على امتداد 40 كيلومترًا من الساحل الفلسطيني، كان قطاع الصيد في قطاع غزة يوفر مصدر رزق لأكثر من 110 آلاف فلسطيني، ويغطي نحو 70% من احتياجات السوق المحلية من الأسماك، لكن هذا القطاع الحيوي تحول إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية والاقتصادية والبيئية، حيث لم يعد البحر ذلك الفضاء المفتوح للرزق، بل مساحة محفوفة بالموت والملاحقة اليومية.
تدمير أسطول الصيد في غزة
البيانات الرسمية تشير بأنّ الحرب دمرت أكثر من 95% من أسطول الصيد، وتسببت بانهيار الإنتاج من 4660 طنًا سنويًا إلى أقل من 15 طنًا شهريًا، فيما أضحى الصيادون يواجهون الرصاص والملاحقة من الزوارق الحربية الإسرائيلية، حتى على بعد أمتار قليلة من الشاطئ.
وهذه الخسائر لم تطال المهنة فحسب، بل امتدت للأمن الغذائي لأكثر من مليوني نسمة، مع تراجع نسبة البروتين المتاحة في السوق المحلية إلى أقل من 5% من الاحتياجات الأساسية، الأمر الذي جعل السمك سلعة نادرة لا تطالها إلا أيدي القلّة.
ويشكل البحر المتنفس الوحيد لأهالي غزة في وجه الحصار، لكنه تحول اليوم إلى جبهة موت مفتوحة، يخرج إليها الصيادون كل صباح وكأنهم يمضون إلى موتهم المحقق، لا يطلبون ثراءً، بل لقمة تعيد الحياة إلى أطفالهم الذين باتوا ينظرون إلى السمك وكأنه ذكرى من زمن مضى، فمع كل رحلة، يواجه الصياد رصاصا وملاحقة، ومع كل موجة، يدرك أن عودته سالما هي المعجزة، لا أن يحمل الصيد إلى عائلته الجائعة، لتتحول مهنة كانت فخراً وكرامة إلى مجازفة يومية يدفع ثمنها الدم والحصار والجوع.

مأساة قطاع الصيد في غزة
وإزاء كل هذه المعطيات، ترصد "المشهد" مأساة قطاع الصيد في غزة، لتكشف كيف تحول البحر الذي كان شريان حياة إلى مقبرة طموحات، وكيف صار الصيد فيه أشبه برهان على الحياة لا يفوز به إلا من كتب له النجاة، فالصيادون والنقابة وأهالي القطاع كلهم يروون قصة واحدة، قصة بحر كان أجمل ما في غزة، فصار اليوم أخطر ما فيها.
وخلف المشاهد الإنسانية، تقف أرقام تنزف كارثةً لا تحتمل التأويل، فاستنادا إلى بيانات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة، فإنّ حجم الانهيار غير المسبوق الذي طال قطاع الصيد يكشف أبعادا مروعة لهذه المأساة.
ويقول عضو نقابة الصيادين في غزة زكريا بكر لـ"المشهد"، بأنّ الإنتاج السنوي من الأسماك الذي كان يبلغ 4660 طنا قبل الحرب، انهار إلى أقل من 15 طنا شهريا، وهي الكمية التي كانت تُصطاد في يوم واحد قبل الحرب، وبالتالي الإنتاج اليومي الحالي لا يتجاوز نصف طن يوميا، مقارنة بـ15 طنا كانت تملأ الأسواق وتُشبع الجوعى".
ويؤكد عضو نقابة الصيادين لـ"المشهد" بأن أكثر من 95% من أسطول الصيد دمر، قائلًا "كان الأسطول يضم أكثر من 2000 قارب قبل الحرب، لكنها تدمرت بفعل الحرب، ولم يتبقَّ سوى أقل من 100 قارب بالكاد تعمل، فيما كانت القوى العاملة تضم 6 آلاف صياد وعامل، اليوم لا يتجاوز عدد القادرين على العمل 8% من هذه القوة، أي نحو 500 صياد فقط، يكافحون في ظروف لا تطاق".
وبلغة الأرقام، أشار بكر لـ"المشهد" بأنّ حجم الخسائر الاقتصادية تقدر بنحو 17 مليونا و500 ألف دولار قائلًا، بأنّ تلك الخسائر لم تقتصر على الصيادين وحدهم بل تطال أكثر من 110 آلاف فلسطيني كانوا يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على هذا القطاع الحيوي، فهذا انهيار وجودي يحوّل آلاف العائلات من منتجين إلى متلقين للمساعدات، ويمحو مهنة عمرها قرون في غضون أشهر الحرب".
