الصحراء المغربية.. هل تنجح محادثات مدريد في إقناع الجزائر بخطة الحكم الذاتي؟

شاركنا:
محادثات مدريد قد تمهد لمرحلة جديدة قوامها تنزيل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية (إكس)
هايلايت
  • محادثات مدريد لمناقشة مقترح الحكم الذاتي التفصيلي الذي تقدمت به الرباط.
  • الولايات المتحدة وبعثة الأمم المتحدة قامتا برعاية هذه المحادثات.
  • الرباط أعلنت عن تحديث موسع لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمته عام 2007.
  • تحرص واشنطن في المفاوضات على إرضاء المغرب من دون الإضرار كثيراً بالجزائر. 
انتهت أمس الإثنين في مدريد المحادثات حول الصحراء المغربية، والتي جمعت بين المغرب والجزائر وموريتانيا و"جبهة البوليساريو" داخل مقر السفارة الأميركية بالعاصمة الإسبانية، بهدف مناقشة مقترح الحكم الذاتي التفصيلي الذي تقدمت به المملكة.

وفرضت واشنطن حسب وسائل إعلام إسبانية، الصمت التام كشرط أساسي لإطلاق هذه المحادثات التي عقدت من دون مشاركة مباشرة للحكومة الإسبانية، سوى في دور تقني لتسهيل اللقاء.

ويمثل هذا اللقاء الحواري المتعدد الأطراف سابقة منذ "المسيرة الخضراء" سنة 1975، التي نظمها المغرب وأسفرت عن انسحاب القوات الإسبانية من الإقليم.

تفعيل مبادرة الحكم الذاتي

وأشرف على المشاورات كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، إلى جانب ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة مايكل والت، وبحضور المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا.

ووصف محمد الفاتحي مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الإستراتيجية في تصريح لمنصة "المشهد"، محادثات مدريد بكونها الإجراء العملي لتفعيل مبادرة الحكم الذاتي وفق الصيغة التي تقترحها المملكة المغربية.

وذلك بعد "إجماع المجتمع الدولي على واقعية ومصداقية هذه المبادرة التي باتت اليوم تحظى بتأييد القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي رقم 2797" حسب الفاتحي.

وقالت الولايات المتحدة إن بعثة تابعة لها وأخرى تابعة للأمم المتحدة، قامتا برعاية محادثات حول نزاع الصحراء بين المغرب وجبهة البوليساريو، المستمر منذ أكثر من نصف قرن.

وأوضحت البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة أن هذه المحادثات جرت في العاصمة الإسبانية، بمشاركة وفود عن المغرب و"البوليساريو" والجزائر وموريتانيا، مشيرة إلى أنها بحثت تنفيذ قرار مجلس الأمن الأخير حول النزاع في الصحراء المغربية.

ويقترح المغرب حلاً يقوم على الحكم الذاتي تحت سيادته للإقليم لإنهاء الصراع الدائر منذ أكثر من نحو 50 سنة، فيما تتمسك "جبهة البوليساريو" بتقرير المصير عبر استفتاء يتضمن خيار الاستقلال، وتشارك موريتانيا بصفة معتادة في هذا النوع من المسارات، بينما تُعد الجزائر الداعم الرئيسي لـ"البوليساريو".

وتستند هذه المبادرة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 في أكتوبر الماضي الذي اعتبر أن "الحكم الذاتي الحقيقي" هو الحل الأكثر واقعية للنزاع، وهو ما أيدته أيضا مؤسسات الاتحاد الأوروبي في يناير الماضي باعتباره أساسًا لتسوية سياسية "عادلة ودائمة ومقبولة من الطرفين".

صيغة جديدة ومنقحة

ويعتقد الفاتحي أن الاجتماعات الأولية التي احتضنتها السفارة الأميركية بمدريد، هي مناسبة لاطلاع الأطراف الأخرى على النسخة المحينة المغربية للحكم الذاتي، قبل الشروع في مناقشة تفاصيلها.

وكانت الرباط قد أعلنت في نوفمبر الماضي، عن تحديث موسع لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمته عام 2007، بعد أن استعانت بنماذج دولية للحكم الذاتي، بهدف تقديم صيغة تستجيب لمفهوم "حكم ذاتيّ حقيقي" كما تطالب به الأمم المتحدة.

وتتضمن الصيغة المغربية الجديدة حسب تقارير إعلامية رسمية، نصًا موسعًا من نحو 40 صفحة، وينص على إخضاع نظام الحكم الذاتي لاستفتاء سكان الإقليم، ثم إدراجه في الدستور المغربي عبر تعديل دستوري.

