في ظل أزمات إقليمية معقّدة، بداية من الوضع في غزة والمسألة الفلسطينية، إلى اضطرابات أمن الملاحة وحتى تدفقات الطاقة بفعل الحرب في إيران، فإنّ كلمة وزير الدولة الإماراتي خليفة شاهين المرر في الأمم المتحدة، الاثنين، كشفت عن ملامح الموقف الإماراتي كما السياسات المركزية، في إطار أوسع من التعامل مع أزمات منفردة.
إستراتيجية الإمارات
إذ إنّ إستراتيجية دولة الإمارات تقوم على مقاربة شمولية، تبدو فيها سياساتها أمام محاولة حثيثة لنقل حضورها الدبلوماسي باتجاه إدارة الأزمات ومنع اتساعها، بجانب الدفع نحو تسويات سياسية أكثر استدامة، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
وبذلك، لا تبدو كلمة وزير الدولة الإماراتي مجرد خاتمة للمشاركة الإماراتية في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة، بقدر ما تعكس تصورًا لدور الدولة في بيئة دولية تتسع فيها الفجوة بين تصاعد المخاطر وقدرة النظام متعدد الأطراف على احتوائها.
وبحسب المصادر ذاتها، فهذا تصور يضع الحوار والتعاون الدولي واحترام قواعد القانون الدولي في صلب معالجة أزمات، باتت تداعياتها تتجاوز حدود المنطقة إلى الأمن الاقتصادي والغذائي واستقرار النظام الدولي نفسه، خصوصًا ما يتصل بأزمات الإقليم في غزة كما اليمن والسودان، فضلًا عن أمن الملاحة وسلاسل الإمداد.
وقال وزير الدولة الإماراتي خليفة شاهين المرر، في كلمة الإمارات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ختام أعمال الأسبوع رفيع المستوى، أمس، إنّ بلاده تتمسك بالدبلوماسية والحلول السلمية في معالجة الأزمات، مؤكدًا ضرورة تعزيز التعاون الدولي واحترام سيادة الدول والقانون الدولي.
في حين جدد الوزير المرر موقف الإمارات الداعم لإنهاء الحرب في غزة، والتوصل إلى حل سياسي يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية. كما أكد تمسك بلاده بحقوقها في الجزر الإماراتية الـ3 التي تسيطر عليها إيران، داعيًا إلى معالجة القضية بالوسائل الدبلوماسية. وقد شدد على مواصلة الإمارات نهج الاعتدال ونبذ العنف والتطرف، والعمل على تحويل التحديات الإقليمية والدولية إلى فرص تدعم السلام والاستقرار والتنمية.
فلسفة سياسية
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال الكاتب والباحث الإماراتي المختص في العلاقات الدولية محمد خلفان الصوافي، إنّ ما حملته كلمة الإمارات على منبر الأمم المتحدة، يتجاوز المواقف المنفصلة تجاه ملفات المنطقة، ليعكس فلسفة سياسية متكاملة لدولة تدرك حجم دورها الدبلوماسي على الساحة الدولية، وما تنتظره منها دول العالم.
وأوضح الصوافي، أنّ الكلمة عبّرت، من جهة، عن تمسّك الإمارات بحقوقها التاريخية، بالتوازي مع إصرارها على اللجوء إلى الحلول السلمية، من جهة أخرى، وهو ما يتجلى في موقفها من الجزر الإماراتية الـ3 التي تحتلها إيران.
وأضاف، أنّ الإمارات لا تنظر إلى قطاع غزة باعتباره أزمة إنسانية تستدعي الاحتواء والإغاثة فحسب، وإنما تتعامل معه باعتباره جزءًا من قضية سياسية لا يمكن إنهاؤها من دون قيام دولة فلسطينية. ومن هذا المنطلق، تجمع المقاربة الإماراتية بين إغاثة الفلسطينيين والتخفيف من معاناتهم، ورفض تهجيرهم أو تغيير واقع أرضهم، والعمل في الوقت نفسه على بناء مسار سياسي يضمن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته.
