيضًا إلى طمأنة تل أبيب بأن الدولة اللبنانية قادرة على ضبط الأرض جنوبًا، بما يسحب الذرائع من أي بقاء إسرائيلي في النقاط المحتلة، ويحد من احتمالات التصعيد العسكري. كما شددت على أن المقاربة الفرنسية لا تختزل في الشق الأمني، بل تشمل أيضًا مستقبل قوة اليونيفيل التي تنتهي ولايتها الحالية في نهاية العام، حيث ترى باريس أن تقوية الجيش اللبناني تشكّل شرطًا أساسيًا لإعادة صياغة دور هذه القوة. وإلى جانب ذلك، تضع فرنسا الإصلاح الاقتصادي في صلب رؤيتها، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أي استقرار أمني سيبقى هشًا من دون بنية اقتصادية قابلة للحياة".

في المقابل، لا تخفي باريس، بحسب الكاتبة السياسية روزانا بومنصف، "قلقها من السلوك التقليدي للطبقة السياسية اللبنانية، التي تميل إلى المماطلة وتضييع الفرص، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات النيابية. لذلك تحرص فرنسا على البقاء حاضرة ومتحركة، ليس فقط لتقديم الدعم، بل أيضًا لممارسة الضغط السياسي والدبلوماسي من أجل دفع اللبنانيين إلى التركيز على الأولويات بدل الغرق في الحسابات الضيقة".

وختمت بالقول إن "فرنسا ترى أن انهيار لبنان أو تحوّله إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي سيكون خسارة إستراتيجية لها وللمنطقة. ورغم أن نفوذها لا يضاهي النفوذ الأميركي، إلا أن باريس ما زالت تحاول، عبر تحركات لو دريان وشبكة علاقاتها الدولية، إبقاء لبنان داخل دائرة الاهتمام والحماية الدولية، ومنع سقوطه الكامل في الفراغ والفوضى".

دعم الجيش اللبناني أولوية

ويقف الجيش اللبناني في صميم مهمّة لودريان، حيث تعتبره فرنسا عمود الدولة الفقري، ووسيلة حيوية لمواجهة الفوضى الداخلية والتأثيرات الإقليمية.

وقد دفعت باريس بقوّة لعقد مؤتمر لدعم المؤسسة العسكرية، الذي أعلن اليوم عن عقده في الخامس من آذار المقبل في باريس، لتأمين المساعدات المالية واللوجستية الضرورية ليس للجيش وحسب، بل أيضًا لقوى الأمن الداخلي. ومن المتوقّع أن يفتتح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المؤتمر، الذي يمثّل جهدًا دبلوماسيًا ضخمًا لتوفير الدعم من فاعلين دوليين مؤثّرين (مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية).

وفي المعلومات فإنّ باريس أشادت بأداء الجيش اللبناني الأخير جنوب نهر الليطاني، خصوصا دوره في تنفيذ المرحلة الأولى من خطّة بسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية كافة وتقليص الوجود المسلّح خارج المؤسّسات الرسمية، وفق تقريره الأخير الذي قدّمه لمجلس الوزراء في 8 يناير 2026. ويؤكّد هذا التقييم قناعة فرنسا بأنّ تعزيز الجيش ضروري للحفاظ على الاستقرار عند الحدود الجنوبية ومنع توسّع الانتهاكات والعمليات الإسرائيلية.

علاوة على ذلك، بينما يركّز الجيش اللبناني على أمن الحدود والدفاع الإستراتيجي، هناك توافق دولي متزايد على ضرورة أن تستعيد قوى الأمن الداخلي تدريجيًا دورها في الشرطة الداخلية، وهو تحوّل ضروري لإنهاء الوضع الطويل الأمد الذي جعل الجيش القوّة الأساسية للشرطة المحلّية، وبالتالي لضمان قيام دولة صحّية وفعّالة.

من هنا أمران أساسيان في الواجهة:

تحقيق احتكار الدولة للسلاح وتحديد جداول زمنية صارمة وواضحة:

  • الدعم الفرنسي للبنان وجيشه يقع ضمن شروط صارمة. ومن المتوقّع أن يضغط لودريان لتحقيق المرحلة الثانية الأكثر طموحًا شمال نهر الليطاني. فرؤية الإليزيه واضحة وضوح الشمس: يجب أن تمتلك الدولة الاحتكار الكامل لاستخدام القوّة.
  • المانحون الدوليون يبحثون عن جدول زمني حاسم لجمع كافّة السلاح غير الشرعي في لبنان. وبينما تعترف باريس بالتوازن الداخلي وتعقيداته، فإنّها تشعر بقلق متزايد من الغموض والالتزامات المفتوحة.

وفي هذا السياق، أشار السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إلى أنّ "المهل الزمنية هي كلّ شيء"، مشيرًا إلى إرهاق المجتمع الدولي من الغموض اللبناني، الذي قد يقوّض مصداقية مؤتمر الدعم القادم. ولكي تنجح فرنسا في حشد المانحين للمؤتمر المزمع عقده في آذار، يجب على بيروت إظهار وضوح تام في ما يخصّ هذا الملف. فالوعد الغامض بخطط مستقبلية ومفتوحة لم يعد كافيًا، وهو مقامرة لا يستطيع لبنان تحمّلها، وبالتالي أصبح تحديد الجداول الزمنية شرطًا أساسيًا للحفاظ على الزخم الدولي.

يترافق ذلك مع الحاجة إلى تسوية تفاوضية تفضّل الحلّ الدبلوماسي للتوتّرات الحدودية، بغض النظر عن المواقف السياسية الداخلية للمكوّنات المختلفة. وقد نسّقت فرنسا مع الولايات المتحدة والسعودية وأعضاء "اللّجنة الخماسية" لتعزيز إطار وقف إطلاق النار والحدّ من خطر الأخطاء في التقدير.

تمرير الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية المتأخّرة:

  • إلى جانب الملف الأمني، يحتلّ الاقتصاد موقعًا محوريًا في أجندة لودريان.
  • لا يزال قانون الإنتظام المالي يشكّل عبئًا في مناقشات المبعوث الفرنسي، حيث تعتبره باريس حجر الزاوية لاستعادة الشفافية في المالية العامّة وفتح باب التفاوض مع صندوق النقد الدولي.
  • لا يمكن للاقتصاد اللبناني أن يتنفّس بدون السيولة الدولية، وهذه السيولة مرتبطة بالشفافية والمساءلة والإصلاح. لذلك، يضغط لودريان على المسؤولين لإنهاء إستراتيجية معالجة الفجوة المالية قبل فصل الربيع.
  • بدون إصلاح ملموس، أوضحت باريس أنّ لا دعم مالي ولا دعم لإعادة الإعمار يمكن أن يتحقّق ويستمرّ. من هنا، إنّ الرسالة للمسؤولين اللبنانيين قد أصبحت واضحة: الدعم العسكري، التعافي الاقتصادي وثقة المجتمع الدولي مترابطون، ولا يمكن أن يعوّض التقدّم في جانب عن الجمود في الجانب الآخر.

مؤتمر وشروط

منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون، يُحكى عن تنظيم مؤتمر برعاية فرنسية لدعم الجيش، وعن مؤتمر لدعم الاقتصاد وإعادة الاعمار لكن الموضوع لا يزال مؤجّلًا. فمؤتمر دعم الجيش اللبناني في مارس عام 2026 يمثّل شريان حياة للجيش وقوى الأمن، وهي المؤسّسات الوحيدة التي تمنع حاليًا انهيار الدولة بشكل كامل. 

(المشهد)