تعيش تونس على وقع موجة جفاف متواصلة منذ 6 سنوات بدأ التونسيون يلمسون تأثيراتها على معيشتهم وموارد رزقهم وعلى اقتصاد بلدهم المرهق بأزماته الكثيرة.
وتعتبر تونس من بين أكثر دول العالم تأثرًا بالتغيير المناخيّ، ووفق دراسة جديدة نشرها المعهد التونسيّ للاستهلاك والقدرة التنافسيّة والدراسات الكميّة بعنوان"التأثيرات على الاقتصاد الكليّ وتحديات تكيف القطاع الفلاحيّ مع تغير المناخ"، جاءت تونس الخامسة عالميًا في ترتيب أكثر الدول تعرضًا لخطر الجفاف ونقص المياه.
تداعيات كبيرة
يأتي ذلك فيما تشير الأرقام الرسميّة إلى أنّ نسبة تعبئة السدود التونسيّة إلى غاية 16 أبريل 2024 بلغت 36%، أي ما يعادل تعبئة مائية تقدر بنحو 132 متر مكعب، ما يعني أنّ البلد في وضعية مائيّة "حرجة" باعتبار الخروج من فترة الإيرادات الأكثر احتمالًا.
وكانت السلطات التونسيّة أقرّت جملة من الإجراءات للتحكم في استهلاك المياه من أبرزها العمل بنظام تقسيط المياه المستمر منذ أكثر من سنة.
وتقول التقارير والدراسات إنّ تأثير التغييرات المناخية على الاقتصاد التونسي ستكون كبيرة ويتوقع المراقبون أن تزيد هذه التغييرات من أعباء الاقتصاد المنهك بطبعه منذ أزيد من عقد كامل فيما سيفقد آلاف التونسيين موارد رزقهم بسببها.
وبدأت تداعيات التغيير المناخيّ في تونس تظهر على الاقتصاد وعلى معيشة التونسيين بعد أن صارت موارد رزق جزء كبير منهم مهددة بسببها.
وتقول المختصة في الاقتصاد إيمان الحامدي لمنصة "المشهد" إنّ البنك الدولي حذّر تونس منذ سنوات من تنامي الصعوبات الاقتصادية المنجرة عن التحولات المناخيّة القاسيّة وتم تأييد هذه التحذيرات بعد أن عاشت تونس موسم جفاف قاس العام الماضي تسبب في هبوط نسبة نمو الاقتصاد إلى 0.4 % لكامل عام 2023.
وتضيف أن تأخر تونس في اتخاذ الإجراءات المطلوبة بشأن التغيرات المناخيّة سيؤدي إلى ارتفاع خسائر إجمالي الناتج المحلي بنسبة 3.4% بحلول عام 2030، مما سيؤدي بدوره إلى خسائر سنويّة متوقعة تبلغ حوالي 1.8 مليار دولار.
وتسببت التغييرات المناخية في ارتفاع أسعار السلع والمنتجات الأساسية بعد تراجع الإنتاج المحلي مقابل التوجه نحو التوريد لسد النقص الحاصل فيها.
وتؤكد الأرقام أنّ عديد القطاعات التي يعتمد عليها الاقتصاد التونسي تضررت من جراء تأثيرات التغيير المناخيّ من أبرزها الزراعة والسياحة.
وتعتمد تونس على الزراعة كواحدة من ركائز اقتصادها ويوفر القطاع موارد رزق لمئات آلاف التونسيين خصوصا في المناطق الريفية لكن التغيير المناخي أثر على مردود هذا القطاع الذي بات يعتبر من القطاعات المنفرة المزارعين الذي تخلى جزء لا بأس به منهم عن أراضيهم وهي مورد رزقهم الأساسي.
ويقول حمدي حشاد الخبير في البيئة إنّ تونس دولة تعتمد على الصادرات الفلاحيّة كأساس لاقتصادها، موضحًا أنّ التغييرات المناخيّة وفي صدارتها الجفاف أثرت على الإنتاج الفلاحيّ وتسببت في تفشي الأمراض الفطريّة ما نتج عنه وفق المتحدث "أضراراً كبيرة مست عمق الريف التونسي الذي تعتبر الزراعة مورد رزق سكانه سواء كانوا مزارعين أو عمالا".