وأشار الكاتب والباحث الإماراتي المختص في العلاقات الدولية، إلى أنّ الرسالة الأوسع في الموقف الإماراتي تتمثل في أنّ استقرار المنطقة لا يمكن أن يُبنى بمنطق القوة، سواء من جانب إيران أو إسرائيل، وإنما عبر احترام سيادة الدول والقانون الدولي، والعمل على صناعة التسويات السياسية.
وختم حديثه قائلًا إنّ تحقيق هذا الاستقرار لا يقع على عاتق دول المنطقة وحدها، بل يحمّل المجتمع الدولي مسؤولية الاضطلاع بدوره في حماية القانون الدولي، ودعم الحلول السلمية، والدفع نحو تسويات تضمن الأمن والاستقرار في المنطقة.
التهدئة والوساطة
إذًا، الموقف الإماراتي في الأمم المتحدة يبدو أقرب إلى إعادة تثبيت موقع أبوظبي كطرف إقليمي يدفع باتجاه التهدئة والوساطة، مع حماية مصالحها المباشرة في الملاحة والطاقة والأمن الإقليمي، بحسب ما يؤكد مدير المركز العربي للبحوث والدراسات دكتور هاني سليمان، موضحًا السياسات الوازنة في القضايا المأزومة إقليميًا، ومنها الوضع بإيران، وقد جمع الخطاب بين الدعوة للحوار والاحتكام للقانون الدولي، من جهة، والتشدد في قضايا الجزر وحرية الملاحة، من جهة أخرى. وهذا يتسق مع الأهداف التي أعلنتها أبوظبي قبل اجتماعات الجمعية العامة، حيث ضرورة حل النزاعات، وتعزيز الاستقرار، والإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة.ويقول سليمان لـ"المشهد"، إنّ هذا الموقف يتبلور من خلال نقاط عدة:
- أولًا: يمثل الموقف الإماراتي محاولة للجمع بين التهدئة وحماية المصالح الإستراتيجية الإماراتية. فقد ركز الخطاب على خفض التصعيد والحوار والدبلوماسية، لكنه في الوقت نفسه شدد على حرية الملاحة وحق المرور الآمن وحماية تدفقات التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما يرتبط مباشرة بالتداعيات الإقليمية لأزمة مضيق هرمز.
- ثانيًا: حمل الموقف رسالة مباشرة إلى إيران بشأن الجزر الـ3. إذ أعادت أبوظبي تأكيد رفضها احتلال إيران لجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، مع طرح التفاوض المباشر أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية كمسارين لتسوية القضية. وهذا يعكس تمسك الإمارات بإدارة الخلاف مع إيران ضمن الإطار القانوني والدبلوماسي، بدلًا من تحويله إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
- ثالثًا: في ملف هرمز، تبدو الأولوية الإماراتية هي رؤيتها الشمولية للأمن الإقليمي والدولي وتداعيات ذلك بخصوص الاستقرار الاقتصادي والأمني. فالتأكيد على حرية الملاحة وحماية سلاسل الإمداد والطاقة، يأتي في وقت عرضت فيه إيران خطة من 7 أيام لإعادة فتح المضيق، بينما تستمر الخلافات مع الولايات المتحدة حول شروط إعادة فتحه. لذلك؛ يمكن قراءة الموقف الإماراتي باعتباره ضغطًا دبلوماسيًا باتجاه إعادة حرية الملاحة، من دون تبنٍّ علني لشروط أيٍّ من واشنطن أو طهران.
- رابعًا: تبنت أبوظبي في غزة صيغة تجمع بين دعم إنهاء الحرب والتمسك بالتصور السياسي القائم على حل الدولتين. فالخطاب الإماراتي أيد تنفيذ الخطة الأميركية لإنهاء الحرب، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي من غزة ونزع سلاح "حماس"، لكنه في الوقت نفسه، طالب بوقف التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية ووقف الاستيطان والعنف ضد الفلسطينيين، وربط التسوية النهائية بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
- خامسًا: في السودان، يتضمن الموقف الإماراتي صيغة سياسية لافتة، إذ دعا إلى وقف إطلاق نار دائم وغير مشروط، وإلى عملية سياسية مدنية لا يكون لأيٍّ من طرفَي الحرب دور فيها، كما دعا المجتمع الدولي إلى الضغط على طرفي الصراع للانخراط في المبادرات السياسية.
(المشهد)
