أعلنت السفارة الأميركية في بغداد صباح السبت 7 فبراير، عن تفجير مُسيطَر عليه داخل مركز الدعم الدبلوماسي المُستخدم لدعم السفارة لوجستيًا، واستضافة موظفين من وكالات أميركية عدة، إضافة إلى ارتباطه بمهام التحالف الدولي في العراق، فيما لم تعلن عن طبيعة التفجير أو أسبابه، ولم تذكر وقوع خسائر بشرية أو مادية.
وتزامن الإعلان عن تفجير مركز الدعم الدبلوماسي الأميركي، مع انتشار تقارير تتحدث عن تطوّع آلاف الشبان العراقيين من محافظة ديالى، ضمن صفوف الحشد الشعبي لمساندة إيران ضد أيّ تهديد أميركي أو إسرائيلي مُحتمل، وإعلان فصائل عراقية في مقدمتها "كتائب حزب الله" في العراق، استعدادها لخوض حرب شاملة دعمًا لإيران.
تأتي هذه التطورات على الساحة العراقية نتيجة للتصعيد السياسي بين واشنطن وطهران خلال الأسابيع الماضية، مع تحركات عسكرية أميركية في البحر الأبيض المتوسط، وانسحاب قوات أخرى من قطعاتها العسكرية في العراق، ما دفع بعض المراقبين لإطلاق تحذيرات من ضرورة عدم انزلاق البلاد في الحرب الأميركية الإيرانية المُحتملة.
الفصائل المسلحة العراقية تفتح باب التطوّع
وبحسب مواقع إعلامية عراقية، تجمّع نحو 5 آلاف شاب في ناحية "أبي صيدا" التابعة لقضاء المقدادية الجمعة، وأعلنوا في بيان جماعي رفضهم للتدخل الأميركي في إيران، واستعدادهم للدفاع عن العراق وإيران معًا، عبر التطوّع في صفوف الحشد الشعبي والقوات الأمنية، من دون أيّ مقابل مادي.
وتم رفع قائمة أسماء الشباب المتطوعين إلى قيادة عمليات ديالى، لترفعها بدورها إلى القائد العام للقوات المسلحة.
وتعليقًا على ذلك، قال مدير مركز قراءات للإعلام والتنمية أثير الشرع لمنصة "المشهد"، إنّ تفجير مركز الدعم الدبلوماسي، مرتبط بانسحاب القوات الأميركية من قواعدها، وبقاء بعض الأسلحة التي يجب إتلافها، "وأنه لا علاقة للفصائل المسلحة به".
وأضاف: "في المقابل هناك عدد من الفصائل العراقية المسلحة فتحت أبواب التطوّع للشباب العراقي، ليكون قسم منهم استشهاديين للدفاع عن العراق، وقسم آخر للدفاع عن إيران ضد التهديدات الأميركية، وفعلًا آلاف الشبان بدأوا بالتطوّع والانخراط مع 3 فصائل عراقية مسلحة، لتشكيل حشد موازٍ للحشد الشعبي العراقي"، مبيّنًا أنّ "جزءًا من هؤلاء الشباب مدربون، والجزء الآخر سيتم تدريبهم".
وعن الأسباب التي دفعت هؤلاء الشباب للتطوّع، أجاب الشرع: "لا يوجد تنسيق مع طهران. إيران لم تدعُ إلى هذه الخطوة، لأنها بدأت مرحلة التفاوض مع واشنطن وما زال الوقت مبكّرًا للحديث عن حرب أميركية إيرانية جديدة، إلا أنّ الفصائل العراقية المسلحة، تعتبر أنّ أيّ تهديد لإيران هو تهديد لوجودها العقائدي، ولديها اقتناعها بضرورة بقاء الثورة في إيران، لذلك دفعت باتجاه تجنيد الشباب للدفاع عنها".
وعن رأي الحكومة العراقية بحالات التطوّع الجديدة، أكد قائلًا: "لا يمكن للدولة أن تتدخل بفتح باب التطوّع. يحق لأيّ مواطن الانخراط بأيّ حزب أو فصيل وفقًا للدستور العراقي، ما دام أنّ هذا المتطوّع لا يملك السلاح، لكن في حال تسليح هؤلاء الشباب، يجب أن تكون الجهة التي تطوعوا معها رسمية مُعترفًا بها داخل العراق، ومُسجلة في رئاسة مجلس الوزراء".
هل يحتمل العراق فصائل مسلحة جديدة؟
وفي سياق متصل، قال المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد"، إنّ العراق يعيش مرحلة تسليم السلاح وتقليص دور الفصائل المسلحة والميليشيات، ودمج الحشد الشعبي بالمؤسسات الأمنية، بالتالي خطوة فتح باب التطوّع لتأسيس حشد شعبي جديد لا يمكن أن يحتمل العراق عواقبها.