وعاش مزارعو تونس موسماً قاسياً العام الماضي، بسبب خسارة أكثر من 80% من المحاصيل نتيجة الجفاف الذي ضرب بلدهم، وخسارة ما يزيد عن 2.5 مليون طن من الحبوب، حيث لم تتجاوز كميات المحاصيل المجمعة 500 ألف طن.
وتستورد تونس أكثر من 60% من حاجياتها من الحبوب وهو ما يثقل كاهل موازنتها التي تواجه بطبعها أزمة تعبئة خصوصًا مع وصول مفاوضاتها مع صندوق النقد الدوليّ إلى طريق مسدود.
وسبق أن أشارت دراسات دوليّة ومحليّة إلى أنّ تونس مهددة بفقدان مواردها الطبيعيّة، إذ يتوقع أن تواجه نقصًا حاداً في محاصيل الحبوب بسبب الجفاف بمعدل الثلث من المساحة المزروعة لتصل إلى مليون هكتار فقط بحلول 2030.
وسيكون لقطاع الصيد البحريّ أيضا نصيبه من هذه التداعيات بعد أن صارت الثروة السمكية مهددة بالانقراض بسبب ارتفاع نسبة درجة مياه البحر وظهور أنواع جديدة من الأسماك الغازية، ويشتكي عدد كبير من الصيادين التونسيين من الضرر الذي تسببه هذه الأصناف مثل السلطعون الأزرق لرزقهم.
ولن تقف تداعيات التغير المناخيّ عند القطاع الزراعيّ إذ يشير حشاد في تصريحه لمنصة "المشهد" إلى أنّ القطاع السياحيّ سيكون من بين أبرز القطاعات تأثرًا بها بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر وانحسار الشواطئ وهو ما يهدد البنية السياحيّة التي استثمرت فيها تونس لعقود طويلة.
ويمثل القطاع السياحي نحو 14% من الناتج القوميّ الإجماليّ في تونس ويوفر موارد رزق لنحو 600 ألف تونسي فيما يعيش منه نحو 2.8 مليون تونسي.
في المقابل سيدفع التغيير المناخي إلى زيادة الطلب على الطاقة وفي مقدمتها الكهرباء في بلد يعاني من عجز طاقي متفاقم منذ سنوات تدفع موازنة الدولة فاتورة كبيرة لدعمه.
أي حلول ممكنة؟
يدعو الخبراء والمختصين السلطات في تونس لاستباق التداعيات المستقبلية الخطيرة للتغير المناخي على اقتصاد البلد خصوصًا وأنّ هناك إجماع على أنّها ستتفاقم خلال الأعوام القادمة وستكون أكثر قسوة.
وبدورها ترى الحامدي أنّ اتخاذ تدابير استباقية للتكيف والتخفيف من تأثيرات تغير المناخ وإزالة الكربون من قطاع الكهرباء، يمكن أن تعزز نمو إجماليّ الناتج المحلي إلى 8.8% بحلول عام 2030، وتقلص رقعة الفقر وتخفض الانبعاثات المرتبطة بالطاقة.
وفي السياق يقول حشاد إنّ الحل للتقليص من تداعيات التغيير المناخي على الاقتصاد التونسي يمر حتمًا عبر التفكير في العديد من الإجراءات من بينها:
- التوجه نحو الاستثمار في الطاقات المتجددة
- والعمل على تغيير العقلية الاستهلاكيّة للتونسيين.
- اعتماد التقنيات التراثيّة في مجال خزن الأغذية وتكييف المباني بطريقة اقتصادية.
- إعادة تغيير أوليات القطاع الزراعي بشكل يسمح باحترام السيادة المائية والمحافظة على التنافسية للاقتصاد التونسي.
- الأخذ بعين الاعتبار السياسات المناخية ضمن السياسات والتوجهات العامة للبلاد.
(المشهد)