وفي المقابل، أكد الأمين العام لـ "جبهة البوليساريو" إبراهيم غالي خلال فعالية بالجزائر يوم الجمعة الماضي، استعداد حركته "لإبداء المرونة، والتعاون مع الجهود الدولية الرامية إلى التوصل إلى حل".

وشدد في الوقت نفسه على أن “الشعب الصحراوي يجب أن تكون له الكلمة الأخيرة في تقرير مستقبله".

ويعتبر محمد سالم عبد الفتاح الباحث المتخصص في ملف الصحراء في تصريحه لـ"المشهد"، أن جلسات مدريد تأتي في ظل انتقال واضح في خطاب مجلس الأمن من منطق إدارة النزاع، إلى الدفع نحو تسوية سياسية قابلة للتطبيق، وهو "ما يمنح المبادرة المغربية موقعا مركزيا داخل العملية التفاوضية".

ويضيف الباحث أن حضور الجزائر في هذه المباحثات، بصفتها طرفًا مباشرًا، يؤشر على تزايد الضغط الدولي لفك الارتباط بين الخطاب السياسي والمواقف التقليدية، والانتقال نحو "تحمل المسؤولية في البحث عن حل نهائي للنزاع".

ضغوطات واشنطن

وتهدف الدبلوماسية الأميركية حسب تقارير إعلامية إسبانية، إلى أن توقّع الأطراف المعنية، خلال 3 أشهر اتفاقاً إطاريا في واشنطن، يسمح للرئيس ترامب بتسجيل إنجاز جديد في مجال تعزيز السلام، ويضع حدًا لنزاع بدأ قبل نصف قرن.

كما تحرص واشنطن حسب التقارير، أن يحل هذا الاتفاق النزاع بشكل يرضي المغرب، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في شمال إفريقيا، من دون الإضرار كثيرًا بالجزائر، التي هي منتج كبير للطاقة والمعادن.

ويؤكد هذا الرأي أستاذ العلاقات الدولية محمد الفاتحي بالقول إن قبول النظام الجزائري الانخراط في المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة الأميركية، بات "تحصيل حاصل" باستجابة وزير خارجيته للدعوة وحضور المحادثات بالسفارة الأميركية بمدريد.

وهو ما يعني حسب الفاتحي التزام الجزائر عمليًا في المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي، والتنازل عن "التفسيرات المعيبة لقرار مجلس الأمن الدولي الأخير حول الصحراء، وهذا الالتزام لم يعد مقبولًا معه الرجوع إلى الوراء".

لجنة تقنية

وحسب تقارير الصحف الإسبانية، فإن محادثات الأحد والإثنين ركزت على إنشاء لجنة تقنية دائمة تضم ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا و"جبهة البوليساريو"، مع إمكانية الاستعانة بخبراء قانونيين وغيرهم.

وستعمل هذه اللجنة تحت إشراف الولايات المتحدة والأمم المتحدة، اللتين ترعيان المفاوضات.

وستتمثل مهمة هذه اللجنة حسب التقارير، في تنقيح خطة الحكم الذاتي الجديدة التي قدمها المغرب، لتكون هذه الخطة هي "الوثيقة الوحيدة المطروحة على طاولة التفاوض" إذ لن تُقبل أيّ مقترحات بديلة.

ويتوقع الباحث محمد سالم أن تسهم هذه الجلسات في تثبيت المرجعية السياسية للمفاوضات، والحد من محاولات إعادة النقاش إلى "خيارات متجاوزة".

ويضيف في تصريحه لـ"المشهد" أن محادثات مدريد قد تمهد لمرحلة جديدة قوامها الانتقال التدريجي من النقاشات السياسية العامة، إلى مقاربات عملية تتعلق بتنزيل الحكم الذاتي، بما "يخدم الاستقرار الاقليمي ويعزز واقع السيادة المغربية كمعطى سياسي وقانوني متقدم".

وبعد محادثات مدريد، يُنتظر حسب تقارير غربية، عقد اجتماع مشترك على شكل طاولة مستديرة في واشنطن خلال شهر مارس المقبل، بهدف تقريب وجهات النظر وصياغة حل سياسي مقبول والتوقيع عليه.

وهو ما يؤكده أستاذ العلاقات الدولية محمد الفاتحي بالقول إنّ واشنطن راعية المحادثات، تضع أجندة زمنية تهدف الوصول إلى حل نهائي بصيغة الحكم الذاتي المقدمة من طرف الرباط، في أفق زمني لا يتعدى أبريل المقبل، موعد الاجتماع النصف السنوي لمجلس الأمن الدولي حول قضية الصحراء المغربية. 

(المشهد)