وجوه من المأساة
وكان بحر غزة على الدوام قبلة للصيادين والحرفيين، مرسى للأحلام ومصدرا للرزق لا ينضب، لكن اليوم بين قصف متعمد وحصار خانق، تحولت هذه القبلة إلى كابوس، وأصبح الصيد فيها رهاناً مع الموت.
"كنا ننزل إلى البحر باكرا، نتمنى صيدا وفيرا، أما اليوم فندعو الله أن نعود أحياء"، يقول الصياد أبو يوسف لـ"المشهد" وهو يلملم بقايا شباكه الممزقة من على شاطئ مدينة غزة، ويضيف بنبرة متعبة" "المسافة المسموحة تضيق كل يوم، والرصاص يسبق الأسماك، صرنا نصطاد الخوف قبل أن نصطاد السمك، مركبي الذي ورثته عن والدي، تحول إلى حطام في دقائق، ولم يعد البحر ذلك الصديق الذي يعرف أسرارنا، بل أصبح عدوا بالوكالة".
أبو يوسف، الذي أمضى 30 عاما في مهنة الصيد، يؤكد أنّ معظم زملائه فقدوا مراكبهم أو أصيبوا أثناء العمل، وأنّ البحر الذي كان يمنحهم الأمل صار يمنحهم الرصاص، ورغم كل شيء، يصرّ على عدم ترك المهنة، لكنه يعترف بأن الأيام باتت تحمل في طياتها موتا محققا، وطموحات كانت تملأ قلبه تحولت إلى مجرد ذكرى عالقة في شباك ممزقة.
وفي مشهد يعكس عبقرية البقاء في وجه الحصار، يلتجئ الصيادون اليوم إلى إصلاح قواربهم بقطع من الخشب وإطارات الأبواب المسحوبة من تحت الأنقاض، بعد أن منعت السلطات الإسرائيلية دخول أبسط مواد الإصلاح، وعلى رأسها الألياف الزجاجية.
وبنبرة يملؤها الأسى، يحكي الصياد الثلاثيني محمود بارود من مخيم الشاطئ لمنصة "المشهد"، وهو يحاول حياكة شباك الصيد الممزقة بصنارة بلاستيكية عوضا عن صنارة الصيد: "نعاني أزمة عميقة في الحصول على معدات الصيد نتيجة الحرب، بفعل الغلاء الفاحش ومنع إسرائيل دخولها للقطاع، أضحى بنا الحال لصيادين مجردين من معدات وأدوات أساسية كان ثمنها زهيدا".
وبينما كان الصياد بارود يلملم بقايا شباك صيده، كان بلال أبو مهادي في الجهة المقابلة من الشاطئ يودع قاربه الذي فقده بسبب الحرب، قائلًا "القارب هو مصدر رزقي الوحيد، وجزء من كياني وحياتي، أحلامي تحطمت على شاطئ البحر الذي كان يجلب لنا الرزق، بات يجلب الموت والفقر المدقع"، مضيفا: "نشعر بأنّ رصاص الموت الإسرائيلي يطاردنا في هذه المهنة، حيث لا مكان آمنا، لا في البر ولا في البحر، فالعودة من رحلة صيد في البحر تعد انتصارا، والسمك هدية إضافية في حال أتت".
البحر يتحول إلى سجن
"بحر غزة، كان مفتوحا للرزق، لكنه تحول إلى سجن مائي واسع"، يصف الخبير في شؤون الصيد والإنتاج البحري نزار عياش ما آلت إليه أحوال قطاع الصيد في غزة بفعل الحرب وتداعياتها القائمة، والمشهد القاتم، حيث تفرض الزوارق الحربية الإسرائيلية سيطرتها على آخر متر من الشاطئ، وتتغير الحدود الملاحية كالسراب دون سابق إنذار.
ويكشف الخبير عياش لـ"المشهد" عن أرقام إضافية توضح عمق الكارثة، حصيلة الخسائر البشرية في صفوف الصيادين بلغت أكثر من 170 ارتقوا وهم يبحثون عن لقمة عيشهم المغمسة بالدم، إلى جانب إصابة وجرح واعتقال المئات من الصيادين في عرض البحر، من قبل البحرية الإسرائيلية، في حين أضحى أكثر من سبعين في المئة من الصيادين يعتمدون على قوارب مستعارة أو يكتفون بالصيد من على الشاطئ.
(المشهد)