واعتبر أنّ تقوية الحشد الشعبي على الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية عبر تشجيع الشباب على التطوّع، سيؤدي إلى الفوضى والسيطرة بقوة السلاح على القرار السياسي والقضائي، ما سيُنتج نظام عصابات وليس نظام دولة دستورية.
وتساءل القيسي "كيف يمكن البدء بهذه الخطوة في ظل الضغط الأميركي على العراق لحل الفصائل العراقية المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة؟".
وقال:
- نجزم أن هذه الخطوة ستؤزم علاقة بغداد بواشنطن، لأن العراق ليس حشداً شعبياً بل دولة لديها جيش وهيئات ومؤسسات أمنية، ورغم أن الحشد الشعبي أصبح جزءاً من المؤسسات الأمنية، إلا أن العراق لا يحتمل تشكيل حشد شعبي جديد مرتبط بإيران.
- تحشيد هؤلاء الشبان وتوظيفهم كانتحاريين لحماية إيران يشبه ما فعله تنظيم "داعش" عندما دفع ببعض الشباب السنة للانضمام لصفوفه بحجة إقامة دولته.
- نشاط الحشد الشعبي تجاوز العمل العسكري إلى الاقتصادي، حيث بدأ بالتعامل مع شركات خاصة منها العنقاء وسمر الخير والمهندس والحرس الثوري التي تستورد الرقائق الإلكترونية والمواد الأولية الخاصة بصناعة المسيّرات والصواريخ البعيدة المدى لإرسالها لإيران، بالتالي أصبحت طهران تستغل نفوذ الحشد الشعبي العراقي ومؤسسات الدولة لتحصل على هذه المواد الأولية بالمال العراقي، أي أن المال والسلاح والأفراد أصبحوا تحت نفوذ إيران ما سيشكل تهديداً للمجتمع العراقي.
التلاعب بعواطف الشباب العراقي
ووصف محللون سياسيون فتح باب التطوّع لدعم إيران بأنها عملية غسل دماغ الشباب العراقي المغرر به لتحقيق المزيد من المكتسبات السياسية والاقتصادية.
وعن ذلك، قال الكاتب والصحفي منتظر ناصر لمنصة "المشهد" إنه لا يمكن مقارنة تطوّع الشباب الآن بتطوعهم في العام 2014 بعد أن كانت ثلث مساحة البلاد تحت سيطرة "داعش"، ما شكل تهديداً وجودياً لهم.
وتابع "أما الآن الوضع مختلف ليس هنالك أي حاجة لفتح باب التطوّع للقتال، كما لم تصدر أي فتوى من مرجعية النجف الأعلى بهذا الشأن، حتى المرشد الأعلى الإيراني لم يطلق هكذا فتوى".
ومن جانب آخر، أوضح ناصر أن التنافس السياسي بين الفصائل العراقية المسلحة دفعها لتحشيد الشباب العراقي، لأن الكثير منها في الآونة الأخيرة تخلّى عن مواجهة أميركا وعن شعارات المقاومة، بعد تخلّيها حصلت على مقاعد نيابية وامتيازات سياسية واقتصادية، وأصبحت مصالحها مرتبطة بقبول الولايات المتحدة لوجودها ضمن الحكومة، لكن في المقابل هنالك فصائل مسلحة لم تنجح بالحصول على الامتيازات التي حصلت عليها الفئات الأخرى، ما خلق نوع من التنافس ودفع بها للضغط عبر إعلان التطوّع ودعوتها لحماية إيران.
وعن عدد الشبان المتطوعين، قال إن عدد الشباب الذين تطوعوا أقل بكثير مما نُشر عبر وسائل الإعلام، "لكن لا ننكر أن هؤلاء الذين تطوعوا لقتال أميركا وإسرائيل دعماً لإيران، تم التلاعب بعواطفهم الدينية واستخدامهم للقتال، أي أن الفصائل المسلحة التي فتحت باب التطوّع لديها إيديولوجيا دينية دفعت بها لإقناع بعض الشبان بالتطوّع، معظمهم يافعين لا يجيدون استخدام السلاح".
وشدد ناصر على أن هذه الخطوة لا تعكس رغبة حقيقية لدى الشباب العراقي للنزوح نحو الموت والانتحار، إنما هروب من الواقع لأنهم وجدوا منها فرصة للحصول على وظيفة أو مرتّب ثابت.
وقال "كل ما يجري سببه فشل النظام السياسي والحكومات المتعاقبة في انتشال الوضع الاقتصادي وتحسين مستوى دخل الفرد وحالما يصبح الموت واقعاً مجانياً، جميع هؤلاء الشبان سيدركون خطورته".
(المشهد)